لماذا النساء في معزل عن السياسة؟

لـ

 

كثيرًا ما يُقال إن النساء لا يصلحن للسياسة، إنّ السياسة هي لعبة الرجال، ونجد أن أغلب الدول العربية من حكومات ومواطنين يؤمنون بذلك، حتى وإن لم يصرحوا بذلك علانيةً. فأعداد النساء في البرلمانات والجهات السياسية في هذه الدول قليلة جدًا؛ مما يعطي انطباعًا بأنّها إما لا تثق بقدرات النساء سياسيًا، وإما أنّها لا تسخّر الإمكانات والسياسات التي تمكّن النساء للوصول إلى مناصب سياسية قيادية. وفي كلتا الحالتين يتبين أن الثقة في النساء في هذا المجال تكاد تكون معدومة. عمومًا هذا المقال سيتطرق إلى أسباب ضعف الوجود النسائي في السياسة، وسيناقش الأسباب الاجتماعية التي أدت إلى نمو الفجوة الفكرية في السياسة بين الرجال والنساء. هذه الأسباب يمكن مناقشتها من خلال نظرية الأدوار الاجتماعية والصور النمطية عن الجنسين. بالطبع هنالك أسباب ونظريات أخرى ولكن في هذا المقال سيتم التركيز على الأسباب الآتية: أولاً الفصل الجندري وقلة النقاشات السياسية بين الجنسين، وثانياً المحيط الاجتماعي في سن المراهقة، وأثره في توطيد المعرفة والوعي السياسي لكلا الجنسين.

مدخل:

يعمل الوعي السياسي بوصفه مقياسًا لتحديد فاعلية المواطنين في المشاركة السياسية؛ فالعلاقة هنا بين الوعي والمعرفة والفاعلية السياسية علاقة طردية. وجدت الدراسات السابقة فجوة في المعرفة السياسية بين الإناث والذكور؛ أي إن النساء أقل معرفةً واهتماماً بالسياسة مقارنةً بالرجال، ولأن النساء أقل معرفة واطّلاعاً في السياسة؛ فمن الطبيعي أن يكنّ أقل فاعليةً من الذكور. الأمر لا يتعلق بالمعرفة فقط؛ وإنما هنالك اعتقاد أن النساء أيضًا أقل اهتماماً بالسياسة. ومن المؤسف أن يتوقف الأغلبية هنا عند هذا الاعتقاد وغالباً ما يتم استخدام هذا حجةً ساذجةً لتبرير اختيار ذكور لشغل المناصب السياسية، دون محاولة منهم لفهم الأسباب التي أدت إلى نفور النساء من السياسة أو حتى لإيجاد الحلول.

إن دراسة هذه الحالة مهمة جدًا؛ ذلك لأن النساء يُشكلن أكثر من نصف السكان في كل الدول تقريباً، ومع ذلك لا تحظى النساء بفرص سياسية عادلة تشجعها للدخول في هذا المجال. فظاهرة عزوف النساء عن الدخول في مجال السياسة ما هي إلا صنيعة المجتمع -أي إن هنالك عوامل اجتماعية أنتجت ذلك-، نعم المجتمع خلق هذه الظاهرة ولم يحاول حتى أن يفهمها أو يفسرها أو يعالجها أو حتى يعترف بها؛ لذا فمن أجل فهم هذه الظاهرة ومعالجتها مستقبلاً لابد من دراسة الأسباب الاجتماعية التي أنتجتها.

تتفق أغلب الدراسات الاجتماعية السابقة على أن النساء أقل اهتمامًا، وأقل معرفةً بالسياسة من الرجال. وتشير الدراسات إلى أن الدور الاجتماعي للمرأة يؤثر على مشاركتها في الجهات السياسية للحكومة، ويشمل هذا ما يُصنّف على أنّه سياسي، ومن يعرّف من قبل المجتمع على أنّه مؤهل للانخراط في السياسة [i] . وبسبب الأدوار الاجتماعية المحددة لهم سابقاً بناءً على الجنس، وجدت النساء أنفسهن إما غير مهتمات بالسياسة وإما أنهن مهتمات بالسياسة ولكن تمثيلهن السياسي ضعيف جداً.

نظرية الأدوار الاجتماعية و الصور النمطية:

تنص نظرية الأدوار الاجتماعية المحددة لكل جنس على أن السلوكيات التي تفرق بين الجنسين تؤدي إلى أدوار اجتماعية محددة جندرياً لكلا الجنسين. كما تؤدي الصورة النمطية إلى تحديد الأدوار الاجتماعية للرجال والنساء على أساس جندري؛ أي إن الصورة النمطية مبنية على ما يراه كل جنس مناسبًا له، وما يستطيع فعله وما لا يمكنه فعله. فالصورة النمطية الرائجة عن الرجال هي أنهم طموحون وأقوياء وعدوانيون، في حين يُتوقع أن تكون النساء حساسات وعاطفيات ويقدمن الرعاية. وهذا ما يفسر وجود وزيرات للتعليم ونساء كُثر في مجال التعليم والصحة على عكس باقي المجالات، وكأن النساء غير قادرات على شغل مناصب قيادية في مجالات أخرى.

هذه الصورة النمطية عن الأدوار الاجتماعية للجنسين بالإضافة إلى دور التنشئة الاجتماعية ساهمت كثيرًا في إبعاد النساء عن السياسة. فكثيراً ما يتم إخبار النساء أنّه من غير المهم أن يكنّ على اطلاع بالسياسة، فينعكس ذلك على سلوكهم المعرفي. أو أن يتم إخبارهم أن المعلومات التي يمتلكنها عن السياسة لا تدخل ضمن الجانب السياسي، فيصبن بالإحباط أو فقدان الثقة.

علاوة على ذلك ، تؤثر القوالب النمطية على هذه الظاهرة؛ فإلقاء الأحكام الجائرة السابقة عن محدودية معرفة المرأة في السياسة له تأثير في سلوك المرأة السياسي. يقترح أوبسورن ومنديز أن الأفكار النمطية تخلق صورة أن السياسة بطبيعتها ذكورية، وأن المرأة جيدة في التعامل مع قضايا المرأة، ولكنها ليست جيدة في التعاطي مع قضايا أخرى في السياسة؛ مما يجعل المرشحين من الرجال أكثر قدرة على الفوز في الانتخابات من المرشحات من النساء. وهكذا، تستند هذه الافتراضات السابقة إلى القوالب النمطية المتعلقة بالجنسين والمعتقدات المتعلقة بالجنسين؛ ومن ثَمَّ، يتم الحكم على النساء بأنهن أقل قدرة على المشاركة في السياسة بغض النظر عن معرفتهن وقدراتهن الفعلية.

أيضاً، يميل الذكور والإناث منذ سن مبكر إلى تطوير أفكار مختلفة حول أدوارهم السياسية؛ إذ تميل النساء إلى الاعتقاد بأن السياسة للرجل، الأمر الذي يؤثر سلبًا على قدرتها وفعاليتها في التأثير السياسي. كما أن من المرجح أن تقول النساء إن السياسة صعبة للغاية ومن الأرجح أن تجيب “لا أعرف” على اختبارات المعرفة السياسية.  ويمكن تفسير ذلك بأن النساء أقل ثقةً بقدراتهن بالمقارنة بالرجال في مجال السياسة؛ مما يؤثر من ثم على فهمهن ومشاركتهن في السياسة. على الرغم من انخفاض ثقة النساء، تُظهر بعض الأبحاث أن إشراك النساء في السياسة سواء بصفتهن موظفات أو مرشحات أو عضوات في البرلمان له تأثير إيجابي في ثقة النساء الأخريات. ولذلك؛ فإن وجود ممثلات سياسيات -كما في البرلمان- يشجع النساء الأخريات على دخول هذا المجال ويعمل محفزًا لرفع اهتمام المرأة ومعرفتها في السياسة[ii].

الفصل الجندري والنقاشات السياسية:

ذكر منديز وأوسبورن في دراستهما المنشورة في 2010، أن النساء والرجال -معاً- يرون أن الرجال أفضل في السياسة وأكثر معرفةً واطلاعاً وأن النساء أقل معرفةً واطلاعاً في السياسة. وفي تصويت ضمّ 2622 صوتاً، 56% منهم يؤمن أن النساء أقل معرفةَ واهتمامًا بالسياسة من الرجال، و 34%[iii] فقط يعتقدون أنه لا فرق بينهما. ويحلل منديز وأوسبورن[iv] هذه الظاهرة؛ إذ يذكران في دراستهما أن السبب يعود إلى مشاركة الشخص في الحوارات والمناقشات السياسية، فكلما شارك الشخص في المناقشات السياسية كانت معرفته واطلاعه في السياسة أقوى. ومع ذلك، فإن الرجال والنساء لديهم مناقشات سياسية محدودة مع بعضهم بعضا؛ بسبب العوامل الاجتماعية مثل الفجوة بين الجنسين في المعرفة. ولكي نكون أكثر وضوحا؛ فإن الجندر بوصفه هوية اجتماعية يلعب دورًا في تشكيل المناقشات والحوارات السياسية، هذه الهوية الاجتماعية تعكس وتبني الطريقة التي ينظر بها الأفراد إلى المسائل السياسية ويتفاعلون معها.

الفصل الجندري أيضًا أحد الأسباب التي تجعل النساء يمتلكن معرفة محدودة في السياسة. بعبارة أخرى: النساء والرجال لا يتحدثون معاً في السياسة، ولأن كليهما يعتقدان أن الرجال خبراء في المجال السياسي وأكثر فهماً من الإناث؛ يميل الناس عادةً إلى الدخول في نقاشات سياسية مع من يرون أنهم أكثر خبرة، وبسبب تلك النظرة، تتجه غالبية الناس إلى مناقشة المواضيع السياسية مع الذكور لا الإناث؛ لذا لا تحظى النساء بحوارات سياسية ومناقشات كثيرة مما يؤثر على معرفتها السياسية.

المحيط الاجتماعي في المراهقة:

تشير إحدى الدراسات إلى أن الأسباب وراء كون النساء أقل إلماماً بالسياسة، تعود إلى مرحلة المراهقة المبكرة. ولدراسة الطرق التي يستخدمها كلا الجنسين من سن مبكرة لتحصيل المعرفة السياسية قام الباحثان جنيفر وولاك ومايكل مكديفيت في [v]2010 بنشر دراسة عن هذا الأمر، إذ أشارا إلى أن الشباب والشابات يتعلمون عن السياسة باستخدام تقنيات مختلفة، وهكذا يتعلم الشباب الذكور عن السياسة في محيط يتسم بالصراع، أي إنهم يعززون معرفتهم عن طريق المشاركة في المناقشات أو العيش في مجتمعات متعددة الانتماءات. من ناحية أخرى، الشابات اللواتي ينتمين إلى أسر تميل إلى مناقشة السياسة ويعشن في مجتمعات متسقة سياسيا؛ يُرجّح أن تكون لديهن المزيد من المعرفة في السياسة على عكس الإناث الأخريات.

لذا؛ لأن الشباب والشابات يتعلمون بشكل مختلف عن السياسة؛ فإنهم يميلون إلى الحصول على مستويات مختلفة ومتفاوتة من المعرفة. أيضا، في الدراسات السابقة، سجلت النساء مستوى أقل من الرجال في المعرفة السياسية، ويفسر الباحثون ذلك على أن النساء أقل اهتماما بالسياسة من الرجال وأقل اهتماما بالحصول على المعرفة السياسية مقارنة بالرجال، فينعكس ذلك على مستوى معرفتهم السياسية. ونتيجةً لذلك تصبح فرصهم أقل بكثير في أن يصبحن رائدات في المجال السياسي[vi].

الخلاصة:

نفهم من كل ذلك أن النساء لسن أقل قدرةً على استيعاب السياسة، ولكن المجتمع هو من صنع هذه الظاهرة بإلصاق صفة الذكورة للسياسة، ومن خلال الفصل الجندري الذي أنتج نقاشات محدودة بين الجنسين. كما أن الأدوار الاجتماعية والأفكار النمطية ساهمت في تأطير دور المرأة في السياسة وإبعادها عن هذا المجال. بالإضافة إلى الحكم السابق على محدودية النساء، جميع هذه الأسباب أدت إلى إنتاج جيل كامل من النساء غير ملمات بالجانب السياسي، وغير مهتمات لما يحدث في العالم أو غير قادرات على الدخول والمنافسة في هذا المجال.

_______________________________

                                               [vii]

[i] Ocran R 2014, ‘ WOMEN’S POLITICAL PARTICIPATION: A COMPARATIVE STUDY ON GHANA AND TANZANIA’ University of Eastern Finland.

[ii] (A.Karp & A.Banducci 2008).

[iii] See Twitter account @maismmm1

[iv] Mendez & Osborn 2010, ‘ Gender and the Perception of Knowledge in Political Discussion’; Sage Publications

[v] Wolak & McDevitt 2011, ‘ The Roots of the Gender Gap in Political Knowledge in Adolescence’ springer.

[vi] Webser et al 2018, ‘ Dirty” Workplace Politics and Well-Being: The Role of Gender’ Sage.

0 938 07 مارس, 2019 الخامس بعد المئة, العدد الأخير, سياسة مارس 7, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.