البريكست بين هيمنة الواقعية وانحسار الليبرالية

لـ

 هل ما يزال الاتحاد الأوروبي نموذجًا مثاليًا للتكتلات الاقتصادية السياسية ؟

 

أعتقد بأن نموذج الاتحاد الأوروبي يعدّ من أكثر التجارب التي تستند عليها المدرسة الليبرالية لتدعيم حججها التي تفسر قواعد العلاقات الدولية؛ ذلك أنها على خلاف المدرسة الواقعية تؤمن بأهمية المنظمات الدولية ودورها كفاعل رئيس في المجتمع الدولي، كما أنها تفسر التكامل الاقليمي على أنه يمثل أفضل الطرق لتحقيق السلم والتعاون الدوليين، وذلك من خلال بناء مؤسسات دولية تنظم الفوضى في النظام الدولي، وتضيق انعدام الثقة بين الدول، وأيضا لتكون بديلا عن السلطة العليا التي تغيب في المجتمع الدولي الذي تصفه المدرسة الواقعية “بالمجتمع الفوضوي”.

 

الأحداث الأخيرة التي تعرضت لها أوروبا من هجرة غير شرعية وما تسببت به من موجات إرهابية ساهمت في تعزيز  قرار البريكست، إذ صوّت ٥٢٪ من البريطانيين في استفتاء أجري في يونيو بعام ٢٠١٦ لصالح انسحاب بلادهم من الاتحاد الأوروبي. وبصرف البصر عن تداعيات هذا القرار، فالسؤال الذي ينبغي طرحه هنا: هل يقوّض خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي نظريات المدرسة الليبرالية في تفسير قواعد العلاقات الدولية؟

 

البريكست سيتسبب بخسائر لبعض الجهات، وفي الوقت ذاته ستنتفع منه جهات أخرى؛ سواء على مستوى الاتحاد الأوروبي أو على مستوى بريطانيا نفسها. أي إنه أفرز فاعلين رابحين وآخرين خاسرين – بحسب نظريات الاقتصاد السياسي- فمن الناحية الاقتصادية على سبيل المثال يعد قطاع صناعة السيارات من أكثر القطاعات الصناعية المتأثرة سلبا بالانسحاب، وذلك لأهمية الصناعات الأوربية للسيارات في السوق البريطاني. وفي المقابل ، أشار بعض الخبراء الاقتصاديين إلى أن القطاع المصرفي سوف يستفيد من هذا القرار، وذلك نتيجة إزالة الرقابة التي تفرضها بروكسل على البنوك والمصارف المالية. أما من الناحية السياسية، فسوف يمنح الانسحاب بريطانيا الاستقلالية في قراراتها السياسية، إذ إنها كانت تعاني من عدم انسجام قراراتها مع قرارات الاتحاد الأوروبي ومصالحه، وأيضا سيعطي بريطانيا قدرة أكبر في التحكم بحدودها الخارجية. ولكن من ناحية أخرى فتمثل مصلحة بقاء اسكتلندا ضمن الاتحاد الأوربي مصدر خطر يهدد المملكة المتحدة، وذلك من خلال إمكانية انفصال أسكتلندا وما قد يخلفه هذا الانفصال من خسائر مادية فادحة للمملكة.

 

بناء على ما سبق، يمكن الاستنتاج أنه إذا كان قرار دخول الدولة إلى تكتل اقتصادي وسياسي معين بدافع المصلحة فإن انسحابها منه سيكون بدافع المصلحة أيضا ، وإن لم يكن الدافع ممثلا لمصلحة الجميع فإنه سيمثل مصلحة الأغلبية. وبالحديث عن تغليب المصلحة القومية على المصالح الدولية المشتركة، التي تتجلى في إطار التعاون الدولي وتفعيل دور المنظمات الدولية، تدعم نظريات المدرسة الواقعية التي يعلي أنصارها أهمية قوة الدولة ومصالحها القومية على أهمية التعاون المشترك لتحقيق السلم والأمن الدوليين. وذلك يؤكد أن الدولة مهما وجدت من منافع جراء انضمامها للتكتلات الإقليمية فإنها مستعدة للخروج عند أول لحظة تدرك فيها أن ظروفها السياسية والاقتصادية الحالية توفر لها مصالح ذاتية تتناقض مع مصالح الدول الأعضاء، من ثمّ فمنفعة الانسحاب أكبر من منفعة البقاء. ويمكن الاستناد إلى نظرية الاختيار العقلاني – التي تتبناها المدرسة الواقعية- لتفسير ذلك من خلال فلسلفتها المبنية على أن الدولة تقوم بحساب المكاسب والتكاليف وتقدير ها، وترجيح الكفة التي تصب فيها المنافع للخروج بقدر أقل ممكن من الخسائر. كما أنها تفسر سلوك الدولة على أنه مبني على السعي للمصلحة الذاتية قبل مصلحة الفريق الذي تنتمي إليه، فإذا تناقضت تلك المصلحة مع المصلحة الجماعية يتم اختيار القرار الذي يرجح المصلحة الذاتية، حتى وإن كانت نتيجته الانسحاب من الفريق بأكمله. ومع ذلك؛ إلا أن استخدام البريكست كدليل لوحده لا يكفي لإضعاف حجج أنصار المدرسة الليبرالية، إذ ما زالت هناك الكثير من التكتلات الدولية القائمة والفاعلة في مختلف المناحي الأمنية والسياسية والاقتصادية. ويبقى السؤال المطروح بهذا الصدد، هل ستصمد هذه التكتلات القائمة بنفس قوتها وتماسكها إذا ما وجد أحد أعضائها أو بعضهم مصلحة ذاتية للانسحاب؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد صلاحية نظريات المدرسة الليبرالية في تفسير قواعد العلاقات الدولية في خضم السياق التاريخي المعاصر.

0 769 31 يناير, 2019 الثالث بعد المئة, سياسة يناير 31, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.