“المصطلح التراثي النقدي: قضايا وإشكالات”

لـ


قراءة في كتاب الدكتور عبد الرزاق جعنيد:

إن العناية بالتراث النقدي العربي واستقرائه وتتبعه واستكشافه والإفادة منه بجميع فروعه، أصبحت مسألة ضرورية وواجبة في فكرنا الراهن وثقافتنا المعاصرة، خاصة في ظل الغزو الثقافي الغربي من ناحية التعبير والمصطلح لدرجة صار معها التراث العربي بجميع فروعه مهمشاً، ومتجاهلاً، رغم تنوعه وثرائه في الشكل والمضمون. وفي هذا الصدد يأتي كتاب الباحث المغربي الدكتور عبد الرزاق جعنيد حول “المصطلح النقدي: قضايا وإشكالات” الصادر عن عالم الكتب الحديث  بإربد بالأردن، حيث يعرض فيه لبعض القضايا والإشكالات ويطرح فيه بعض الأفكار الأساسية في الدرس المصطلحي بدقة ووضوح في التحليل والتوثيق في مختلف الفصول والمباحث.

إشكالية تلقي النصوص:

يرى الدكتور عبد الرزاق جعنيد أن أهمية المصطلح في تحصيل العلوم وضبطها وإدراكها، تكمن في كل علم يصطنع لنفسه من اللغة معجماً خاصاً، فاتباع كشفه المصطلحي ومقارنته بالرصيد القاموسي المشترك في اللغة كالتي يتحاور بها العلم ذاته، يقود إلى إيجاد حظٍ وافرٍ من ألفاظ العلم غير وارد قطعاً في الرصيد المتداول لدى أهل اللسان، وما منه وارد فإنما ينفصل في الدلالة عما هو شائع انفصالاً لا يبقى معه إلا التواتر في الشكل الأدبي. ومن هنا، يدعو المؤلف إلى وجوب الاهتمام بالمصطلح “وتحديد دلالاته وخصوصياته، في كل علم، وفي كل تخصص باعتباره علامة لغوية لا يدركها إلا ذوو الاختصاص، على خلاف العلامة اللغوية العادية والتي تكون قاسماً مشتركاً بين المتكلمين داخل نفس المجموعة اللغوية” (ص. 5).

وقد اهتم القدماء بتصنيف الكتب والمصنفات والمعاجم المختصة في مختلف المجالات المعرفية مثلما فعل الخوارزمي الذي عمل على تصنيف كتاب جامع لمفاتيح العلوم وأوائل الصناعات، متضمناً بين كل طبقة من العلماء من المواضعات والاصطلاحات التي خلت منها أو من جلها الكتب الحاصرة  لعلم اللغة. فالنقد العربي، يرى الدكتور جعنيد، شأنه شأن كل العلوم المختلفة، تضمُّ مفاهيم وضوابط ومصطلحات تكون بمثابة مفاتيح وعتبات لفهم أسراره وتذليل صعوباته على مستوى الفهم والتلقي باعتبارها إحدى العناصر المهمة في الفعل الإبداعي إلى جانب القائل والمقول إليه كما يرى أرسطو. فالسبب الذي جعل القدماء ينهجون نهجاً يجعل العنوان مثلاً مصطلحاً “يعود بالأساس إلى وعيهم بأهمية النظام والنسق وتأكيدهم عليه في عملية الكتابة، وهو مفهوم تعكسه بجلاء مجموعة من المصطلحات التي تحفل بها مؤلفاتهم كالالتئام والتآلف والائتلاف والنظم والنسج والرصف والتلاحم والوصل وغيرها. بل أصبح هذا المفهوم مقياساً نقدياً يحتكم إليه في تمييز الجيد من الرديء” (ص. 10).

ولقد كانت أولى الخطوات المنهجية المعتمدة من لدن النقاد كلما ذكروا مصطلحاً جديداً لم يكن متداولاً من قبل، كما يرى ذلك الباحث، فكلما شحنوه بدلالة مختلفة إلا وشرحوا معناه وحددوا دلالاته بشكل موسع ومدعم بالشواهد والأمثلة الوافية مع استغلال فضاء النص المحيط باعتباره عتبة ومدخلاً تجعل المتلقي وتساعده على الإمساك بخيوط النص الأساسية. “فتكون عتبة المقدمة بذلك مجالاً لتوضيح العنوان (المصطلح) وعتبة الهوامش المصطلحات الواردة في سياق النصوص، وأحياناً يتمُّ ذلك في سياق النصوص نفسها كما في بديع ابن المعتز ونقد الشعر لقدامة بن جعفر وحلية المحاضرة للحاتمي، وعياً منهم بأن التحكم في المصطلح هو تحكم في المعرفة المراد إيصالها، والقدرة على ضبط أنساق هذه المعرفة” (ص. 10). فالمصطلح، حسب الباحث دائماً، يشكل إحدى العتبات والمداخل الضرورية للنص النقدي القديم ابتداءً من العنوان، وبامتلاكه يمتلك المتلقي المفتاح الصائب للدخول إلى عالمه وفهم مكامنه وأسراره…

المصطلح النقدي والمعجم التاريخي:

يرى الدكتور إدريس الناقوري أن “دراسة المصطلح العلمي- والمصطلح النقدي بخاصة– دراسة منهجية وعلمية دقيقة، تفتح أمام الباحث عدة أبواب وتضعه أمام خيارات منهجية متعددة وتفسح له المجال لفحص وتجريب إمكانيات كثيرة وذلك بحسب الوجهة التي ينتحيها في الدراسة والغرض الذي يتوخى تحقيقه من بحثه”. ويشرح الدكتور جعنيد هذا القول، فيرى أن نتائج الدراسة العلمية تبقى رهينة بالمنهج المعتمد وبالطريقة المعتمدة في ذلك، بحيث يعود إليهما أساسا التباين والتمايز بين النتائج المتمخضة عن دراسة قضية أو ظاهرة من الظواهر الأدبية أو النقدية. فدراسة المصطلح النقدي العربي القديم قد خضعت إلى يومنا هذا إلى الكثير من المناهج منها ما هو تاريخي ومنها ما هو وصفي، ومنها ما هو وصفي تاريخي، حيث تمَّ إخضاع المادة الاصطلاحية لعدة طرق من التصنيف والترتيب والتوثيق.

ويذكر الباحث مستويين من دراسة المصطلح النقدي في مستواها التاريخي وهما:

  • مستوى الدراسة الجزئية: وتتمثل إما في دراسة المصطلح في المؤلَّف أو عند المؤلف الواحد، وهو مسلك نهجته مجموعة من الدراسات والرسائل الجامعية، وإما في دراسته في حقبة تاريخية معينة، وهو المسلك الذي سلكه الأستاذ الشاهد البوشيخي في رسالته “مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين”.
  • مستوى الدراسة الشمولية: ونقصد بها دراسة مصطلحات النقد العربي دراسة كلية ترصد فيها جميع المصطلحات، إلا أن تحقيقها يبقى رهيناً بما حققته وما ستحققه الدراسة الجزئية من تقدم وتطور… (ص. 25).

وهكذا، فإن تصنيف وترتيب مصطلحات علم نقد الشعر مثلاً، وعلم المصطلح النقدي يتمُّ وفق تصور معين يعتمد على حقول ستة، هي (ص. 33):

  • الحقل الأول: وهو القاعدة أو مركز الدائرة، ويمثله المصطلح الأم…
  • الحقل الثاني: وتمثله مصطلحات بناء الشعر، وتضمُّ مصطلحات مكوناته، ومصطلحات أجزائه، ومصطلحات أدوات بنائه.
  • الحقل الثالث: وتمثله مصطلحات أغراض الشعر من مديح ورثاء وهجاء وغزل…
  • الحقل الرابع: وتمثله مصطلحات محاسن الشعر ونعوته.
  • الحقل الخامس: مقابل لسابقه، وتمثله مصطلحات عيوب الشعر.
  • الحقل السادس: ويحيط بالدائرة باعتباره السلك الذي يجمع الشتات، والرابط الذي يؤلف بين الأجزاء، وتمثله المصطلحات الواصفة للجودة والرداءة.

ومن خلال هذا التصنيف، يرى الدكتور جعنيد، أن تصنيف المصطلحات إلى مجموعة حقول دلالية مترابطة يجب أن يكون طبقاً للمفاهيم الخاصة بكل علم من العلوم المختلفة، فهذا الطرح يمكِّن من حصر قائمة مصطلحات الحقل الدلالي الواحد وتوثيقها وضبط علاقتها بعضها ببعض، وعلاقة قرابتها بالحقل الذي تنتمي إليه. لكن ترتيب المادة الاصطلاحية داخل كل صنف، بمعنى داخل كل حقل دلالي معين فيتمُّ بطرق مختلفة، باعتماد الترتيب الألفبائي بمفرده أو الدلالي بمفرده أو الموضوعي أو غيرها. ويكون “التوثيق مطلباً وضرورة علمية لا بد منها ولا يستقيم العلم ولا يستوي إلا بها. ولذلك عمل به القدماء وحرصوا عليه أيما حرص في سرد أخبارهم ورواياتهم وشواهدهم” (ص. 38). وتكون عملية توثيق مصطلحات النقد العربي، كما يذكر الباحث، على مستويين اثنين وهما: التوثيق الخاص الذي يثبت في هوامش متن الدراسة، والتوثيق العام أو الشامل ويتمُّ إنجازه عبر محطات رئيسية يذكر منها: مرحلة التصنيف المصدري، ومرحلة الفرز الجمع، ومرحلة التدوين الجذاذي، ومرحلة اختيار شكل التوثيق…

مصطلحات محاسن الشعر ونعوته:

يحدد الدكتور عبد الرزاق جعنيد مصطلحات محاسن الشعر في العديد من المصطلحات سنذكرها هنا بإيجاز كبير. حيث ابتدأ بمصطلح “المبالغة” محدداً معناه اللغوي والاصطلاحي والدلالي الذي يعود على صفة من صفات جودة الشعر، غايته تقوية المعنى وتوكيده، وقد اعتبره قدامة بن جعفر من نعوت المعاني، وصنفه أبو علي الحاتمي ضمن أصناف البديع ومحاسن الكلام، وقد جعلوه مراتب ودرجات فصلوا بينها بواسطة المصطلح، ومنها: المبالغة الجيدة أو المحمودة، والمبالغة المستحسنة، والمبالغة المستحيلة، والمبالغة الرديئة، والمبالغة القبيحة، والمبالغة الممكنة… وقد اعتبروا المبالغة نوعاً من الوصف من غير عدول عن الحقيقة وميزوا بينها وبين الغلوِّ الذي يُراد به المبالغة في مجيء الشاعر بما يدخل في المعدوم ويخرج عن الموجود…

وأما مصطلح التبليغ/ الإيغال فهو “أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تماماً قبل انتهائه إلى القافية، ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها، فتزيد البيت نصاعة، والمعنى بلوغاً إلى الغاية القصوى في الجودة” (ص. 58)، ويمكن التمثيل له بقول امرئ القيس من الطويل:

  كأنَّ عيونَ الوحشِ حوْلَ خِبائِنا             وأرجُلِنا الجَزْعُ الذي لمْ يُثَقَّبِ.

ومصطلح التبليغ/ الإرداف، فيعني التعبير عن المعنى لا باللفظ الموضوع له، ولكن بلفظ يُراد فيه. ويعرفه قدامة بأنه “هو أن يريد الشاعر دلالة على معنى من المعاني، فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى، بل بلفظ يدلُّ على معنى هو ردفه وتابع له، فإن دلَّ على التابع أبان عن المتبوع”. ويمكن التمثيل له ببيت امرئ القيس من الطويل (ص. 60):

وقدْ أغْتدِي والطيْرُ في وُكْناتِها                 بمُنْجَردِ قيْدِ الأوابِدِ هيْكَلِ.

ومصطلح التتميم/ التكميل، ويؤتى به لإكمال المعنى وتوكيده، كما فعلت الخنساء في قولها من البسيط (ص. 62):

أغَرُّ أبْلَجُ تَأْتَمُّ الهُداةُ بهِ              كأنَّهُ علمٌ في رأْسِهِ نـارُ.

ومصطلح الاستثناء من المصطلحات القليلة التداول بين نقاد الشعر في القرن الرابع، فلم يرد إلا عند ثلاثة هم ابن وكيع وأبو هلال العسكري وأبو علي الحاتمي، الذي سماه ب”تأكيد المدح بما يشبه الذم”، وهو الاصطلاح الذي أطلقه ابن المعتز من قبل على هذا النوع. والنابغة هو أول من قال في هذا النوع من البسيط (ص. 64):

ولا عيبَ فيهمْ غيرَ أنَّ سيوفَهمْ               بهنَّ فلولٌ من قِرَاع الكتَائِبِ.

وجمع المؤتلف والمختلف، وعرفه العسكري بقوله “أن يجمع في كلام قصير أشياء كثيرة مختلفة أو متفقة”، كما جاء في قول امرئ القيس من الطويل (ص. 65):

سمَاحَـةَ ذَا وبـرَّ ذَا ووفـاءَ ذا           ونائلَ ذَا إذا صَحَا وإذا سَكَرْ.

والتجنيس الذي يعني أن كلمتان اتفقتا لفظاً واختلفتا معنىً، ومن نعوته: مجانسة الكلمة الأخرى لفظاً واشتقاق معنى، ومجانسة اللفظ الآخر في تأليف الحروف دون المعنى، ومجانسة الكلمة الأخرى في الحروف، وتجنيس بزيادة حرف أو نقصانه، والتجنيس المضاف، ومناسبة الألفاظ المتجانسة للمعنى، والتجنيس بثلاثة ألفاظ، واستعمال لفظة من غير أصل…

والمجاورة التي هي “تردد لفظين في البيت، ووقوع كل واحدة منهما بجنب الأخرى أو قريباً منها من غير أن تكون إحداهما لغواً لا يحتاج إليه”. كما ورد في قول علقمة من البسيط (ص. 70):

ومُطعمُ الغُنْمِ يومَ الغُنْم مطْعمُهُ                أنَّى توجَّهَ والمحرومُ محرُومُ.

والمجاز الذي هو “استعمال الكلام في وجه غير الوجه الذي وُضع له في الأصل”. وله كما قال الآمدي “صور معروفة، وألفاظ مألوفة معتادة لا يتجاوز في النطق بها إلى ما سواها…”. ويرى الدكتور جعنيد أن أهمية المجاز في الكتابة الشعرية ودوره في تحسينها وامتداد جذوره في التاريخ الفكري العربي كظاهرة لغوية اعتبرها العرب من مفاخر كلامهم ودليلاً على فصاحتهم، فإنه لم يحظَ بعناية واهتمام نقاد الشعر في القرن الرابع، بحيث لم يتم تداوله إلا من طرف بعض النقاد  كابن طباطبا وقدامة والآمدي وأبو علي الحاتمي وعبد العزيز الجرجاني وابن وكيع وأبو هلال العسكري.

أما المذهب الكلامي فيتحدد معناه، كما يقول الباحث، في الإتيان بالحجج والعلل لتأكيد الكلام. لكنه لم يلق العناية والاهتمام الكافيين من لدن نقاد الشعر في القرن الرابع، ولم يذكروه إلا قليلاً.

ومصطلح التذييل الذي يعدُّ بدوره من المصطلحات النادرة الاستعمال من لدن النقاد، فلم يذكره إلا العسكري، رغم وجوده في التراث النقدي. وهذا التجاوز للمصطلح يعود أساساً إلى ارتباطه بالنثر وخاصة الخطابة أكثر من ارتباطه بالشعر.

والرجوع الذي يعني أن يذكر القائل معنى أو فكرة ثم يرجع عنها، وهو المعنى الذي ورد به المصطلح عند العسكري حيث قال: “الرجوع هو أن يذكر شيئاً ثم يرجع عنه كقول القائل: قليل العلم كثير، بل ليس من العلم قليل” في مثل قول الشاعر من الطويل (ص. 75):

أليسَ قليلاً نظرةٌ إذا نظرتُهَا                    إليكِ وكلاَّ ليسَ منْكِ قليلُ.

والترديد الذي يعني “أن يأتيَ الشاعر بلفظ ثم يردده، ولكن اللفظين متعلق بمعنى يختلف عن الآخر”. وفي ذلك يقول أبو تمام من البسيط (ص. 76):

صفراءُ لا تنزلُ الأحزانُ ساحَتَها                لوْ مسَّها حجَرٌ مسَّتْهُ سرَّاءُ.

والترصيع وهو “توخي تسجيع مقاطع الأجزاء وتصييرها متقاسمة النظم، متعادلة الوزن حتى يشبه ذلك الحلي من ترصيع جوهره”. نحو قول امرئ القيس من البسيط (ص. 77):

والعيـنُ قادحةٌ واليـدُ سـابحةٌ            والرِّجْلُ طـامحةٌ واللونُ غِرْبِيبُ.

والماءُ منهمرٌ والشَّـدُّ منْحـدرٌ           والقُصْبُ مضْطَمِرٌّ والمَتنُ ملْحُوبُ.

والسلب والإيجاب وهو كما ذكر الباحث “ذكر صفة مع نفيها من جهة إثباتها من جهة أخرى”. وفسره قدامة أيضاً بالنفي والإثبات. فهما كمصطلح مقترنان لم يتداوله من نقاد القرن الرابع سوى قدامة بن جعفر وأبو هلال العسكري. وفيه يقول البحتري من الخفيف (ص. 79):

فابقَ عمرَ الزمانِ حتى نؤديَ                   شكْرَ إحسانِكَ الذي لا يُؤَدَّى.

إضافة إلى مصطلح التسهيم، والمساواة، والتشبيه الذي يعني “الوصف بأن أحد الموصوفين ينوب مناب الآخر بأداة التشبيه”، وه أنواع منه التشبيه البديع، والتشبيه البارد، والتشبيه الباهر، والتشبيه الجيد، والتشبيه الحسن، والتشبيه الرديء، والتشبيه الصحيح، والتشبيه العجيب، والتشبيه الفائق، والتشبيه القبيح، والتشبيه القديم، والتشبيه اللطيف، والتشبيه المتنافر، والتشبيه الواقع…

ومصطلح التشطير الذي يعني “أن يتوازن المصراعان والجزءان، وتتعادل أقسامهما مع قيام كل واحد منهما بنفسه، واستغنائه عن صاحبه”. ومنه قول البحتري من الكامل (ص. 88):

شوقٌ إليكِ تفِيضُ منهُ الأدْمُعُ                 وجوى عليكِ تضيقُ عنهُ الأضْلُعُ.

والمشتق وهو في تعريف العسكري “على وجهين: فوجه منهما أن يشتق اللفظ من اللفظ، والآخر أن يشتق المعنى من اللفظ”. ومنه قول أبي العتاهية (ص. 89):

خُلقَت لِحْيةُ موسى باسمهِِ           وبهـارونٍ إذا ما قُلِبَـا.

أما الاستشهاد والاحتجاج يذكر الباحث له معنيان هما: معنى عام ويراد به الاستدلال والبرهنة على صحة الشيء أو فساده، ومعنى خاص وهو “أن تأتي بمعنى ثم تؤكده بمعنى آخر يجري مجرى الاستشهاد على الأول والحجة على صحته”. وفي ذلك يقول أبو تمام من الكامل (ص. 90):

نقِّلْ فُؤادَك حيثُ شئتَ من الهوى             مـا الحبُّ إلا للحبيبِ الأولِ

كمْ منزلٍ في الأرضِ يألفـهُ الفتى                وحنينُهُ أبداً لأولِ مـنْـزلِ.

والإشارة التي هي إيماء المتكلم إلى معانٍ كثيرة بلفظ قليل، ويعرفها قدامة بن جعفر “أن يكون اللفظ القليل مشتملاً على معانٍ كثيرة بإيماء إليها أو لمحته تدل عليها”. ومنه قول امرئ القيس من البسيط (ص. 90):

فإنْ تهْـلكْ شنُؤَةُ أوْ تُبَـدَّلْ             فسيري إن في غسَّانَ خـالُ

بعزِّهِمْ عززتَ وإن يذلُّـوا               فذُلُّـهمْ أنـالـكَ ما أنـالاَ.

والتصحيف وهو الإتيان بلفظتين متشابهتين في الشكل والوزن، ومختلفتين في النطق، وفي ذلك قول البحتري من الطويل (ص. 91):

ولمْ يكن المعتزُّ باللهِ إذا سرى                   ليُعجِزَ والمعتزُّ باللهِ طالبُهُ.

والتصدير أو ردّ العجز على الصدر وهو “أن يبدأ الشاعر بكلمة في البيت في أوله أو في عجزه أو في النصف منه، ثم يرددها في النصف الأخير، فإذا نُظم الشعر على هذه الصفة، تهيأ استخراج قوافيه قبل أن يطرق أسماع مستمعيه”. وفي ذلك يقول عنترة من الكامل (ص. 92):

فأجبتها إن المَنِيَّةَ منْهَلٌ               لا بدَّ أن أُسْقى بكأْسِ المنْهَلِ.

والمضاعف الذي يعني عند العسكري “أن يتضمن الكلام معنيين، معنى مصرح به، ومعنى كالمشار إليه”. وفي ذلك قول أبي تمام من المنسرح (ص. 94):

يُخرجُ من جسمكَ السَّقامَ كما                 أُخرجَ ذمُّ الفِعالِ من عنقِكَ

يسُحُّ سحاًّ عليكَ حـتى يُـرَى          خلقُكَ فيها أصحَّ من خُلقِكْ.

والتضمين وله دلالتان، دلالة تدخل في عيوب الشعر، ودلالة ثانية وتعني استعارة الشاعر الأبيات أو أنصافها من شعر غيره وإدخالها في شعره. نحو قول أبي بكر الصولي (ص. 95):

خَلُقْت على باب الأمير كأنني                  قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ.

والطباق الذي يعني الجمع بين الضدين، أو بين الشيء وضده في كلام أو بيت شعر، كقول زهير حيث يطابق بين الكذب والصدق، (ص. 96):

ليثٌ بِعَثَّر يصطاد الرجالَ إذا                  ما الليثُ كذَّب عن أقرانهِ صدَقَا.

والاستطراد وهو “أن يُريَ الشاعر أنه في وصفه شيء، وهو إنما يريد غيره، فإن قطع أو رجع إلى ما كان فيه، فذلك استطراد، وإن تمادى فذلك خروج”. وفي ذلك يقول زهير من البسيط (ص. 99):

إن البخيلَ مَلُومٌ حيثُ كان ولَـ                 كِنَّ الجوادَ على عِلاَّتهِ هرِمٌ.

وهناك أيضاً التطريز، والاعتراض، والتعريض، والتعطف، والعكس، والاستعارة، والتفسير، والمقابلة، والتقسيم، والكناية، والتلطف، والالتفات، والتمثيل/ المماثلة، والتوشيح… وكلها مصطلحات تدخل في باب محاسن الشعر ونعوته التي تدخل في باب المصطلح النقدي الخاص بمجال الشعر العربي القديم. وقد تمكن الباحث من مقاربتها مقاربة علمية ونقدية اعتمد فيها على أقوال وتعريفات العديد من نقاد القرن الرابع من أمثال أبي هلال العسكري، والحاتمي، وقدامة بن جعفر… وغيرهم.

المنطق وأثره في المصطلح والمنهج:

في هذا الصدد، يذكر الدكتور جعنيد الناقد قدامة بن جعفر الذي أفاد كثيراً من الفلسفة الأرسطية وخاصة المنطق، إفادة انعكست إيجاباً على مسار النقد العربي لدرجة جعلت بعض العلماء بعده من الفلاسفة الفضلاء، فكانت محاولته في نقد الشعر “مساهمة وفعالة في تحويل النقد من مجال الذوقية والاعتباطية إلى مجال العلمية، وذلك من خلال إقصاء مجموعة من المقاييس النقدية التقليدية أهمها مقياس الصدق والكذب، وإحلال مقاييس التصنيف والتقسيم والتعريف والتي هي من سمات المنطق الأرسطي” (ص. 127). وقد انطلق قدامة، يقول الباحث، “في تأسيس مشروعه النقدي الذي يهدف إلى علمنة الشعر وتحريره من الانطباعات الذوقية والأحكام العفوية، جاعلاً من التراث العربي مرجعيته النصية”…

وما يظهر فيه أن قدامة كأنه تأثر بالمنطق الأرسطي من حيث المنهج، هو قوله في الشعر “إنه قول موزون مقفى يدل على معنى”، ويتجلى ذلك من خلال جانبين:

  • مراعاته النقدية المنطقية التي تؤكد على أن حد الشيء هو الوصف المحيط بمعناه المميز له من غيره، أو هو القول الدال على ماهية الشيء.
  • اعتماده على التعريف بالفصل النوعي، أو ما يسميه بعضهم بالتعريف الواقعي الذي يقرر الصفات الماهوية للجنس…

ومن هنا، يذكر الباحث، أن قدامة كان على وعي تام بأهمية مبدأ التصنيف والتقسيم باعتباره عملية مكلمة للتعريف وضرورية له، فعمل على تجزئة الحد إلى أفراده المكونة له. فحدد أقسام الشعر في ثمانية أجزاء، أربعة منها بسائط وهي: اللفظ والوزن والقافية والمعنى، وأربعة مؤلفة منها وهي: ائتلاف اللفظ مع المعنى، وائتلاف اللفظ مع الوزن، وائتلاف المعنى مع الوزن، وائتلاف المعنى مع القافية. ويظهر التقسيم والتصنيف عند قدامة بشكل كبير في حديثه “عن المعنى حيث قسمه إلى قسمين، قسم أفرده للمعاني العامة، وقسم لما سماه بأعلام الأغراض وهي: المدح والهجاء والرثاء والتشبيه والوصف والنسيب. وبعدما قسم الكل إلى قسمين حسب مقياس النعوت والعيوب، خص المدح منها بتقسيم خاص ناهجاً سبيل أرسطو عندما جعل للفضيلة أجزاء، وهي العدالة والشجاعة والمروءة والعفة والسخاء والعظمة والتسامح وصدق الحس والحكمة” (ص. 132).

ويرى الدكتور عبد الرزاق جعنيد أن كتاب قدامة بن جعفر في نقد الشعر قد جاء مفعماً بالمصطلحات منها ما هو مبتكر جديد، ومنها ما هو مستعمل ومتداول من قبل في التراث النقدي والبلاغي العربي، ومنها ما هو مستورد من الفلسفة والمنطق الأرسطي، كمصطلحات الحدِّ والنوع والجنس والفصل والتقسيم والتفسير والمقابلة. فقام بعمليتين اثنتين هما:

  • نسخ ونقل المصطلحات الأرسطية بصيغها ودلالاتها الأصلية، ونقل النصوص الشارحة لها في بعض الأحيان مع بعض الإضافات على مستوى الأمثلة وبعض التغيير في أماكن الكلمات كما وردت في نصها الأصلي أو تبديلها بمرادفاتها…
  • تطبيق ومراعاة القواعد والضوابط المنطقية في التعريفات الاصطلاحية سواء تعلق الأمر بالمصطلحات المنقولة أو الجديدة، نظراً لما لها من إفادة وأهمية في تقديم المصطلحات وتيسير فهمها واستيعاب مدلولاتها…

المصطلح في الأدب الإسلامي:

يتحدث الباحث في الفصل السادس والأخير من الكتاب عن  مصطلح “الأدب الإسلامي” باعتباره اسماً دالاً على شيء موجود أولاً، وباعتباره عنواناً كبيراً يختزل مضمون إنتاج فكري وأدبي إنساني ضخم وكبير ومتنوع. فأصبحنا داخل الأدب الإسلامي، يقول الباحث، “نقرأ عن المسرح الإسلامي والرواية الإسلامية وأدب الأطفال الإسلامي و… مما أصبح معه مشكل التسمية أمراً ضرورياً وقائماً بالذات، ومن ثمة اقترحت تعريفات كثيرة للأدب الإسلامي نورد منها النماذج التالية:

  • تعبير جمالي مؤثر بالكلمة عن التصور الإسلامي للوجود.
  • التعبير الفني الهادف عن واقع الحياة والكون والإنسان، تعبيراً ينبع من التصور الإسلامي للخالق عز وجل ومخلوقاته، ولا يجافي القيم الإسلامية.
  • تعبير فني جميل مؤثر نابع من ذات مؤمنة مترجم عن الحياة والإنسان والكون وفق الأسس العقائدية للمسلم.
  • هو ذلك الأدب الذي ينبع من التصور الإسلامي للكون والحياة في قوالب فنية آسرة.
  • هو الفن المصور للشخصية الإنسانية من خلال الكلمة المؤثرة.
  • هو التعبير الفني الهادف عن الحياة والكون والإنسان وفق الكتاب والسنة.
  • –                           ….” (ص. 145-146).

لقد تمكن الباحث في هذا الكتاب من معالجة بعض القضايا في مجال المصطلح النقدي، وطرح الإشكالات والأفكار المهتمة بدرس المصطلح النقدي من حيث جمعه وتصنيفه وترتيبه وتوثيقه ونمذجته تطبيقياً في كل المستويات، فنجح في هذا العمل إلى أبعد الحدود. فهو المتخصص في المجال، والأستاذ المدرس في الجامعة، والباحث الجاد في هذا العلم. ويعتبر هذا الكتاب المتميز إضافة إلى المكتبة العربية في مجال علم المصطلح، ومرجعاً مهماً للباحثين والطلبة والكتاب والمبدعين للإفادة منه في أبحاثهم وإبداعاتهم.


[*] كاتب وباحث من المغرب.

0 906 11 أبريل, 2019 السادس بعد المئة, العدد الأخير, ثقافة وفكر أبريل 11, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.