التناص مع التراث الشعبي وجمالية اللغة الشعرية

لـ

 في ديوان “أزهار اليقطين” للشاعر سعيد التاشفيني 

 

 

 

يستعمل الشاعر سعيد التاشفيني الكلمة فيبعث فيها قدرته الروحية والنفسية وطاقته الإبداعية من أجل ن تصير أكثر قوة وجمالية وأكثر وضوحا في معناها ودلالاتها المتعددة، فتختلف عن غيرها من الكلمات التي يمكنها أن تحضر في فنون أدبية أخرى؛ فالشعر عنده يسعى إلى تحقيق وظيفته الإبلاغية والتواصلية؛ إذ تختلف هذه الوظيفة في الشعر عن الوظيفة نفسها في الآداب والفنون الأخرى.

يسخِّر الشاعر إمكانياته اللغوية من خلال تلاعبه بالتركيبات المعجمية التي تمنح شعره خصوصية شعرية تجعله يتميّز عن غيره من النصوص الشعرية لباقي الشعراء. هنا تتجلى جمالية اللغة الشعرية في تجلياتها التركيبية والدلالية من خلال التأكيد على بعض الصور الشعرية المبدعة والقادرة على إثارة اهتمام القارئ وإعجابه.

إن القصيدة عند سعيد التاشفيني تتسيَّد عليه وتصبح مالكة له، فيخلص لها، وتدفعه إلى العفة وكبح شهواته الأخرى، والإبقاء على علاقته بها دون غيرها. فهي الملهمة، والملِكة، والمملكة، والعشق الدائم، والسلام النفسي، والدافع إلى البقاء ومعاركة الحياة بكل مشاكلها وأسرارها… إنها تتأسس على ما تحمله من تناقضات، حيث تكون قادرة على بلوغ مرحلة الإبداع الدرامي في جميع القصيدة، يقول الشاعر في قصيدة “كلّمتْنِي القصيدةُ”:

كلَّمتْنِي القَصِيدةْ

بصَوْتٍ عارٍ

انْتظرْ يا شاعِرْ،

إلَى أن يغيب القمَرْ

وأطْرحَ نفْسِي

بيْنَ يدَيْكَ.

ذُهلْتُ…

وحِينَ الْتفَتُّ

لمْ أجدْ غيْرَ ظلِّي

وشِعْرِي

يُرجِّعُهُ في السُّكونِ الصَّدَى

والمَدى

لوْحةٌ فارِغَةٌ تهزَأُ منِّي.       (الديوان، الصفحتان. 32- 33.)

تتميز لغة الشعر في ديوان “أزهار اليقطين” (منشورات جمعية أصدقاء المكتبة الوسائطية إدريس التاشفيني، مطبعة بسمة برنت، الجديدة، ط. 1، 2016) بكونها لغة مجاز واستعارة بلاغية، فهي لغة منزاحة؛ مما يجعلنا نشعر بأننا أمام لغة مبتكرة تختلف عن اللغة العادية واللغة النثرية. فهو شاعر الثورة على اللغة يفجرها من الداخل لأنه يستحضر في كتابته للشعر تلك المستويات من الانزياح بكل أشكاله وأجناسه في مثل: “أتتبَّعُ أسْتاذًا يستهْويني درْسُه، أمْثَلةٌ تمْلأُ وجْهَ السبُّورةِ” فليس للسبورة وجه. ولكن استحضار الوجه هنا يعني أن الشاعر يعطي للسبورة تجسيدًا محددًا يرتقي به إلى مستوى قيمة السبورة عند الأستاذ المجد في عمله ودرسه، ومن ثم إعجاب الشاعر به وتقديره لعمله وعلمه…

إن الشعر عند سعيد التاشفيني يمثل بحق شجرة وارفة الظلال والثمار تغمر قارئه كمًّا هائلاً من الخيال والجمال والموسيقى والغناء الجميل والكلام المعسول والحب الصاعد عنان السماء من أجل استكشاف الروعة والسعادة الغائبة عن عالمنا القبيح والرديء والمليء بالرداءة حتى التخمة. يقول في قصيدة “سيَبْقى الحبُّ في الدنْيا”:

وليْسَ الحُبُّ

أنْ تمْسِيَ مُحباًّ…

ولكِنَّ المحِبَّ علَى وفَائهْ

وليْسَ القلْبُ آنِيةً…

تُرجَّى لحَمْلِ الحُبِّ

تأْخُذُ لوْنَ مائهْ

ولكِنَّ الفُؤادَ إذاَ احْتواهُ

برِيقُ الحُبِّ

أخْلصَ في احْتوَائِهْ.  (الصفحة 77 من الديوان).

  • جمالية التناص في القصيدة:

إن ما يلفت النظر في تناص الشاعر سعيد التاشفيني مع أفكار ومواقف وثقافات وأشياء، ليس ذلك الكم الهائل من التناصات، واستدعاؤها في قصائد الديوان في كثير من المحطات، بل ما يلفت حقيقة هو طريقة استخدام التناص، وجعله عنصرًا مهمًا وأساسيًا في بناء القصيدة وفي بناء معناها العام والخاص. فالشاعر يعيد صياغة هذه التناصات ويمزجها بلغته، فيمنحها خاصية جديدة ومعنىً مختلفًا ليس فيه من المعنى الأول إلا ما يظهر في قراءته السطحية، حيث لا يمكن فهم الفكرة الجدية إلا من خلال القراءة العميقة والمتمعنة في العبارة الشعرية، ومن ثم القصيدة ككل…

يستغل الشعر المثل الشعبي الذي يمنح شعره قوة كبيرة على التأثير في القارئ، كما يستخدم أيضًا الأقوال المأثورة والنصوص الشعرية الأخرى المأخوذة عن شعراء كبار مروا في تاريخ الشعر العربي، فيتأثر بهم تأثرًا واضحًا يدفعه إلى إثراء قصائده بألفاظ وتراكيب وعبارات جميلة تدعم موقفه الأدبي والشعري وحتى الفكري.

يعتمد الشاعر المثلَ الشعبيّ لأنه يفتح أمامه مساحة واسعة للتعبير عن مشاعره وأفكاره ومواقفه تجاه قضايا الإنسان عامة. يقول في قصيدة “قَصبَة”:

إذَا ما رأَيْتَ امْرءًا يمْتطِي قَصَبةْ

فبَاركْ لهُ في الحِصَانْ

أرِحْ واسْترِحْ

كذَلكَ فعَلَ الأقْدمُونْ

منْ قدِيمِ الزمَانْ

سواءٌ علَيْكَ الكلامُ أوِ الصمْتُ فارْكَنْ كمَا ركَنَ الأوَّلونْ

إلى الظِّلِّ

والْزمْ حُدودَكَ واجْنحْ إلى السِّلْمِ تَسْلمْ.  (الصفحة 33).

إن مطالبة الشاعر قارئه بالركون إلى السلم من أجل الحصول على السلام والأمان كما ركن الأولون والأقدمون إلى الظل ولجأوا إليه، واستراحوا وأراحوا أنفسهم، دون الدخول إلى عالم مليء بالمشاكل والمنغصات، هي مطالبة يراد بها شيء آخر، وكأني به هنا يسخر من هؤلاء ويحرض قراءه على الانتفاضة ويطلب منهم عدم الاستكانة والخمول والانجرار نحو الكسل وقبول الأمر الواقع ومباركة الثقافة السائدة والسياسة الممنهجة والتعامل معها بسلبية مطلقة.

إن شاعرنا يعلن مبدئيًا عن موقفه من هذا المثَل الشعبي، إذ يؤكد أنه مثل شعبي لا يصلح أن يكون أساسًا لكل موقف أو سلوك أو وعي أو رأي سياسي وفكري. فالثورة على القيم التقليدية مطلوبة اليوم؛ بل حاجة ضرورية لتغيير الواقع والدفاع عن مصلحة المجتمع وأفراده.

يرتقي التناص في شعر التاشفيني إلى مستويات فكرية وأدبية موغلة في التراث الشعري العربي حيث استحضار شخصيات تاريخية شهيرة مثل: ليلى صاحبة قيس المجنون، وقيس،… اللذين يستحضرهما بقوة ليعبر عن مدى اقتناعه بحضورهما القوي في المنظومة الشعرية والثقافية العربية، وقدرتهما على التأثير على الشعراء الذين تأثروا بالشعر العربي القديم، وخاصة في مرحلته الإبداعية المعاصرة لقيس ومن أتى بعده من شعراء العربية الكبار. يقول الشاعر في قصيدة “لكِ الإمارَة… يا ليْلَى”:

أَقَيْسُ

يقولُونَ لَيْلى أَساءَتْ إلَيْكَ

وكيْفَ تُسِيءُ نُجومُ السّماءْ

إلى شاعِرٍ يَقْتدِي بالضِّياءْ

وكَيْف تُسيءُ الطّيُورْ

إلى عاشِقٍ مولَعٍ بِالغِناءْ

وكيْفَ تسِيءُ الفراشَةُ لِلزَّهْرِ في الشّوْكِ تَلْثمهُ فِي انْتِشاءْ

هُراءٌ هرَاءْ…

وليْلى أحبَّتْكَ باللّغَةِ العامِرِيّةْ

رأَتْكَ… في أَوّلِ الأمْرِ مِثْلَ جمِيعِ الرّجالْ

ولَكِنّها… أحبَّتْكَ في آخِرِ الأمْرِ

لمّا تجَلّى لها مَا تَجَلّى.              (الديوان، الصفحة. 45)

إن ليلى بالنسبة إلى الشاعر هي القصيدة الجميلة التي عشقها حتى الموت، وتفنن في حبها بطريقته الأدبية المعهودة فيه، حيث جمال الأسلوب وروعة اللغة الشعرية وصورها الفنية التي تثير لدى القارئ نوعًا من الإحساس باللذة والمتعة، فهو عاشق مولع بالغناء أحبته القصيدة مثل الرجال، وقد عشقته عشقاً مختلفاً عن أي عشق آخر حينما تجلى لها شيء مختلف فيه يكاد لا يظهر إلا للمحبين العاشقين الذين يرون بقلوبهم لا بأبصارهم، ببصائرهم لا بعيونهم المادية التي يصعب عليها التمييز بين الخير والشر في مستوياتهما العميقة.

لقد استحضر الشاعر سعيد التاشفيني شخصيات تراثية شهيرة ومرموقة لأنه يدرك قدرتها على الإقناع وإثارة انتباه متلقيه، هدفاً في جعلهم يشاركونه وعيه الثقافي والفكري وقناعته الراسخة بعظمة مثل هذه الشخصيات وتأثيرها في المنظومة الشعرية العربية…

0 536 28 فبراير, 2019 أدب, الرابع بعد المئة فبراير 28, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.