الرجل الذي حاول قراءة كل شيء

لـ


بحسب تقدير موقع Google Books ، يبلغ إجمالي عدد الكتب في العالم 129,864,880كتابًا، وهو عدد الكتب الذي حاول الموقع رفعه، بدايةً من تدشينه في سنة 2005، بقصدتحويله إلى صيغة سهلة الاستدعاء، عبر استخدام طريقة “التعرّف الضوئي على الحروف” (1)، ومن ثمّ إتاحتها للجمهور على شبكة المعلومات. رغم أن طموحات موقعGoogle Books قد خفتت وتيرتها قليلًا تحت وطأة قوانين حماية حقوق النشر ، وأحكامالاستخدام العادل، إلا أنّ نجاح الموقع العملاق في هذه المهمة يعني تحوّله إلى أكبر كيان على شبكة المعلومات يحمل المعرفة الإنسانية المُتاحة. 

قبل خمسمئة سنة، وفي مدينة إشبيليه الإسبانية، راود هيرناندو  كولون (1488 –1539) الطموح نفسه؛ طموح إنشاء مكتبة كونية بطريقة رائدة، بسبب احتوائها كل شيء.الحقيقة أنّ كولون قد حاول بالفعل جمعَ كل ما وقع تحت يديه، بدايةً مِن المخطوطاتالثمينة إلى الكتب مجهولة المؤلف، ومن المنشورات الرقيقة إلى الملصقات صغيرة الحجم، ومن المجلدات ثقيلة الوزن إلى النشرات المجانية. فدفعه داء الهوس بالكتب إلى التجوّل عبر أنحاء أوروبا لمدة ثلاثة عقود. 

وفقًا لكلام د. إدوراد ويلسون لي، الأستاذ بكلية اللغة الإنجليزية بمعهد سيدنيسوسيكس التابع لجامعة كمبردج، فقد اقتنى “كولون” سبعمائة كتابٍ من مدينة نورمبرج الألمانية عشية عيد الميلاد في سنة 1521، وذلك قبل أن يشدّ الرحال إلى مدينة ماينتسالألمانية، حيث اشترى ألف كتابٍ آخر في غضون شهرٍ واحد، ثم سافر  بعدها، متنقلًا ما بين روما وبولونيا ومودينا وبارما وتورين وميلانو والبندقية وبادوا وإنسبروك وأوجسبورج وكونتستانس وبازل وفرايبورج وكولونيا وماستريخت وأنتويرب وباريس وبويترس وبورجوس، مقتنيًا أي شيء مطبوع يقع تحت بصره. اشترك د. ويسلون لي مع د. خوسيه ماريا بيريز فيرناندنيز  من جامعة غرناطة في عمل بحثيّ متّصل بسيرة كولون الذاتية وحياته، تجدر الإشارة إلى أنّ كولون هو ابن الرحّالة الإيطالي الكبير كريستوفر كولومبوس، الذي يُنسب إليه اكتشاف العالم الجديد (قارة أمريكا الشمالية). 

إلى جانب رغبته في إنشاء مكتبة كونية، رافق كولون والدَه في رحلات اكتشاف العالم الجديد، وكتبَ أول سيرة ذاتية عن كولومبوس. كما كان كولون رسّام خرائط لا يُبارى،فضلًا عن اقتناء مجموعات ممتازة من القطع الموسيقية، واللوحات، والنباتات النادرة.  

يقول د. ويسلون لي، الذي توّلتْ الأكاديمية البريطانية تمويل تكلفة أبحاثه عن “كولون”: 

“كان لدي “كولون” ذاكرة خارقة، كما كان لديه هوسٌ بالقوائم. ففي كل مرّة يقتني فيها كتابًا، كان يعمد إلى تسجيل مكان شراء الكتاب، وتاريخ شرائه، بل وثمنه وسعر صرف العملة يوم شرائه. وكان يدوّن أحيانًا مكان قرائته، وتعليقه على الكتاب، وما إذا كان قد التقى المؤلّف. يضيف د. ويلسون لي: “كجزء من منظومة الثقافة المادّية، كان كل ذلك إشارةً جذابة إلى كيفية ارتباط الإنسان بالكتاب، وكيفية تغيّره من خلال كتاب”.  

كان ذلك النشاط المفعم بالشغف هو  ما صان بقايا مكتبة Biblioteca Colombina, ، الكائنة في أحد أجنحة كاتدرائية إشبيلية في إسبانيا، والتي تُعدّ اليوم مصدرًا رئيسًا من مصادر دراسة تاريخ الكتاب، ورحلات المثقفين، وشبكات التواصل الثقافي في ذلك الوقت. مستطرًدا: ” إذا ما جُمِعتْ بقايا الكتب تلك  إلى بعضها البعض، ستلقي الضوء على واحدةٍ من أكثر السيرِ  تفرّدًا في حقبة زمنية كانت تحفل بشخصيات مثيرة”. وصف د. ويلسون لي أن “كولون” عاش على حافة أفق حقبة زمنية حافلة بالمتغيرات الجذرية، وهي تغيرات مماثلة لتلك التي أحدثها التي عصر الإنترنت بالنسبة لنا، الاختلاف في حالة “كولون” هو التحوّل من المخطوط المكتوب بخطّ اليد إلى الكتاب المطبوع”. 

يقول د. ويلسون لي: “من المستحيل على رجلٍ قراءة كل شيء؛ ربما استطاع كولون في سنوات شبابه الأولى قراءة كل شيء قياسًا بعدد الكتب المطبوعة آنذاك، ولكن لما زاد حجم مكتبته، أدرك ضرورة توظيف “قُـرّاء”، يعكف كل منهم على قراءة كتاب، وتلخيصه في تقرير موجزٍ ، يرفعه في النهاية إلى كولون، ممهدًا بذلك لظهور سلسلة كتب ـReaders digest (2).

وحينما اتسعت رؤية “كولون” الرامية إلى جـمـع المعرفة البشرية، شعر بحاجةٍ إلى ترتيبالمعلومات داخل هيكل منظّم. يقول د. ويلسون لي: “كان ذلك أكبر  تحدٍ أمام فكرة الـBig Data(3) آنذاك، فقد يملك الإنسان المعلومة، لكنه يجهل كيفية الاستفادة بها. إن أحد الجوانب الآسرة في فكرة إنشاء المكتبة هي كشفها إلى أن طريقة تصنيف المعلومات لم تكن وليدة تفكير منطقي محض، أو وليدة لحظة يقول المرء فيها “آه..لقد وجـدتـها“، بل قد تكون طريقة التصنيف أحيانًا هي استجابةً لمشكلة عملية”. يواصل د. ويلسون لي كلامه: 

“في حالة أن امتلاك أحدهم خمسة عشر ألف كتاب، سيتساءل أين يمكنه رصّـها؟ قد يكون الرصّ فوق الرفوف حلًّا منطقيًا، لكن تفكير “كولون” كان سابقًا لعصره”، إذ ابتكر نظام رصّ الكتب المعروف حاليًا، أي رصّها واحدًا بجانب الآخر  منتصبةً على كعوبها، ومُكدّسة في صناديق خشبية مصنوعة خصيصًا لهذا الغرض. الأمر الذي يعني تحوّلمشكلة مادية صرفة مثل كيفية تخزين الأشياء تخزينًا عمليًا إلى مشكلة فكرية، متصلةبعلاقة الكتب المرصوصة ببعضها، وهو ما يحتّم إتخاذ قرارات محددة”. 

يشرح د. ويلسون لي الأمر قائلًا:

“سيدرك أن إنسان تجوّل ذات يوم داخل مكتبة أنّ النظام هو  كل شيء، حيث تتضاعف الوسائل التي تُطلب الكتب من خلالها بسرعة تزايد عدد الكُتب الواردة نفسها، وكل وسيلة منها تكشف لنا آلية عمل الكون بطريقة مختلفة. فيكون السؤال: هل نبحث عن الكتبوفقًا لنظام الترتيب الأبجدي أم وفقًا لحجم الكتاب أم وفقًا لموضوعه؟ كان “كولون” على وعيٍ تام بهذه المشكلة. حيث وصف “مجموعات الكتب” غير المفهرسة، و غير المصنّفةبأنها “كتب ميّتة”. 

لقد أراد “كولون” لمكتبته – والكلام هنا على لسان د. ويلسون لي- لا أن تكون مكتبةً كونية وحسب، بل أن تمُدّنا كذلك بإشارات حول كيفية تناغم عناصر الكون. لقد نظرَ كولون إلى مكتبته الكونية بوصفها المكافيء الفكري/الذهني للإمبراطورية التي سعت إسبانيا إلى إقامتها في القرن السادس عشر  الميلادي. فصارت هذه المكتبة امتدادًا طبيعيًا لطموحات والدِه الكبرى (كريستوفر كولومبوس) لاستكشاف العالم”. 

من أهم ابتكارات “كولون” كي يضفي قيمة ملموسةً إلى مكتبته، إنجازُ كتيب ضخم لملخصات الكتب، عُرف بإسم  “Libro de Epitomes”. ولتحقيق تلك الغاية شكَّل فريقًا من “المُــلــخَّـصين”، عُهدَ إليهم بقراءة آلاف الكتب، وهضم محتواها، ثمّ استخلاص عصارة كل مجموعة منها، بغية الوصول إلى هدف اختزال معارف العالم إلى عددٍ محدود من المجلدات، كمجلد يحوي علوم الطب، وآخر يحوي القواعد النحوية، وهلم جرا. 

أما الابتكار الثاتي فهو وضع مخطّط عمل للمكتبة، مستخدمًا في سبيل ذلك عشرة آلاف قصاصة ورقية 

الأمر الذي أدى إلى تحوّل مكتبة  Biblioteca Hernandina ، كما عُرفِت وقتها- إلى أكبر  محرّك بحث في ذلك الوقت. أما عن كيفية عمل أنظمة البحث هذه، فهذا هو ما يعمل عليه الآن د. ويلسون لي بالتعاون مع الباحث بيريز فيرنانديز حول حياة الرجل ومكتبته، فضلًا عن الكشف عن مدى استطاعت إنجازات “كولون” أن تكون رجع صدى لعالمنا المتغيّر  بسرعة. يقول د. ويلسون لي: “

رغم مرور خمسمئة سنة على وفاته، إلا أن اكتشاف هيرنانديز للعالم من حوله يشبه إلى حدٍ بعيدٍ اكتشافنا للعالم من حولنا هذه الأيام”. مضيفًا:” ضاعفت الثورة الرقمية الحالية من كمية المعلومات المتاحة بين أيدينا، فيبقى السؤال؛ كيف يمكنك التفرقة بين الغثّ والسمين؟ الحقيقة أننا محكومون “بخوارزميات البحث” على شبكة المعلومات. لكن كولونكان على وعيٍ تامٍ بالتبعات المترتبة على تصنيف المعلومات، وطرائق تصنيفها”. 

في عصرنا الحالي، لم يتبقَ من تركة كولون سوى ثلاثة آلاف كتابٍ فقط، إلا أنّ ثمّتحلقة مفقودة في حياته الثرية. ربما يتطلّب الأمر ثورة بحثية أخرى للوقوف على أبعادرؤيته الثاقبة في إدراك قوة الوسائل المساعدة في تنظيم عالم المعلومات.

هوامش:1. التعرّف الضوئي على الحروف: هي عملية تحويل النصوص الموجودة في الصور، ملفات الـ PDF، المُستندات الممسوحة ضوئياً، ولقطات الشاشة، والنصوص المكتوبة بخط اليد، أو النصوص المطبوعة إلى أشكال قابلة للتعديل والبحث. 2. Reader’s Digest Condensed Books سلسلة كتب جماهيرية ظهرت في مطلع الخمسينيات في الولايات المتحدة، أخذت شكل”أطولوجيا”، وضمّت مختارات وملخصّات لأهم الأعمال الأدبية والفكرية والفلسفية الصادرة وقتها. 3. Big Data، أو البيانات الضخمة، وتعريفها وفقًا للمنظة الدولية للمعايير بأنها “مجموعة أو مجموعات من البيانات لها خصائصها الفريدة (مثل الحجم، السرعة، التنوع، وصحة البيانات)، ولا يمكن معالجتها باستخدام التكنولوجيا التقليدية لتحقيق الاستفادة منها.

المصدر: مقال منشور على موقع جامعة كمبريدج، بتاريخ 26 أكتوبر 2017

0 561 16 أبريل, 2019 السادس بعد المئة, العدد الأخير, حداء الروح أبريل 16, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.