كتاب المجتمع العُماني

لـ

 

الملخص

المجتمع العُماني في القرنين (4-5هـ/ 10-11م) من خلال بعض مسائل بيان الشرع

لمحمد بن إبراهيم الكندي (ت: 508هـ/ 1115م)

هدفت هذه الدراسة إلى التعرف على المجتمع العُماني في القرنين (4-5هـ/ 10-11م)، من خلال كتاب بيان الشرع الجامع للأصل والفرع للشيخ الفقيه محمد بن إبراهيم الكندي (ت: 508هـ/ 1115م). حيث تم التركيز على رصد وتتبع بعض المظاهر والصور الاجتماعية المتنوعة في المجتمع، منها: تصنيف فئات المجتمع العُماني بحسب ما أوردته الفتاوى والمسائل الفقهية. والتعرف على أهم القضايا الأسرية والنزاعات المجتمعية، بالإضافة إلى توضيح مكانة المرأة الاجتماعية ودورها الاقتصادي وحضورها العلمي في المجتمع. ورصد صور متنوعة من العادات والتقاليد في المجتمع العُماني في الفترة موضوع الدراسة.

اعتمدت الباحثة المنهج التاريخي التحليلي في تقسيم الدراسة تاريخياً، وتحليل الفتاوى والمسائل الفقهية، من خلال استقراء واحد وسبعين جزءًا من كتاب بيان الشرع. وقُسِّمت الدراسة إلى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، حيث تناولت المقدمة نبذة عن طبيعة الدراسة وأهميتها وأهدافها وتقسيماتها، وإطارها الزماني والمكاني، والمنهجية المستخدمة فيها.

تناول الفصل الأول حياة وعصر ومكانة الشيخ الفقيه محمد بن إبراهيم الكندي، ومناقشة أهمية كتاب بيان الشرع من خلال التعرف على آلية جمعه، ونسخ مخطوطاته، ومحتوى أجزائه وأهميته التاريخية والحضارية؛ أما الفصل الثاني فأوضح فئات المجتمع العُماني في ضوء الفتاوى والمسائل الفقهية، مع التركيز على أدوارها الاجتماعية. وخُصص الفصل الثالث للحديث عن الأُسرة والمجتمع، وتوضيح مكانة المرأة ودورها، ورصد صور متنوعة من العادات والتقاليد في: اللباس، والزينة، والأطعمة، والاحتفال، والترفيه والتداوي.

توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج، منها: التأكيد على أهمية المصنفات الفقهية العُمانية في دراسة التاريخ العُماني بصفة عامة، ودراسة التاريخ الاجتماعي بصفة خاصة. وإبراز الأهمية التاريخية والحضارية لكتاب بيان الشرع بين المصنفات الفقهية العُمانية، والمكانة العلمية لمؤلفه الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي. كما بينت الدراسة فئات المجتمع في ضوء فتاوى بيان الشرع، موضحة أدوارها الاجتماعية. وكشفت عن أهم القضايا الأُسرية والمجتمعية. بالإضافة إلى إبراز مكانة المرأة ودورها في المجتمع. ورصدت التنوع في مظاهر التكافل الاجتماعي من خلال العناية ببعض الفئات المجتمعية، والمرافق العامّة. كما أوضحت الدراسة التنوع والثراء في عادات وتقاليد المجتمع العُماني.

وتُوصي الدراسة بتوجيه البحث العلمي نحو دراسة تحليلية لكتب التراث العُماني بشكل عام، والتراث الفقهي بشكل خاص، من خلال تحقيق وطباعة الكثير من تلك الكتب التي لا تزال مخطوطة.

 

جزء من مقدمة الكتاب:

إن أهمية دراسة الحياة الاجتماعية في عُمان في القرنين (4-5هـ/ 10-11م)، من خلال كتاب بيان الشرع؛ تتأتى في التركيز على أحد المصنفات الفقهية الذي كان حوله مدار الفتوى في عُمان طيلة قرون عديدة، حيث اعتمدت عليه المصنفات الفقهية التي أُلفت بعده. ورغم هذه الأهمية إلا أنه لم يحظ بدراسة مُركّزة من الناحية التاريخية. وقد جاء اختيار كتاب بيان الشرع لهذه الدراسة، وذلك لعدة اعتبارات، منها:

  1. غزارة كتاب بيان الشرع بالفتاوى في الجوانب الاجتماعية.
  2. يُعد مؤلف الكتاب من المعاصرين للعديد من الأحداث التي تطرقت إليها الفتاوى.
  3. تنوع المصادر التي استند إليها الكندي كماً ونوعاً.
  4. شمولية كتاب بيان الشرع، حيث يُعد أكثر كتاب فقهي من حيث عدد الأجزاء في الفترة الزمنية موضوع الدراسة.

ولما كانت الحياة السياسية والاقتصادية والفكرية في عُمان حتى القرن (6هـ/ 12م) قد حظيت بالبحث والدراسة في بعض الدراسات المعاصرة، فإن الحياة الاجتماعية رغم أهميتها لم تجد ذلك القدر من اهتمام الباحثين، وربما يعود ذلك لأسباب منها ندرة المصادر التاريخية، وإن وجدت فإنها ركّزت على الجوانب السياسية، وكل ما يرتبط بها من أوضاع ومظاهر، بينما الجوانب الاجتماعية كانت مُهمشة لحد كبير، حتى تعالت الأصوات بضرورة إعادة كتابة التاريخ الإسلامي في ضوء المصادر المختلفة التي أشارت إلى تلك الأوضاع[1].

إن دراسة الحياة الاجتماعية تساعد على التعرف على حالة المجتمع العُماني في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية والفكرية التي مرت بها عُمان في القرنين (4-5هـ/ 10-11م)، مع محاولة رسم صورة لمختلف التفاعلات بين أفراد المجتمع، بالإضافة إلى رصد أنشطة وممارسات الإنسان في مجتمعه، الأمر الذي يُتيح تتبع حركة المجتمع وتنظيماته المختلفة في إطار التطور التاريخي والحضاري.

وتهدف الدراسة بشكل خاص إلى الكشف عن أهمية كتاب بيان الشرع كمصدر لدراسة التاريخ العُماني، من خلال توضيح المكانة العلمية للشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكندي، والقيِّمة التاريخية والحضارية لكتاب بيان الشرع، بالإضافة التعرف على فئات المجتمع العُماني، من خلال تصنيف تلك الفئات كما أوردتها مسائل كتاب بيان الشرع، مع توضيح بعض الأدوار الاجتماعية لتلك الفئات. وتهدف الدراسة أيضاً إلى إبراز دور الأُسرة والمجتمع من خلال كتاب بيان الشرع، من خلال عرض بعض الجوانب التي تطرقت لها الفتاوى كمؤسسة الأسرة وأهم النزاعات داخل المجتمع، والمرأة ومكانتها الاجتماعية، ودورها الاقتصادي، وحضورها العلمي، ومظاهر التكافل الاجتماعي في المجتمع، وصور من العادات والتقاليد في: المأكل والملبس والاحتفال والترفيه والتداوي.

حُددت الدراسة ضمن إطار زماني ومكاني محدد، بهدف الوصول إلى معلومات دقيقة ونتائج واضحة، حيث يتحدد الإطار الزماني في القرنين الرابع والخامس الهجريين/ العاشر والحادي عشر الميلاديين؛ وذلك لعدة أسباب يأتي على رأسها: الفترة الزمنية التي عاش فيها مؤلف كتاب بيان الشَرع “محمد بن إبراهيم الكندي” وهي في النصف الثاني من القرن (5هـ/ 11م). كما أن أغلب المصادر التي استند إليها الكندي في تأليف كتابه تعود إلى القرن (4هـ/ 10م)؛ لذا ستغطي الدراسة القرنين الرابع والخامس الهجرييْن.

أما الإطار المكاني للدراسة فيتمثل في عُمان المعروفة بحدودها الجغرافية في القرنين (4-5هـ/ 10-11م)، وتشمل الأراضي الواقعة في أقصى جنوب شرق شبه الجزيرة العربية[2]، حيث تمتد أطرافها الشمالية إلى شبه جزيرة قطر والأحساء والبحرين[3]، وتتداخل أراضي عُمان من جهة الجنوب الغربي مع رمال الربع الخالي، بينما تمتد تخومها من الغرب والشمال الغربي، لتتصل ببلاد اليمامة؛ أما الحدود الجنوبية لعُمان، فتتاخم بلاد حضرموت والأحقاف، فيما تسميه المصادر “شحر عُمان” الذي يُشكل الحدّ الذي يفصل عُمان عن حضرموت واليمن، وتقابل الحدود الشرقية والجنوبية الشرقية لعُمان السواحل البحرية لبلاد فارس والهند[4].

بحكم طبيعة الدراسة المستندة إلى مصدر فقهي، تم التعامل مع المسائل الفقهية كأساس، بالإضافة إلى الاستعانة بمصادر أخرى لدعم الدراسة والإعانة على تكامل الموضوع، حيث اتبعت الباحثة المنهج التاريخي التحليلي للمادة العلمية، من خلال قراءة أجزاء كتاب بيان الشرع البالغ عددها واحد وسبعين جزءاً لاستخراج وتصنيف وتحليل الفتاوى والمسائل الفقهية المتعلقة بالجوانب الاجتماعية.

ماعتمدت الدراسة على النسخ المطبوعة من كتاب بيان الشرع والبالغ عددها واحد وسبعون جزءًا، والتي طُبعت تحت إشراف وزارة التراث والثقافة في الفترة (1984-2006م). وتمَّ الرجوع إلى النسخ المخطوطة كلما استدعى الأمر ذلك، والسبب في ذلك كثرة عدد النسخ المخطوطة للكتاب والتي تزيد على الألف نسخة، وتبلغ عدد النسخ المفهرسة في دائرة المخطوطات بوزارة التراث والثقافة لأجزاء كتاب بيان الشرع حوالي (694) نسخة[5].

تمَّ استخلاص الفَتاوى ذات الطابع الاجتماعي، من خلال الاستعانة بالعناصر الثلاثة الرئيسة: التاريخ أو المكان أو الشخصيات؛ لمعرفة تاريخ الفتوى. كما أن المظاهر الاجتماعية لها صفة التراكمية بمعنى أن بعض الفَتاوى لا تحتوي على أي من العناصر الآنفة الذكر ولكن من خلال تتابع الفَتاوى وحديثها عن نفس الموضوع يمكن استنتاج مدى ارتباطها بغيرها من الفَتاوى، بالإضافة إلى أن الإنتاج الفقهي في القضايا الاجتماعية المختلفة في القرنين الثاني والثالث الهجريين كان من الثوابت، ولذلك استمر العمل بها في القرنين الرابع والخامس الهجريين.

كما أن الجوانب الاجتماعية يصعُب بأي حال من الأحوال تجزأتُها حسب السنوات لأن الأحداث الاجتماعية تتداخل مع بعضها البعض فلا يحدها زمان ولا يفصلها عام، وتغيرها وتطورها يحتاج إلى فترات تاريخية طويلة متداخلة. وقد واجهت الباحثة بعض الصعوبات المتمثلة في طبيعة الفَتاوى، حيث إن اللغة التي كُتبت بها الفَتاوى لغة فقهية صِرفة موجهة للفقهاء، لهذا تم الاستفادة من الدراسات التي تطرقت لكتب الفتاوى وكيفية توظيفها في الكتابة التاريخية، بالإضافة إلى الاستعانة بالمختصين في هذا الجانب.

قسَّمت الباحثة الدراسة إلى مقدمة وثلاثة فصول، حيث تناولت المقدمة   نبذة عن طبيعة الدراسة وأهميتها وأهدافها وتقسيماتها، وإطارها الزماني والمكاني، والمنهجية المستخدمة فيها. وتناول الفصل الأول حياة مؤلِف كتاب بيان الشرع الشيخ الفقيه أبي عبد الله، محمد بن إبراهيم الكندي، مع توضيح مكانته العلمية، بالإضافة إلى التعرف على الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية السائدة في عصره. كما تضمَّن قراءة تحليلية لكتاب بيان الشرع وتوضيح أهميته وقيمته التاريخية والحضارية.

بَحَثَ الفصل الثاني فئات المجتمع العُماني كما أوردتها الفَتاوى والمسائل الفقهية، حيث تم تصنيفها إلى ثلاث فئات رئيسة، هي: فئة الخاصة: (الأئمة، والولاة، والجيش، والعلماء والقضاة والفقهاء)، وفئة العامة: (التجار، والصناع والحرفيون، والمزارعون، والعبيد)، والجاليات: (أهل الذّمة، والفرس، والهنود). مع التركيز على أدوارها الاجتماعية في المجتمع العُماني.

ركز الفصل الثالث على مؤسسة الأسرة، وأهم القضايا الأُسرية والنزاعات المجتمعية، حيث أوضح مكانة المرأة الاجتماعية ودورها الاقتصادي وحضورها العلمي في المجتمع. ورصد مظاهر التكافل الاجتماعي المُقدمة للأفراد ومرافق المجتمع المختلفة. واستعرض صوراً متنوعة من العادات والتقاليد في المجتمع العُماني، كالمأكل والملبس والترفيه والاحتفال والتداوي وغيرها من الجوانب. وتنتهي الدراسة بخاتمة تمّ فيها رصد أهم النتائج والتوصيات التي توصلت إليها الباحثة في دراستها.

قامت هذه الدراسة حول كتاب: بيان الشرع، لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكندي (ت: 508هـ/ 1115م): وهو المصدر الرئيس لهذه الدراسة، وهو عبارة عن موسوعة تقع في واحد وسبعين جزءًا، وتتوزع المادة العلمية فيها على أبواب الفقه المختلفة، على هيئة فتاوى ومسائل في مختلف جوانب الحياة التي توضح أنشطة وممارسات الإنسان العُماني في مجتمعه. كما تمّ الاستعانة بالمصادر الثانوية المختلفة التي أعانت الباحثة على تكامل هذه الدراسة.

 

_____________________

([1]) كاشف، سيدة إسماعيل. الاهتمام بمصادر التراث العربي. مجلة المؤرخ العربي، ع8، الأمانة العامة لاتحاد المؤرخين العرب، بغداد: 1978م، ص117.

([2]) الهمداني، الحسن بن أحمد بن يعقوب (ت: 360هـ/ 970م). صفة جزيرة العرب. تحقيق: محمد بن علي الحوالي، دار اليمامة للبحث والنشر والترجمة، الرياض: 1974م، ص3.

([3]) ناصر خسرو، أبو معين الدين القبادياني المروزي (ت: 481هـ/ 1088م). سفرنامه. ترجمة: أحمد خالد البدلي، ط1، جامعة الملك سعود، الرياض: 1983م، ص173.

([4]) البكري، أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز الأندلسي (ت: 487هـ/ 1094م). معجم ما استعجم من أسماء الأمكنة والبلاد والمواضع. ج1، تحقيق: مصطفى السقا، ط3، عالم الكتب، بيروت: 1983م، ص367؛ اللواتي، علي بن حسن بن خميس. تاريخ عمان الحضاري من القرن الرابع حتى السادس للهجرة دراسة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية. د.ط، جامعة السلطان قابوس، مسقط: 2011م، ص23.

([5]) الراشدي، حمود وآخرون.  فهرس مخطوطات وزارة التراث والثقافة (كتاب بيان الشرع). مج7، ط1، وزارة التراث والثقافة، مسقط: 2013م، ص8-9.

0 673 27 فبراير, 2019 الرابع بعد المئة, ثقافة وفكر فبراير 27, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.