تراجيديا الإسلام

لـ

مأساة الإسلام: اعترافات إمام مسلم

الكتاب: مأساة الإسلام: اعترافات إمام مسلم

المؤلف: الإمام محمد التوحيدي

الناشر: Reason Books، 2018م

عدد الصفحات: 362

لغة الكتاب: الإنجليزية

يتحدث الإمام محمد التوحيدي في هذا العمل، الذي هو عبارة عن سيرة ذاتية مفعمة بالتنقل والترحال بين إيران بلد مولده وطفولته، وأستراليا، والعراق وغيرها من الدول، وذلك منذ ما يقارب من عشر سنوات منذ 1997م الى العام 2017م، من الترحال والتغيير في الآراء والمواقف والأفكار. في هذا العمل المتضمن ما يقارب أحد عشر فصلا مع وجود فصل مستقل يبدو بمثابة سيرة ذاتية للمؤلف يستعرض من خلالها طفولته في مدينة قُم الإيرانية العريقة وسلوكياته العائلية في تلك الفترة، والتأثير العائلي الكبير فيه كما هو الحال في معظم البيئات الإسلامية، ساردًا رحلته مع أمه إلى الحج، بل وتحوّله من مرحلة الإيمان التقليدي إلى مرحلة الإيمان الإصلاحي والمنفتح، متحدثًا عن تلك العوامل التي أسهمت في هذا التحول الجذري في مسيرته الحياتية. ذلك أن هناك الكثير من العوامل الشخصية، العائلية، والعامة التي أثرت بشكلٍ حاسم في هذه التغيرات، وربما أهمها تلك العلاقة العائلية المعقدة، والمرتبكة مع النظام العراقي السابق بقيادة صدام حسين والكثير من أفراد الحزب، وذلك التعذيب الذي مورسَ من قبل أفراد النظام على أعمامه وعائلته وأفرادها، بسبب رفض عمه الانخراط في عمليات التعذيب التي يقوم بها النظام ضد المدنيين الإيرانيين إبان الحرب العراقية الإيرانية. يستعرض التوحيدي في الفصل الأول من هذا العمل رحلته الأولى إلى الحج مرافقًا أمه إلى هذه الرحلة بديلًا عن أبيه كما تقتضي التقاليد الإسلامية أن يرافق المرأة محرم، إذ يستعرضها بلغة شاعرية بالغة الرهافة والحساسية، فهذه الرحلة قد غيّرت حياته بشكلٍ كامل كما يقول التوحيدي (ص21)، وهي كانت بقيادة آية الله الشيخ جعفر الباقري. ففي اللحظة التي وصل فيها إلى الكعبة وقف الطفل التوحيدي أمام الله متجردًا من كل ماديات الحياة، متصلًا بالمستويات الروحية العليا، تلك اللحظات أعادت لذاكرته بأننا خلقنا من العدم، وبأننا نعود للعلي القدير بكل تواضع وبساطة. عند نهاية رحلته الأولى للحج في مكة وزيارة بقية الأماكن كالمدينة، والبقيع، ومزدلفة وغيرها، عائدًا إلى أستراليا بفضيلة أكبر من قبل، متزودًا بمعرفة أكثر عن الإسلام إثر عودته من تلك الأماكن، الأمر الذي جعله يتحدث إلى أصدقائه عن هذه الرحلة وينورهم، شارحًا لهم الأثر النفسي والروحي الذي خلفته فيه.

لم يكن التوحيدي يشعر بالغربة في أستراليا، بل كان بالعكس من ذلك، يشعر بأنها بيئة صحية للحياة والعيش فيها، فهي تتسم بأنها بيئة مختلطة من جميع الثقافات والأجناس والأعراق دونما أي تفريق بينهم. علاوة على ذلك، فإن الصحبة المؤثرة للسيد (وهو لقب آثر التوحيدي أن يخفي خلفه الشخص المعني)، وذلك التأثير الكبير الذي وجده منه، إلى درجة أنه يقضي الساعات الطوال معه يتعلم منه أصول الإسلام ومبادئه، وذلك بصحبة ما يقارب 15 طالبًا  كانوا يحضرون هذه الدروس. ففي عام 2006م، تقدم السيد بمقترح إلى والد التوحيدي يذهب من خلاله في رحلة من أستراليا إلى إيران بصحبة 20 طالبًا، كانت الهدف هو القيام برحلة إلى مدينة قم المقدسة ومدينة مشهد، التي من شأنها أن تؤثر في تفكيرهم، وترسخ إيمانهم ومعتقداتهم الدينية. وفور وصول الطلبة إلى المطار في طهران، ومع برودة الأجواء في تلك الفترة، وفي الطريق إلى مدينة قم اجتاحت المشاعر الفياضة التوحيدي وأجهش بالبكاء وهو في طريق عودته إلى مدينته التي قضى فيها طفولته، في جوٍ مُفعم بالتأثر ويقظة ذكريات الطفولة بكل تفاصيلها البعيدة والصغيرة.

بعد نهاية الشهر الدراسي في قم والعودة إلى أستراليا انتابت التوحيدي الكثير من مشاعر الحنين بضرورة العودة إلى قم من جديد ومواصلة الدراسة فيها، إذ إن التأثير الروحي لهذه المدينة عليه ما يزال باقيًا، وطازجا ً، غير أن المسألة المالية لم تكن بجانب التوحيدي، فعائلته لم تكن تمتلك المال الكافي لهذه التنقلات بين إيران وأستراليا، مما أرغم التوحيدي على العمل في محل لبيع الخضروات والفواكه للحصول على بعض المال لتحقيق هذا الطموح الشخصي.

لدى وصوله إلى إيران لم يجد التوحيدي المناخ الملائم لمواصلة الدراسة، إذ إن اختلاف الثقافات في تلك المدرسة والعدد الكبير للطلبة، ومستوى المعيشة أيضا، لم تكن عوامل مغرية للبقاء فيها، مما اضطره لمغادرتها بعد قضاء ما يقارب من 5 أشهر فيها، إلى معهد المهدي الذي لم يكن أحسن حالا من المدرسة السابقة، فهذه الأخيرة كانت مليئة بالطلبة والمستوى المعيشي المتواضع وغيرها من الإمكانيات البسيطة. الأمر الذي جعله يعيد التفكير مليا في إمكانية العودة إلى أستراليا، وبعد مهاتفته لوالده مؤكدا له أن القرار الأول والأخير يعود إليه شخصيا سواء في العودة أو في البقاء في إيران. في تلك اللحظات العصبية من التردد والحيرة بين المضي قدما في الدراسة والمكوث في إيران، وبين العودة إلى استراليا، كان قلب التوحيدي ينبض بالحب والإخلاص للنظام السياسي الإيراني ولرموزه، فهو على استعداد تام بالتضحية بكل ما يملك من أجله، فقرر البقاء ومتابعة دراسته الإسلامية، مما أثار استغراب بقية الدفعة التي جاءت معه، في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي مر بها.

كانت حوادث الفساد الفردية التي تحدث بين الطلبة والمعلمين في المعاهد والمدارس التي درس فيها التوحيدي، عاملا مهمًا وحاسمًا في تحويل ولائه من الشكل التقليدي إلى الشكل الانفتاحي والإصلاحي، فذلك الانبهار الذي كان يحمله التوحيدي بين جنباته تجاه علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، وتلك الهالة التي كانت تحيط به لدى الفتى اليافع، والافتتان المبالغ به وبطريقة تدريسه ووجوده بشكل ٍ عام(ص39)، قد تغيرت بعد حضور ذلك الدرس في أكتوبر عام 2010م، إذ تم في تلك الفترة اختيار مجموعة دارسين من بقاع العالم ووقع الاختيار على التوحيدي ممثلا للبعثة الأسترالية، ففي ذلك اليوم وبحضور ما يقارب 500 شخص من إيران وخارجها، وبمسافة تبعد ما يصل إلى 33 مقعدا عن الإمام الخميني كان يجلس التوحيدي بكل ما تحمله الحياة من مشاعر انبهار وتعظيم لهذه الشخصية المؤثرة في حياته ومساره. ويعود هذا التحول إلى سبب رئيس وهو أن التوحيدي  قرر بعد هذا الدرس بحضور خامنئي أن يكتب رسالة له يعبر فيها عن ولائه وإعجابه به، وكان حسب الإجراءات الإدارية ينبغي أن يتم تسليمها إلى مكتب خامنئي لتصل إلى سماحته. لاحقا، وبعد مرور فترة ليست بالطويلة تلقى الطالب الأسترالي اتصالا يفيد بضرورة مقابلة شخص متقدم في العمر أعطاه مظروفا بداخله ورقة تفيد بضرورة ذهابه إلى البنك الإسلامي الذي يقع في الشارع المقابل لمكتب آية الله مكرم. ذهب التوحيدي إلى البنك وفي حوار بينه وبين الموظفة التي تعمل في الصرافة بما يشير إلى ان المبلغ المودع باسمه لا يمكن أن يحمله الفتى في المواصلات العامة وينبغي بأن يجلب معه سيارة خاصة، إذ تلقى مبلغا  كبيرا من المال يصل إلى عشرة آلاف دولار، وهو مبلغ كبير جدا في تلك المرحلة الزمنية والعمرية. ما حدث لاحقا أن التوحيدي أهدى بعض المال لأصدقائه ومعلمه، واحتفظ ببعضه الآخر في الحساب البنكي للأيام القادمة. غير أن بعض رجال الدين صادروا هذه الأموال أو أوقفوا هذا الحساب؛ مما أثار حفيظته واستياءه العميق، بما يشهد حدوث تحول كبير وشبه كامل في حياته واعتقاداته، كان على مرحلتين(ص41): الأولى قرّر أخذ مسافة كافية بينه وبين النظام الإيراني وحزب الله لكنه بقي محافظا على أصوليته الدينية، التي حدثت في الفترة من 2010م الى 2012م. والمرحلة الثانية تحرير عقله من الأفكار الأصولية والمتطرفة كما يقول، التي أخذت الكثير من الوقت والاعتمال النفسي والبطء والتدريج في هذا التوجه. ففي تلك المرحلة لم يكن الشاب يبحث عن معلومات مغايرة لما يطرحه النظام، بل كان يعتقد أن كل ما يقال صحيح، وموثوق به.

غير أن ما ساعد على هذا التحول هو ذلك الاجتماع غير المتوقع بينه وبين أحد الأشخاص في سوق جوزار خان في مدينة قم الإيرانية، وتحديدا عندما استمع إلى شريط أو أسطوانة تسجيلية تمدح بعض السلع، فتوجه إليها محاولا معرفة هذا الصوت وتفاصيله، لذلك التقى مع البائع ليخبره بأنه من استراليا، وحينها كانت المفاجأة وهي بأن لدى البائع صديق (صاحب الصوت) سيلتقي به وقت الغداء قادم هو أيضًا من أستراليا، وتم الاتفاق على أن يلتقيا سوية به. وعندما تم اللقاء تفاجأ التوحيدي بالحنق والسخط اللذين اعتريا هذا الشخص تجاه النظام الإيراني، وأفعاله التي كانت مجهولة لدى التوحيدي ولا يعرف عنها. في سياق هذا الحدث تم الاتفاق على زيارة آية الله صادق الشيرازي في الغد وتجربة حدث مختلف عن المألوف في هذه الأجواء. في الغد، وعند وصولهم إلى المكان المتفق عليه، اندهش التوحيدي بتلك الجموع الهائلة التي تصافح هذا الشيخ الستيني ذا اللحية البيضاء، المتسم بالهدوء، وتقبل يده، وهذا ما لم يعتد عليه الطالب الأسترالي ذو الأصل الإيراني. لاحقا، عند عودته إلى سكنه الجامعي أخبر بعض الطلبة والمعلمين بأنه التقى بآية الله الشيرازي، وقد كانت ردة فعلهم مستغربة ووحشية وغير طبيعية (ص45)، ومنذ ذلك اليوم تحديدًا تحولت حياته إلى مشاهد قاسية من مقاطعة زملائه له، وامتناعهم عن الحديث معه، كما وجد مخزنه الصغير قد حُطم، وحاسوبه الشخصي قد سُرق، الأمر الذي جعله يتصل بوالده ويخبره بما حدث ليرد عليه الوالد بأنه قد التقى بشخصية غير مرغوب فيها.

يحتوي هذا الفصل الأول على الكثير من الصور والذكريات الشخصية للكاتب مع الكثير من الشخصيات الإيرانية البارزة، والتي كان لها حضور كبير على المستوى الشخصي للمؤلف، كما يحتوي على صور شخصية كان لها بالغ الأثر في إبراز مكانة التوحيدي التي جعلته مثلما ورد سابقا ينتقل من الإيمان التقليدي إلى الإيمان الإصلاحي والمنفتح، كما يحتوي على الكثير من التفاصيل الشخصية الصغيرة، ولكنها مؤثرة في هذا التحول، التي تم سردها بطريقة شاعرية من جهة، وبطريقة توثيقية للزمان والمكان من الجهة الأخرى؛ الأمر الذي يمنحها البعد السردي الشخصي والعام.

في الفصول اللاحقة يناقش التوحيدي مواضيع مرتبطة بالتاريخ الإسلامي العام، مرورا ببعض المفاهيم الإسلامية التي تعدّ مسلمات لم يتم التطرق إليها من قبل، بل هي بمثابة بدهيات، طارحًا لأجل ذلك العديد من التساؤلات على الأحداث التاريخية الإسلامية القديمة التي جعلت الأنظمة الاعتقادية تتشعب وتختلف فيما بينها. لا يكتفي التوحيدي بذلك، بل يعمد إلى تقديم الكثير من الأحداث من منظار مختلف، يساعد غير العربي وغير المسلم على فهم التاريخ الإسلامي من زوايا مختلفة، تعتمد في ذلك على الإحصائيات الرياضية، والأرقام، وعقلنة الكثير من الأحداث، وإعادتها إلى قيم حضارية مختلفة عن سياقاتها الأصلية.

بالإضافة لذلك، نجد أن هذا العمل يتطرق لأحداث مهمة في التاريخ الإسلامي، منها على سبيل المثال: سلالات الحكم الأموية، العباسية، ومقتل الحسين بن علي، تلك الحادثة التي أثارت وما تزال الكثير من المشاعر الجياشة والفياضة، والتي أثرت بشكلٍ كبير على المستوى الديني الإسلامي، إذ تعد هذه المواضيع من الأمور التقليدية التي كتب عنها الكثير منذ فترة طويلة، غير أنها ما زالت تكتب بطرق مختلفة، ومتنوعة معتمدة في ذلك على منظور الكاتب وتوجهه الشخصي من جهة، والوثائق التي يستند اليها من الجهة الأخرى.

الإسلام والحرب:

تتطرق الفصول اللاحقة وتحديدا من الفصل السابع، بالنقاش العميق إلى بعض المواضيع الراهنة في العالم الإسلامي في الفترة الأخيرة، التي أصبحت مواضيع ساخنة للنقاش، ويتم تداولها على المستوى العالمي، إذ إنها تعدّ قضايا ممانعة أو معيقة للتقدم أو المضي قدماً بالعالم الإسلامي، وربما أهمها هي المتعلقة قديما بعلاقة الإسلام والحرب كما هي في الفصل السابع، إذ نجد أن هذا الفصل يتطرق إلى سؤال يتكرر باستمرار، وهو: لماذا غزا العرب معظم بلدان الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، وإسبانيا؟ بل وكيف اكتسب الإسلام هذه السمعة بصفته ديانة الحرب في المقام الأول؟ إذ نجد أن هذه الغزوات التي حدثت في العصور الإسلامية الأولى وما بعدها بدءا من يوليو في عام 628م، عندما أمر النبي محمد خليفته أبا بكر بإخافة أو غزو بعض قبائل نجد بعدما تلقى معلومات مشبوهة، إذ إنه وبحسب التوحيدي فإن الخليفة أبا بكر أصدر أوامره بقتل عدد كبير من المدنيين وأخذ عدد كبير منهم سجناء ورهائن.

يتطرق التوحيدي بعد ذلك في سياق حديثه عن هذا الموضوع إلى المناطق التي استولى عليها الخليفة عمرو بن الخطاب في فترة حكمه، بدءًا بالعراق، وإيران، وأذربيجان، وأرمينيا، وجورجيا، وسوريا، والأردن…وغيرها، كما يتطرق بشكل كبير إلى معركة عرب سوس بقيادة الخليفة عمرو بن الخطاب، التي تم إزالتها من التاريخ الإسلامي كما يقول (ص210) أو لم يعد تداولها ممكنا في الكتابات الإسلامية، إذ إن الخليفة عمرو بن الخطاب قد أوكل هذه المهمة إلى عمير بن سعد والي حمص في تلك الفترة، وتقع هذه المدينة بين الإمبراطورية البيزنطية وحدود الخلافة الإسلامية، التي اقتضى أمره بأن يتم غزوهم وأخذ كل ما يملكونه من أموال وأصول تجارية.

لا يكتفي التوحيدي في هذا الفصل بالتطرق إلى التاريخ الإسلامي القديم، بل يعمد بشكل كبير إلى الحديث عن الحكومات الإسلامية المعاصرة كما هو الحال في الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتحديدا بعد ثورة 1979م، إذ يعتبرها بأنها فترة حالكة الظلام في تاريخ الحضارة الإيرانية (ص233)، بما صاحبها من انتهاكات لحقوق الإنسان التي اعتبرت بمثابة أحداث اعتيادية في ظل هذه الحكومة، فالثقافة الإسلاموية قد انتشرت بشكل كبير بين الشعب الإيراني دون اعتبار اعتقاداتهم الشخصية أو الخاصة؛ إذ تم اعتبار أي شخص مختلف بمثابة عدو الله.

كما يتطرق إلى المملكة العربية السعودية باعتبارها قد تأسست بعد غزو آل سعود لقبائل نجد، الرياض، والحجاز، إذ إنها ما زالت تواصل إعدام النساء في الشوارع (ص235)، فهي بذلك تعيد للأذهان ما يحدث لدى داعش من جرائم وفظائع بحق الجنس البشري، كما يعتبر التوحيدي بأن أسوأ جريمة حدثت في السعودية هي سجن رائف بدوي التي تضاف إلى قائمة انتهاكاتها المختلفة.

بناء على ما سبق من جرائم وغزوات إسلامية – يقول التوحيدي – لا نستغرب أن تظهر جماعات متطرفة مثل داعش؛ ذلك أنها قد استوحت مثل هذه الجرائم من العصور الإسلامية الأولى، إذ إن كل هذه الجرائم التي نشهدها حاليا تعود إلى مؤسس الديانة والخلافة الإسلامية الأولى.(ص239).

في الفصل التاسع (ص277 وما بعدها)، يتحدث التوحيدي عن المآزق المالية التي تعيشها الدول الإسلامية، فهي تقتات على النفاق أو الرياء الذي يظهر غير ما يبطن، فهي تعود بشكل محدد إلى القانون الإسلامي الذي يسمح للبعض بالقيام ببعض الأفعال في حين أن الآخرين لا يمكنهم القيام بذلك، فالأشخاص معصومون في حين أن الحقوق منتهكة ولا قيمة لها. في هذا السياق، فإن عقوبة شارب الخمر تصل إلى القتل حسب الأعراف المجتمعية والقانون الإسلامي، كما نجد أن هذا النفاق يتجسد في ذلك الخداع العالمي للحصول على شهادة الطعام الحلال.

لا يقتصر هذا الاستعراض على مجال دون الآخر، ففي فصل “كارثة الفتاوى” التي تعد استجابةً للسوق بما يشمله من عرض وطلب وتسويق، والكثير من الوسائل التجارية المختلفة، وهو يعود في ذلك إلى حادثة أحمد بن حنبل ومسألة أكل الشمام الشهيرة، إذ يروى عنه أنه لم يأكله بسبب عدم وجود ما يدلل على أن النبي محمد قد أكل منه، وهذا يعود – بحسب التوحيدي – إلى تلك الرغبة في خلق أيديولوجيا أو إطارات للتحكم في السلوك والرؤى الوجودية. في المقابل، نجد أن الكثير من المنضوين تحت هذا النوع من التفكير يتناولون الطعام الحديث مثل البيزا وغيرها، وهي أطعمة لم تكن موجودة في الفترات السابقة. 

أضف إلى ذلك يستعرض التوحيدي الكثير من الفتاوى الغريبة والمختلفة، التي تمنع كل ما يمت بصلة إلى الحياة المعاصرة.

وهم الإصلاح:

في الفصل الختامي من هذا العمل، يتحدث التوحيدي عن الإصلاح في السياق الإسلامي، فعلى مدى القرون الإسلامية نجد أن الأصوليين الإسلاميين دعوا بشكل كبير، إلى الحفاظ على “تقنيات الإسلام الصحيح” (ص317)، التي تقتضي بالمسلم أن يقتل غير المسلم، واعتبارهم منافقين، وثنيين، غير مؤمنين، وكفرة؛ إذ يعتبر في هذا السياق بأن حركات الإصلاح الإسلامي تشكل خطورة بالغة على الأصولية الإسلامية، كما أن هذه الحركات الإصلاحية تواجه تهديدات كثيرة، وبشكلٍ خاص في المجتمعات الإسلامية، ومن المحتمل أيضا في الغرب؛ فالطريق إلى الإصلاح الإسلامي يمنح الأمل للأجيال المستقبلية، فهي من الممكن أن تكون مجتمعات آمنة، وتحديدا في الدول غير الإسلامية.

غير أن السؤال هنا: ما العوائق التي تقف في وجه إصلاح الإسلام اليوم؟

ففي المقام الأول، نجد أن المصلحين الإسلاميين يتظاهرون بأنهم يرغبون في الإصلاح، أو في الأحوال الفضلى قدموا مجموعات بشرية تدعي الإصلاح، دون الحديث عن الماضي من جهة، وترتدي لبوسًا إصلاحية دون النفاد للجوهر الفعلي لهذه الشخصيات من الجهة الأخرى، كما هو الحال في اللباس الحديث، في حين أن الأفكار تبقى راديكالية ومتطرفة تساند دولة الخلافة الإسلامية (داعش). فالإصلاح الحقيقي يعيش في ظل تهديدات مباشرة، وفعلية، وبهذا المعنى فهو يحتاج لحماية مباشرة. غير أن التعليم يبقى هو المنطقة الأهم التي يجب أن يعيها العقل المسلم في عملية الإصلاح. فالإصلاح هنا لا يقتصر فقط على المسلمين، بل يشمل أيضا ً غير المسلمين، أولئك الذين يقعون ضمن المسلمين المحتملين الذين يعيشون في المجتمعات الإسلامية. في المقابل، فإن دعوات الإصلاح تواجه الكثير من التهم، التي تعتبرها دعوات زائفة، فهي لا تدين الأعمال الإرهابية، كما أنها لا تتحدث عن دولة الخلافة الإسلامية (داعش) بسوء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.