الهوية: الطلب على الكرامة وسياسة الاستياء

لـ

 

الكتاب : الهوية: الطلب على الكرامة وسياسة الاستياء

المؤلف : فرانسيس فوكوياما

الناشر:  Farrar, Straus and GirouxK، 2018م

عدد الصفحات: 240

لغة الكتاب : الإنجليزية

 

بعد ما يقارب 25 عامًا من صدور كتابه الشهير في عام 1992م، بعنوان ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير” يعود الكاتب الأمريكي الشهير ذو الأصل الياباني في كتابه الأخير إلى طرح المسألة باتجاه آخر، وبرؤية مختلفة، ففي هذا العمل وعلى مدى 14 فصلا، يعيد النظر والتفكير في قضية الهوية والطلب المتزايد عليها من قبل الكثير من الشعوب والأمم، إذ نجد أنها تتصدر الكثير من التحليلات السياسية، والإخبارية، كما أنها تتصدر الكثير من النقاشات المختلفة في الصحف والكتب الحديثة، وبشكلٍ خاص بعد انتخاب دونالد ترامب، والبريكست البريطاني وغيرها من الأحداث التي تذهب في هذا السياق.

في الفصل الأول يتحدث فوكوياما عن سياسة الكرامة، إذ يعود إلى أحد أعمال أستاذه الشهير صمويل هنتنغتون بعنوان الموجة الثالثة، الذي صدر عام 1991م، إذ لاحظ هنتنغتون تزايد الدول التي اتخذت الديمقراطية بوصفها طريقة سياسية في الحكم للسنوات من 1970م إلى منتصف العام 2000م، بواقع من 35 دولة إلى 110 دول للفترة نفسها. تزامن في تلك الفترة الزمنية حدوث وانتعاش الازدهار الاقتصادي على المستوى العالمي مع صعود موجة العولمة، وهو ما ضاعف النمو الاقتصادي إلى عام 2008م. في المقابل فإن هذا النظام الليبرالي الصاعد ليس عادلاً مع الجميع، وبشكلٍ خاص مع الدول النامية التي ازدادت فيها نسبة اللامساواة، حيث ازداد الثراء لدى بعض النخب والطبقات فيها. ومع ذلك فإن التطورات التي حصلت في هذه الدول الصاعدة يعدّ علامة إيجابية، إذ نجد أنها قد بدأت في استخدام الكهرباء، والتلفزيون، والهواتف المحمولة، والإنترنت وغيرها. وهو ما نجد آثاره في ازدياد أعداد أفراد الطبقة الوسطى في الهند والصين، فالثقل الصناعي انتقل من الولايات المتحدة وأوروبا إلى شرق آسيا، وهو ما أثر في تزايد العمالة كالنساء وغيرها.

بالإضافة إلى ذلك نجد أنه مع عام 2000م، بدأ النظام الليبرالي في التراجع والتداعي، وذلك من خلال أزمتين ماليتين مؤثرتين بشكلٍ كبير، وهي عام 2008م وأزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية التي قادت إلى الكساد الكبير، في حين أن الثانية ظهرت مع الأحداث التي عصفت بالاتحاد الأوروبي، وتحديداً مع أزمة اليونان. لذلك نجد في الحالتين أننا أمام النخبة السياسية قد انتجت الكساد العظيم، ومستويات مرتفعة من البطالة، وانخفاض حاد في دخل الكثير من العمالة على المستوى العالمي. في هذا السياق نجد الكثير من التوصيفات التي تنطبق على هذا الوضع العالمي، ومنها ما يذكره لاري دايموند من أن الليبرالية الديمقراطية واجهت في تلك الفترة “كسادًا ديمقراطيًا” (ص5)، وهو ما انعكس بشكل كبير على تزايد أعداد الأنظمة التوتاليتارية بقيادة الصين وروسيا، إذ إن ثقتها بنفسها قد تزايدت في تلك الفترة، فنجد أنّ الصين قد بدأت في تصدير نموذجها للعالم بوصفه مسارًا للتنمية والتطور لا يمكن الاستغناء عنه. ومن الممكن القول أيضاً عن دول أخرى مثل تركيا، وهنغاريا (المجر)، تايلند، بولندا. في دول الربيع العربي وتحديدًا بعد عام 2011م، نجد أن الأنظمة التوتاليتارية قد تزعزعت، غير أنها سرعان ما دخلت في حرب أهلية، كما هو الحال في ليبيا، واليمن، وسوريا. غير أن المفاجأة الأخرى في هذا السياق نجدها في وصول ترامب إلى الولايات المتحدة، والبريكست في بريطانيا، ففي الحالتين نجد أن المواطنين متأثرون بشكلٍ كبير بالأوضاع الاقتصادية، وبشكل خاص أولئك العمال الذين يعانون من فقدان الوظائف بسبب المهاجرين وغيرها من العوامل. وهو ما مهّد بشكلٍ كبير لصعود اليمين المتطرف الذي ينادي بأنه ضد المهاجرين، وضد الاتحاد الأوروبي، والتخويف من الأسلمة ورموزها في كل القارة الأوروبية.

أدت هذه الأوضاع المتداخلة إلى صعود خطاب الهوية، ففي حين أن اليسار قد ركز على المساواة، وطالب بمزيد من الحرية، نجد أن اليمين كان مشغولاً بتقليل حجم الحكومات، والدعاية للقطاع الخاص. فاليسار أعاد التركيز في الفترة الأخيرة على السود المهمشين، والمهاجرين، والنساء، والأقليات اللاتينية وغيرها من الأقليات في المجتمع، في المقابل فإن اليمين قد أعاد تحديد نفسه عن طريق الدعوات الوطنية وذلك من خلال حماية  الهوية الوطنية أو الدفاع عنها، تلك الهوية التي ترتبط بشكلٍ ضمني من خلال العرق، الدين، والأصالة. (ص7).

ففي تقليد قديم يعود إلى كارل ماركس الذي يرى بأن المعاناة السياسية تعدّ انعكاسًا للتوترات الاقتصادية التي ترغب في تقاسم جزء من الفطيرة أو الكعكة. وهو ما نراه بشكلٍ كبير في آثار العولمة ما بعد 2010م، إذ أنتجت خلفها الكثير من البؤس والفقر وانعدام المساواة. في المقابل، نجد أن التاريخ البشري يتحرك بناءً على آلية أو ميكانزيم مختلف، إذ من الممكن تسميته بـ: سياسة الاستياء. فمن خلال مختلف الحالات التي يتطرق لها القادة السياسيون نجد أن المجموعات تتعرض لإهانة الكرامة، والانتقاص، وعدم التقدير. فهذه الإساءة تبحث عن الاعتراف العام بالكرامة البشرية التي أصبحت سؤالاً جماعيًا، ومطلبًا متزايدًا.

يعنون فوكوياما الفصل الثاني (ص12)، بالجزء الثالث للروح، ويناقش في هذا الفصل تجاهل الكثير من النظريات السياسية لبعض الجوانب في الإنسان؛ ذلك أن هذه النظريات السياسية والاقتصادية بشكلٍ محدد قد ركزت على “إعلاء المنفعة العقلانية أو الرشيدة”، التي تتلخص في أن الفرد يستخدم إمكانياته الواعية بشكلٍ كبير في إرضاء رغباته الشخصية ومنافعه الاقتصادية المختلفة؛ إذ تجسد ذلك بشكلٍ واضح في معارضة الإنسان لبعض التجمعات كالعائلة، والقبيلة، والأمة، أو بعض الأنماط الاجتماعية الأخرى، فهو يقوم بذلك بعد حساب نتائج هذه التجمعات على المستوى الفردي. في الجانب الآخر، قام الإنسان لفترة طويلة باحتساب “التفضيلات الشخصية” كالإشباع الجنسي، وقضاء الأوقات الممتعة، وغيرها من الطرق المختلفة التي من الممكن حسابها وقياسها بشكل مالي واقتصادي محدد.

غير أنه في المقابل، فإن ما نحتاج إلى معرفته في هذه النظريات، هو لماذا يسعى بعضٌ إلى المال والأمن؟ في حين أن بعضهم يختار الموت ليمنح الآخرين بعض المال أو الوقت؟  وهو ما يمكن مقارنته بين الماما تيريزا وول ستريت من حيث إدارتهما للمال وطريقتهما في إعلاء رغباتهما وطرق تحفيزها.

ففي الواقع نجد أن الكثير من الاقتصاديين يذهبون إلى أن المنفعة تكون عن طريق المصلحة الشخصية المتجسدة، التي من خلالها تُعلي بعض جوانب التحفيز لديهم، إذ نجد أن هذه النظرية مشتركة بين الاقتصاديين المناصرين للسوق الحرة، والماركسيين الكلاسيكيين، إذ أصبح الاقتصاد هو المسيطر على العلوم الإنسانية اليوم، وذلك بسبب أن الأشخاص يتصرفون بناءً على هذه الأسس والمبادئ التي تسعى لهذا الجانب. ففي الشيوعية الصينية نجد أن الإنتاج الزراعي قد تراجع بسبب عدم السماح للمزارعين بالاحتفاظ بفائض الإنتاج، ذلك أنهم كانوا يتهربون بدل زيادة الإنتاج، إذ شاعت مقولة في تلك الفترة مفادها بأنهم ” يتظاهرون بأننا نشتري، في حين نحن نتظاهر أيضًا بأننا نعمل” (ص14)، وهو ما أحدث تغييرات لاحقة وتحديدًا في عام 1970م، عندما تم السماح لهم بالاحتفاظ بهذا الفائض من الإنتاج.

غير أنه في المقابل، نجد أن هذا المعيار الاقتصادي قد شرح، وفسر الكثير من السلوكيات الشخصية للأفراد على مدى السنوات والعقود الماضية، كما أنه في المقابل نجد أن هناك الكثير من نقاط الضعف التي اعترته، ومن ذلك ما نجده لدى المفكرين المعاصرين القدامى، مثل توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو، الذين ذهبوا إلى نظرية “حالة الطبيعة”،  التي تعني تلك المرحلة البدائية قبل ظهور المجتمعات البشرية؛ إذ إنها تعدّ استعارة محددة، يتم من خلالها وصف الحالة التي يعيشها الإسان في مجتمعات وثقافات محددة. ففي التراث الغربي نجد أن الطبيعة البشرية تعود في نقاشاتها إلى الفلسفة الإغريقية، وتحديدًا مع أفلاطون في الجمهورية.

ذلك أننا نجد في الجمهورية حوارًا بين الفيلسوف سقراط، وبين الارستقراطيين الإثنيين الشباب، التي ناقشا من خلالها العدالة في المجتمعات، والتي ذهبت فيها إلى إن العدالة تعني المنفعة الشخصية للأقوياء(ص16)، كما نجد أيضًا تداول مفهوم “الروح” بشكل غير متكرر في هذه الحوارات. ففي هذه النقاشات نجد أن الرغبات البشرية تبحث عن الماء والطعام، ولكن في بعض الأحيان نجد أن هذا الشخص يتراجع أو ينسحب عن شرب الماء الملوث الذي من الممكن أن يقوده للمرض. ثمة سؤال يطل برأسه هنا: ألا يوجد جزء في هذا الإنسان يدعوه للشرب من هذه المياه، في حين أن هناك جزءًا آخر يمنعه من ذلك؟ وهو ما جعل هذه النقاشات تذهب إلى وجود حسابات لهذا الإنسان تذهب إلى أن الرغبات من الممكن أن يتم النظر إليها بشكل عاقل، أو عقلنتها.

تخلص النقاشات التي دارت بين سقراط وأدمينتوس إلى أن الرغبات والعقل هي عناصر من نفسية الإنسان؛ غير أن الجانب الثالث الذي لا يقل أهمية هو الثيموس الذي يعدّ مختلفًا عن الجانبين السابقين؛ إذ إن هذا الجانب الثالث – كما يقول فوكوياما – هو الذي يشكل الهوية السياسية المعاصرة. وهو ما يمكن معرفته بشكلٍ واضح من خلال الحركات الاجتماعية المختلفة التي يشهدها العالم المعاصر في الفترات الزمنية الأخيرة، فهي لا تبحث عن أوضاع اقتصادية بقدر ما تبحث عن اعتراف الآخرين بهذه الهويات الجديدة التي تنشأ في العالم بشكل مستمر، والتي عن طريقها تكتسب حقوقًا متساوية مع الجميع مع الاحتفاظ بكرامتها وتقديرها من قبل الآخرين. كما يتجلى ذلك أيضًا في الكثير من الوسوم (الهاشتاقات) التي تأخذ زخمًا إعلاميًا وحضورًا كبيرًا من قبل المغردين في وسائل التواصل الاجتماعي وتحديدًا في تويتر.  يختلف الاعتراف عن الشهامة أو الشجاعة التي كانت مطروحة في العصور القديمة أو ما قبل الديمقراطية، فهي تذهب إلى أن تلك الرغبة في التفوق والاعتراف تجعلنا أمام شخص استثنائي، مغوار، ذلك أن هذه النظرة ترى الآخرين بأنهم أقل شأنًا منه.

ما بين داخل الإنسان وخارجه تقع الكثير من الالتباسات والإشكاليات، وهذا ما يناقشه فوكوياما في الفصل الثالث(ص25)، ذلك أنه وبعيدًا عن الثيموس التي تعدّ مفهومًا مهمًا ظهر في المجتمعات الحديثة، نجد أن هناك مفهوم الهوية الذي لا يقل أهمية عنه، والذي ظهر في أوروبا قبل 100 عام ما لبث أن انتقل إلى جميع أنحاء المعمورة. فالجانب الأساسي من مفهوم الهوية هو الانفصال بين الداخل والخارج، فالأفراد يشعرون بأنهم يمتلكون مشاعر أصلية ومغايرة، غير واضحة للمجتمع، وأحياناً من الضروري عدم الإفصاح عنها بسبب الكثير من العراقيل والقوانين المجتمعية. فالمفهوم المعاصر للهوية يقوم على وجود مفهوم أعلى للأصالة، يتم من خلاله التحقق بأن هذا الخط الداخلي أو الجوّاني للفرد. ففي معظم الأوقات نجد أن هذا الجانب الداخلي غير مفهوم من قبل الفرد ذاته، بشكلٍ فعال وجيد، غير أن هناك شعورًا غامضًا ينتاب هذا الفرد بأنه ينبغي له أن يظهر ما لا يبطن. وهو ما يجعل السؤال المحوري يظهر في هذا السياق، الذي يتساءل المرء من خلاله عن نفسه: من أنا؟ وللإجابة عن هذا السؤال المحوري يبدأ الشعور الشخصي بالاغتراب والقلق في النمو والتزايد، إذ إن هذا الفرد لا يشعر بالراحة والطمأنينة إلا عندما يتم قبول الجانب الداخلي أو الجواني من قبل الآخرين والاعتراف به.

ففي الغرب، نجد أن فكرة الهوية قد ظهرت إبان الإصلاح البروتستانتي التي وجدت تعابيرها الأولى لدى مارتن لوثر، إذ إن لوثر تلقى تعليمًا ثيولوجيًا (لاهوتيًا) لمدة 10 سنوات، عانى خلالها من الانفصال الحاد بين واقعه الخارجي والجواني. ففي بعض كلماته التاريخية وجد لوثر نفسه محاطًا باليأس قبل تلقي بعض التعاليم، كما أنه وجد نفسه محاطًا برغبة عميقة في معرفة قبوله من الله، غير أنه شعر بالخطيئة مما جعله يبحث عن الرحمة الإلهية. كما تشير بعض البحوث في هذا السياق إلى أن لوثر يعدّ أول مفكر غربي رسم وطوّر الجانب الداخلي مع الوجود الاجتماعي الخارجي. حيث ذهب في محاجاته إلى وجود طبيعة ثنائية لدى الإنسان، وهو ما جعل الإيمان يتخذ صيغة أخرى أو مفهوماً مختلفًا لم يكن قد بدأ الدخول في حيز التفكير.

في هذا السياق، تذهب الكثير من النقاشات بين كارل ماركس، وماكس فيبر، وقبل ذلك روسو إلى اتجاهات مغايرة. إذ نجد أن ماركس قد أرجع ظهور هذه الأسئلة إلى الظروف المادية المحيطة بالإنسان (ص27)، في حين أن ماكس فيبر يرى بأن هذه الشروط الاقتصادية قد شرعنتها المتغيرات التي حدثت في طريقة حياة البشر، في حين أن نفس الظروف في العصور السابقة لم تكن تنتج هذه النتائج وذلك بسبب اختلاف المناخ الفكري.

بالإضافة لذلك نجد أن فوكوياما يتفق مع وجهتي النظر هاتين، فالظروف المادية تسهم في تشذيب وتغيير طريقة استقبال وتعبير الأفراد عن أنفسهم، غير أن للأفكار منطقها الخاص في طريقة تعبيرها، ذلك أن الأفراد في حاجة لإطار واعٍ يسهم في تغيير تأويل هذه الشروط المادية بشكلٍ مختلف.

في الفصل الرابع (ص37) يطرح فوكوياما مسألة الانتقال من الكرامة إلى الديمقراطية، إذ نجد أن المفهوم المعاصر للهوية يحتوي على ثلاث ظواهر متداخلة، ففي الجانب الأول نجد الثيموس التي تعني وجود رؤية إنسانية عامة متوافرة لدى الجميع ترغب بأن يتم الاعتراف بها كشخصية مستقلة. في حين أن الجانب الثاني يشير إلى ضرورة الفصل بين الجانبين الداخلي، والجواني، والخارجي للشخص الذي من خلاله يقوم بالتمييز بينهما في المجتمع. كما أن الجانب الثالث يتصل بمفهوم الكرامة التي لا تعترف فقط بمجموعة معينة، أو بطبقة محددة، بل تشمل الجميع؛ إذ يعود توسيع هذا المفهوم إلى سؤال خاص يتعلق بالمشروع السياسي، الذي جاء بعد جان جاك روسو، وتحديداً مع الفيلسوفين الألمانيين كانط، وهيغل.

فبحسب سقراط نجد أن الكرامة قد ارتبطت بالمجتمعات السياسية المحاربة التي تستعرض الشجاعة ورغبة المخاطرة للوصول إلى الموت في خدمة القضايا العامة. في حين أن الجانب الآخر يأتي من التوراة وتحديداً من خلال قصة آدم وحواء وقصة الأكل من الشجرة المحرمة، التي من خلالها اكتشفا عريهما وشعرا بالخجل حيث حاولا تغطية سوءتهما، وبقية القصة المتداولة.

بالعود إلى الفيلسوف الألماني كانط نجد أنه استحضر رؤية علمانية للفهم المسيحي للكرامة، وذلك تحديدًا في كتابه نقد العقل العملي، وبعض الأعمال المختلفة، إذ ذهب إلى أنه من الضروري عدم وضع شروط للإرادة الخيرة التي تعدّ مساحة أو مقياسًا للخيارات البشرية؛ غير أنه لم يرَ الجانب الديني في هذا الموضوع، فالخيارات الأخلاقية تتألف من تلك الإمكانية على تتبع أسباب المصلحة الشخصية. كما قال كانط في هذا السياق بأنه ينبغي النظر للأشخاص على أنهم غاية في حد ذاتهم، ولا ينبغي التعامل معهم باعتبارهم وسيلة.

في حين نجد أن هيغل قد وضع صلة وصل بين الخيارات الأخلاقية وبين الكرامة الإنسانية، فالوجود البشري من الناحية الأخلاقية والقيمية يتمتع بالحرية، ولا يمكن اعتبارها آلاتٍ تبحث عن مضاعفة الأرباح والأموال وزيادتها أو إرضاء الرغبات اللحظية؛ إذ نجد أن هيغل خلافًا لكانط وروسو قد وضع الاعتراف في قلب الطبيعة البشرية، ففي كتابه الأشهر ” فينومينولوجيا الروح” ذهب إلى أن التاريخ البشري قادته الرغبة البشرية في الاعتراف؛ فهذه الرغبة جاءت من المحاربين الذين خاطروا بحياتهم؛ ليس بسبب الإرهاب أو الثروة؛ بل ببساطة لتلبية تلك الرغبة العميقة بالاعتراف نفسها.(ص39). غير أن هذه الرغبة لم تنجح أو لم يتم إرضاؤها بشكل كامل، ذلك أنها جاءت من العبيد الذين لا يتمتعون بالكرامة، غير أن هذه الإشكالية من الممكن أن يتم حلها عن طريق العمل الذي قاد إلى تحول في المجتمعات البشرية؛ لذلك نجد أن عقلنة الاعتراف تأتي فقط عن طريق الاعتراف المتبادل بين السيد والعبد، وذلك من خلال الكرامة الإنسانية.

في فصل ثورة الكرامة، يعود فوكوياما إلى تلك الأحداث في ديسمبر 2010م في تونس، التي أدت إلى الربيع العربي، وذلك من خلال حادثة البوعزيزي الشهيرة، حيث يذهب فوكوياما إلى أن ردة فعل البوعزيزي – وبحسب بعض أفراد عائلته وبعد أن تم ضربه من قبل الشرطية – لم تكن بسبب الوضع المادي بقدر ما كانت بسبب ذلك الشعور العميق، والجذري بالإهانة بسبب توافر الكثير من العوامل الثقافية كسيطرة الرجل في المجتمعات الشرقية، والبشرية إذا أخذنا بالحسبان بأن البوعزيزي قد ذهب إلى بعض أفراد الحكومة، وتم رفض طلبه باسترجاع العربة وحدث ما حدث بعد ذلك، حيث انتشرت تلك الأحداث كالنار في الهشيم، التي أدت إلى تحولات جذرية في المجتمعات والأنظمة العربية.

كما نجد أن هذه الفكرة قد امتدت إلى أوكرانيا في ثورة الكرامة مع نهاية عام 2013م إلى فبراير 2014م، التي أدت إلى سقوط حكومة فيكتور يانكوفيتش وتأسيس حكومة جديدة، حيث سعى يانكوفيتش إلى إعادة أوكرانيا إلى حضن القيصر الروسي، وذلك بعد أن تلاعب بانتخابات الثورة البرتقالية عام 2004م، ثم ما لبث أن عاد من جديد في انتخابات 2010م.

في خاتمة هذا العمل، يؤكد فوكوياما بأن خطاب الهوية في تصاعد مستمر، وهي مرتبطة بالكرامة البشرية التي تشمل اعتراف الآخرين من جميع الطبقات بحقوق بعضهم بعضا، وعدم اقتصار المسألة على المكاسب والمنافع الاقتصادية كما كانت تطرح سابقًا؛ ذلك أنه وبحسب الكثير من الاتجاهات الفلسفية وتحديدًا مع هيغل فإن الاعتراف بالهوية أو بالهويات المختلفة من قبل الآخرين يمنع الازدواجية، ويجعل المجتمعات تتخذ صفة التعددية، وذلك ما حدث إبان أحداث مايو 1968م، حيث انتعشت الكثير من الحركات الاجتماعية المختلفة على مستويات متعددة.

 

0 881 19 فبراير, 2019 الرابع بعد المئة, ثقافة وفكر فبراير 19, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.