قصر الكتب: شذرات من دفـاتـر قـارئ نهم

لـ

صدرت قبل أشهرٍ عن دار المدى الترجمة العربية لكتاب “قصر الكتب” للمحرّر والناشر والكاتب الفرنسي روجيه جرينييه (1917-2017)، وبترجمة زياد خاشوق. يعدّ جرينييه من أشهر المحرّرين الأدبيين الذين عملوا في دار نشر جاليمار الفرنسية الشهيرة، إذ عمل الرجل في الدار لمدة تزيد عن نصف قرن (1964-2017)، مما أتاح له قراءة إنتاج دار جاليمار كاملًا، فضلًا عن اطّلاعه على مخطوطات الأعمال الأدبية المقدّمة للدار لقراءتها ولإبداء الملاحظات. يقدّم  جرينييه في هذا خلاصة تجربة حياةٍ مديدة مع الكتب والنصوص الأدبية.

ولِد جرينيه في سنة 1917، وبعد تحرير باريس من قبضة النازيّ، واظب على حضور دروس الفيلسوف الفرنسي الأشهر جاستون باشلار، ثمّ التحق بعدها بجريدة Combat”، ليعمل إلى جوار الروائي الفرنسي الحائز على نوبل ألبير كامو. واصل جرينييه العمل بالصحافة الأدبية وصناعة النشر، حتى التحق سنة 1964 بدار جاليمار محرّرًا أدبيًا وناشرًا، واستمرّ في الكتابة والتأليف والتحرير وإلقاء المحاضرات في أوروبا والولايات المتحدة  حتى وفاته في سنة 2017. أصدر جرينييه نحو ثلاثين كتابًا ودراسة أدبية، اتّسم أغلبها بالتكثيف الشديد، من أهمّها كتاب “صعوبة أن تكون كلبًا” (2002 – 139 صفحة)، تناول فيه خصوصية تاريخ العلاقة بين الإنسان والكلب من منظور إنساني وأدبيّ وتاريخي، وكتاب “صندوق الصور الفوتوغرافية (2013 – 120 صفحة)، ويتناول فيه علاقة الصورة الفوتوغرافية بالسرد الأدبي من وجهة نظر أدباء ومفكّرين كبار.

***

الكتاب في الأصل مجموعة مقالات نُشرت في فترات زمنية متفرّقة، يصطحب فيها جرينييه القارئ في نزهة بصحبة أشهر النصوص والروايات التي دمغتْ بطابعها وبأثرها الأدبيّ والفنّي في القرن العشرين. أسلوب الكتاب قائم على فكرة الشذرات والاقتباسات في مُجمله؛ لكنها شذرات دالّة موحية تحمل في كلماتها القصيرة دلالات بالغة. يستهلّ جرينييه الكتاب بمقالٍ بعنوان موطن الشعراء، يقرّب المؤلّف إلى القارئ مفهوم الحبكة الروائية من خلال المقارنة بين مفهوم ارتكاب الجريمة وبين الحادثة. ارتكاب الجريمة هو انتقال إلى “الفعل”، بينما الحادثة هي انتقال إلى السرد/الحكيّ. ارتكاب الجريمة إشارة إلى فعل وقع وانتهى، بينما الحادثة رواية مصغّرة، سرد بسيط لحكاية محبوكة ذات بداية ومنتصف ونهاية، وهذه هي الطريقة التي يعمل بها الأدب. فالكاتب عند سرده لقصّة جيّدة الحبكة يضفي شيئًا من الترتيب على العالم، ضاربًا المثل بعشرات النماذج الأدبية التي استقَتْ مادتها من وقائع يومية، وحوّلتها إلى مادة أدبية من خلال إضفاء نوع من الترتيب الزمني على الأحداث، وصبغِـها بمسحة حُلْمية. ينتقل جرينييه بعدها إلى موضوع الانتظار في الأدب. فيقول إنّ الانتظار طالما كان موضوعًا أثيرًا لدى كبار الأدباء.

ففي رواية “الغريب” لألبير كامو كان الانتظار بالنسبة للبطل قبل صدور الحُكم ليس سوى وقت يمرّ لا يزينه أي انفعال: “كنا هناك منتظرين جميعًا، انتظرنا زمنًا طويلًا.. ثلاثة أرباع الساعة”. بينما يرى مشيكين بطل رواية الأبله لدوستويفسكي أن انتظار المحكوم عليه بالموت كان أمرًا لا يُحتمل: “أكثر الأشياء إشارة للهلع هو ربع الثانية الذي تضع فيه رأسك تحت شفرة المقصلة”. أما بودلير فكان ينتظر الموت “مثل الطفل المتعطّش للعرض، ويكره الستارة كما يكره المرء عائقًا، ولكن لن يحدث أي شيء فقد رُفعتْ الستارة وما زلت أنتظر”.

في فصل الحياة الخاصّة يسلّط جرينييه الضوء على مسألة تطوّر وسائل الإعلان، ووضع الكاتب في مرمى الأضواء والنيران، متسائلًا: هل تعدّ معرفة الحياة الخاصّة للكاتب مهمّة لفهم أعماله؟ يسوق المؤلّف مثلًا برواية مارسيل بروست “ضد سانت بوف”، الذي أخطأ فيه بروست بإصرارٍ لافت للنظر حول قيمة معاصريه. يعتبر بروست أنّ هذه المعرفة لا تفيد في شيء، وحتى إنها يُمكن أن تضلّل القارئ: فالكتاب هو إنتاجٌ لأنا آخر غير ذلك الذي نُظهره في عاداتنا”. بينما يرى جوستاف فلوبير: أنّ ليس على الكاتب أن يتركَ أثرًا عنه إلا أعماله”. ويرى هنري جيمس: “أنّ الفنان بأكمله موجود في أعماله، ولا شيء غير ذلك”.

يعرّج بعدها على رؤية عالم النفس فرويد الذي كان يرى: “أنّ كل طفل يختلق رواية عائلية يكتبها لاحقًا، أما الكاتب فيتابع اختلاق رواية إن لم تكن عائلية فهي شخصية”. ويشير الباحث الأدبي مارت روبير أنّ الروائي يسرد تربيته العاطفية وبحثه عن الزمن المفقود، بينما يقوم تناقضه الأساسي على أنّه يفضي بأسراره إلى الورق، مع أنّه يتخذ جهده لإخفائها تحت نصّ خيالي”.

في المحصّلة نكتشف أنّ كتابة الذات هي حركة ذهاب وإياب، حركة جدلية، ينغلق المرء على ذاته للتواصل مع الآخر بشكل أفضل، مـشيرًا إلى مقولة الروائي الأرجنتيني خوليو كورتاثار: “الكاتب يصبو ليكون غير مرئيّ وموجود معًا، أن يقول كل شيء عن ذاته دون أن يُظهر ذلك”.

في واحدٍ من أشدّ فصول الكتاب إمتاعًا بعنوان “اللا مكتمل“، يناقش جرينييه مسألة لا اكتمال الأعمال الأدبية والفنيّة. فيضرب مثلًا برواية كافكا القصر، التي هي عمل غير مُنتهٍ. حيث شبّه كافكا نفسَه: “برجل لديه منزل خَرِب، مصنوع من ذكرياته، فراح يستخدم ذلك المنزل من أجل أخذ بعض المواد الأولية لبناء منزل آخر، وفي منتصف عمله وجد أمامه بيتًا نصف منهدم.” ينتقل جرينيه بعدها إلى روائيه الأثير مارسيل بروست، فينقل عن الجزء السابع من الزمن المفقود العبارة التالية: “في تلك الكتب الكبيرة، هناك أجزاء لم يتوفّر لها من الوقت إلا ما يكفي لرسمها بشكل أولّي، والتي لن تكون منتهية يسبب ضخامة مُخطّط المهندس المعماريّ، كم من الكاتدرائيات المبيرة بقيت غير مُكتملة”. ثم يعطي مثلًا برواية الأديب النمساوي روبرت موزيل رجل بلا صفات، التي بقي يكتب فيها حتى وفاته ولم يُكملها. ويسوق عبارة وردت على لسان الروائي البولندي برونو شولتس: “هناك أشياء لا يمكن أن تحدث بالكامل حتى نهايتها، إنها أكبر، وأكثر روعة من أن تُضمّن في حدث واحد. إنها تحاول فقط أن تحدث، أن تجـسَّ أرض الواقع. هل سيتحمّلها الحدث؟ وتعود مباشرةً إلى الوراء، خشية أن تفقد كمالها في إنجاز ناقص؟”

بينما كتب ألبير كامو في ملاحظات روايته الإنسان الأول: “ينبغي أن يكون الكتاب غير مُكتمل”، فيما اختار الشاعر الفرنسي هنري ميشو افتتاحيةً لكتابه “ممرات” عبارة لراهب بوذي ياباني يقول فيها: “في قصور العصر الغابرة، كان يترك دائمًا بناء غير مكتمل، وكان ذلك إلزاميًا”، مختتمًا الفصل بسؤال: ما الأسوأ؟ أن يكون الشيء منتهيًا؟ أم غير منتهٍ؟ لا يُجيب جرينييه عن السؤال ويترك الباب مفتوحًا.

في فصلٍ آخر بعنوان “أما زال لديّ شيء آخر أقوله” يطرح جرينييه السؤال الآتي: هل يكون عمل الكاتب، أو بشكل أعمّ عمل الفنان عملًا أخيرًا في نظره هو، أم في نظر الآخرين؟ موضحًّا أنّ قليلًا من الكتّاب مَنْ وضع نقطة النهاية لإبداعه عن سابق قصدٍ. يقول جرينييه أنّه في معظم الأحيان يجد المُبدع نفسه وقد نضبتْ قريحته، مثل الروائي جوزيف كونراد الذي كتب إلى أندريه جيد قبل وفاته بشهرين قائلًا: “ها قد مضَت سنوات أربع لم أفعل فيها شيئًا ذا قيمة. وأتساءل عمّا إذا كانت هذه هي النهاية”. بينما اعترف الأمريكي وليم فوكنر قبل وفاته بفترة قصيرة:” أعرف أنني أقترب من النهاية، من قعر البرميل”.         يلاحظ جرينييه أنّ هناك فنانين يخبروننا بشكلٍ صريح أنهم يضعون نقطة النهاية لأعمالهم، فتشارلي تشابلن في فيلم أضواء المسرح الذي تغلب عليه الميلودراما، يجعل الشخصية التي تمثّله تنطق العبارة الأخيرة على طريقة شكسبير قبل أن يُغلق له عينيه. وهناك  كُتّاب آخرون قد يرَون أن ما كتبوه قد يعدّ عملهم الأخيرة، إلا أنّ شعورًا من الشكّ المفاجئ يعتريهم، وهو ما حدث للروائي الفرنسي آندريه جيد عندما كتب “آمين أو انتهى الرهان”. إذ أضاف:” لا أستطيع التأكيد أنّه مع نهاية هذا الدفتر سيكون كل شيء قد أغلِقَ، ربما ستحدوني الرغبة في إضافة شيء آخر، ربما في اللحظة الأخيرة”. وثمّة مفكّرون لا يتوقّفون عن جلد ذاتهم، مثل الفيلسوف النمساوي لودفيج فِتجينشتاين الذي عبّر عن حسرته في مقدمة كتابه أبحاث فلسفية قائلًا:” كنتُ أفضّل أن أنتجَ كتابًا جديدًا، إلا أنّ القدر غير ذلك، والزمن الذي كان يُمكن أن يتيحَ لي تحسينه فات وانقضى”.

وفلاديمير نابوكوف، كان قد كتب داخل ذهنه رواية كاملة بعنوان “نسخة لورا الأصلية”، ولم يعرف الورق إلا بضعة أجزاء من هذه الرواية، بل حتى مسوّدة الرواية طلب نابوكوف إحراقها قبل وفاته، لكنها رغم ذلك نُشِرَت في سنة 2010، أي بعد موت نابوكوف بثلاثٍ وثلاثين سنة. يقول جرينييه في ختام الفصل أنّ هناك كُـتّابًا، لا يُمكننا الكلام عن العمل الأخير في حياتهم؛ فهناك بالأحرى عمل متواصل على امتداد حياة بأكملها، يُنقّح بدون توقّف. نجد في مثل هذه الحالة مارسيل بروست، وروبرت موزيل ونيتشه، الفيلسوف الكبير الذي كان يتأرجح بين الرغبة بالبناء وبين الشكل الحرّ بالكامل. أما بالنسبة لسارتر فيعني العمل الأخير العمل الذي هو منكبٌ على كتابته، والذي هو حتمًا أفضل من سابقه.

في نهاية الكتاب نقرأ عنوان لفصل لافت “لكي تكون محبوبًا“، يتساءل فيه جرينييه هل تكون الكتابة سببًا للحياة؟ يعترف المؤلّف أن دار نشر جاليمار تتلقّى سنويًا عشرة آلاف مخطوط تقريبًا، وهذا يعني كمّ البشر الكبير الذي يشعر بالحاجة إلى الكتابة. ما دوافعهم؟ يعدّد جرينييه، مقتبسًا شذرات من أقوال كبار الروائيين. فمونتيني يدّعي أن ما دفعه للكتابة هو الوحدة والمزاج السوداوي. بينما يذهب كافكا إلى أن الكتابة لديه حاجة شبه فيسيولوجية، ويقول أورهان باموق في خطاب استلام نوبل: أكتب لأنني لا أستطيع أن أقوم مثل الآخرين بعمل روتيني، لأنني غاضبٌ عليكم جميعًا، لأنني أؤمن قبل كل شيء بالأدب وبفنّ الرواية”. وهناك من يسأم الكتابة في نهاية حياته مثل النمساوي توماس بيرنهارد الذي قال: “الأدب لم يعد يُسعدني، وإنما ألـقَى بي في تلك الحفرة الموحلة الخانقة التي لا يُمكن الإفلات منها”، وفي المقابل نرى ناقدًا فرنسيًا مثل رينيه ماري البيريس يرى في الرواية “بديلًا عن الموت”. بينما ذهب الشاعر الفرنسي الكبير مالارميه إلى: “إنّ هذا الكون مصنوع من أجل الوصول إلى كتابٍ جميل”.

وعن جدوى الكتابة يسوق جرينييه واقعةً رواها جوستاف فلوبير، إذ يتذكّر أن اثنيْن من أصدقائه، أحدهما أطلق النار على نفسه، والآخر شنق نفسه بربطة عنقه سأمًا من الوجود، أما فلوبير فقد كتبَ، وأودع الورقَ كلّ قرفه من الحياة والناس. في الصفحة الأخيرة من الكتاب نقرأ شذرة لافتة وردت على لسان سارتر تقول:   ” لم أحسن الاستثمار، ولكنّي لم أخن مهنتي: ما زلتُ أكتب. ما الذي يمكنني فعله غير ذلك”؟

 

0 442 10 فبراير, 2019 أدب, الرابع بعد المئة فبراير 10, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.