الجزائر تريد التغيير ولا تقدر عليه

لـ


منذ الثاني والعشرين من شهر فبراير الماضي، تعيش الجزائر على وقع حراك شعبي شمل كافة مدن البلاد بمشاركة ملايين المواطنين والمواطنات. انطلق الحراك عندما تيقن الجزائريون من ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لمنصب الرئاسة للمرة الخامسة، رغم مرضه وعدم قدرته على القيام بواجبات منصبه.
شغل بوتفليقة منصبه خلفا للرئيس اليمين زروال منذ عشرين سنة تقريبا، في ظرف معقد تميز بصراع دموي بين تيارات إسلامية والجيش. وكانت مرحلة معاناة قاسية استنزفت البلاد، لذا فإنه يسجل للرئيس بوتفليقة مساهمة هامة في نقل البلاد إلى وضعية سلم أهلي تحت عنوان ” الوئام الوطني “، حيث نجح في إيجاد مناخ مصالحة وطنية بنبذ معظم التيارات الإسلامية للعنف المسلح، ثم انتقل إلى معالجة ملف الديون .، فتمكنت الجزائر من سداد معظم ديونها مستفيدة من مبيعاتها النفطية والغاز، وواصل إتباع سياسة ثابتة لإسلافه تقوم على دعم الخدمات الأساسية كالطبابة والتعليم، ودعم أسعار المياه والكهرباء والغاز والسكن الشعبي.
لكن المنحى السلبي لحكم بوتفليقة أخذ يتصاعد عندما عدّل الدستور سامحا لنفسه بالبقاء حاكما أبديا للبلاد. وتفاقم الأمر سوءا مع حالته المرضية، حيث بات شقيقه السعيد بوتفليقة الحاكم الفعلي للبلاد دون أي سند دستوري بالتحالف مع بيروقراطية وظفت نفوذها لخدمة رجال المال، أمثال علي حداد وأسرة كونيناف وغيرها، ممن يمقتهم الشعب الجزائري ويعتبرهم من أهم ملامح وعناوين الفساد. ومما يدل عل نفوذ هؤلاء أنهم تمكنوا من إبعاد عبد المجيد تبون – رئيس الوزراء المعين في الفترة الرئاسية الرابعة للرئيس بوتفليقة – وبعد ثلاثة أشهر من تولي منصبه لأنه أصر على فصل المال عن السياسة. وأعادوا إلى الواجهة احمد أويحيى كرئيس للوزراء، وهو شخصية مرفوضة شعبيا، ويوصف على نطاق واسع باعتباره رجل المهمات القذرة. وبذا كانت هذه نواة الحراك الذي تواصل وتطور ليصبح انتفاضة شعبية له دوافعه الاقتصادية والمعنوية. ومن غير المبالغة القول إنها انتفاضة كرامة لرد الإهانة التي استشعرها الشعب الجزائري.
من الواضح أن العوامل الموضوعية للانتفاضة الشعبية، وفقا لهذه المقدمات باتت ناضجة، لذا وجد من يشعل نيران الغضب المكبوت، دون أن يتضح للآن من أشعل الفتيل فعلا. وقد نسب الفاعل إلى وسائل التواصل الاجتماعي، ووفقا لهذا التفسير يمكن القول إن المواطن العادي هو البطل الحقيقي للانتفاضة، وذلك في غياب تام لأي شخصيات عامة أو أحزاب تبنت الحراك في أيامه الأولى.
أدى تواصل الحراك واتساعه إلى استمالة الجيش لجانبه، وبدون مساندة الجيش ما كانت حاشية الرئيس لتتراجع أمام الضغط الشعبي المسالم، لكن العصا الغليظة للجيش أجبرت الرئيس على الاستقالة، واعتُقل عدد من رموز الفساد، ليصبح الجيش هو القوة المرجحة لمسار ونتائج الحراك. ومن الجدير بالذكر أن النفوذ المنسوب لما يسمى بضباط فرنسا قد تلاشى، فذاك جيل اختفى، والآن جيل الاستقلال هو من يدير الجيش الوطني الشعبي. وثمة خطأ محتمل في مقارنة هذا الجيش بجيوش المنطقة، .فالجيش الجزائري في وضعه الراهن موضع نقمة الدول الغربية، خاصة فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. فأسلحة الجيش روسية بما في ذلك الصواريخ s400” “ التي حصل عليها منذ ثلاث سنوات. كما أن الجيش رفض منح أية تسهيلات للأمريكيين. ويعتبر تشبثه باللغة العربية سببا إضافيا لنقمة الفرنسيين، وهو ما يجعل من الفريق القايد صالح كقائد للجيش، على رأس قائمة المطلوب إزاحتهم تحت عنوان ضبابي ملخصه ” إسقاط النظام “.
ومن المؤسف حقا أن المعارضة الوطنية المنظمة ضعيفة نسبيا، وهذا يعزى للنظام الذي ضيّق عليها وحاصرها. ورغم الاحترام الذي تحظى به شخصيات وطنية، إلا أنها بدون عمق شعبي متاح، غير قادرة على فرض حضور مؤثر يضعها في موقع البديل المحتمل. والواقع أن الحراك أبرز بعض الشخصيات المقبولة آنيا، إلا انه من قبيل المغامرة المراهنة على شخصيات بلا تجربة وخبرة. ليس ثمة تاريخ يرقى بها إلى مستوى رهان بمصاف قيادة دولة بمكانة وأهمية وتعقيد دولة كالجزائر.
وليس تجنيا ملاحظة قوى وشخصيات ركبت موج الحراك الشعبي، وهي قوى تماهت مع مزاج ولغة الحراك، إلا أن ميولها وأهدافها معروفة. ربما تنجح لفترة من خداع الجمهور الواسع، لكن فرصتها بإخفاء أهدافها ضعيفة جدا. هؤلاء في الجوهر يجسدون خيار التغريب، وما يقصدوه بقولهم ” إسقاط النظام ” والقطيعة معه يتجاوز مجرد إسقاط أشخاص ورموز النظام وصولا لإسقاط أسس وفلسفة النظام السياسية بكليتها. وإذا كان المواطن العادي يطالب محقا، بإزاحة الفاسدين والانتهازيين، فإن عيون أولئك تتركز على الأسس السياسية للنظام.
إن إعادة تعريف الجزائر حضاريا وثقافيا، تعني ببساطة رفض الخيارات الإستراتيجية لجزائر الاستقلال، وهنا تكمن معضلة التغيير في الدولة. إذ بينما يبدو أن هناك قناعة عامة على المستوى الشعبي والجيش بإزاحة رموز وشخصيات النظام المتورطة في الفساد، فإن المضي مسافات أبعد غير متفق عليها، ولكل طرف مشروعيته الخاصة المقنعة. غير أن الشعب يخشى أن يجدد نظام بوتفليقة نفسه إذا قادت المرحلة الانتقالية شخصيات محسوبة عليه مثل عبد القادر بن صالح الذي أصبح الرئيس الانتقالي للبلاد، والفريق أول القايد صالح الذي ما زال يقود الجيش. بينما يخشى الجيش ومعه قوى أخرى أن تُجر البلاد إلى المجهول المعلوم، وهو الفوضى والعنف والتشظى، وفتح البلاد أمام التدخلات والمطامع الأجنبية. إن تسليم البلاد لقيادات تجريبية هو مغامرة باعثة على الرعب، خاصة مع ظهور مطالب بنظام فدرالي لا أحد يستطيع أن يتكهن بالمدى الذي يمكن بلوغه بمثل هذه المطالب.
بتقديري لا يريد الجيش أن يتصرف وكأنه يدير انقلابا، ويتجاوز نصوص الدستور والقانون، ويصرعلى الحفاظ بصورته باعتباره حاميا للوطن وللشعب، ومن المرجح أن يزكي الجيش مرشحا مدنيا يحظى بقبول شعبي واسع.
الإصرار الاستفزازي على التصعيد يخفي مآرب وأهداف لا تخفى على الحس الوطني المرهف للشعب الجزائري، والأمل أن تجتاز الجزائر المنعطف الراهن بأقل الأضرار.
ومع تكرار الإشارات إلى تأثيرات أجنبية على التفاعلات الجارية والمخاض العسير الراهن، فإن الروح الوطنية العنيدة للشعب والجيش تحول تماما دون حضور فاعل لهذه المؤثرات الأجنبية. الجزائر وكما ينبأ تاريخها اكبر وأقوى من أن تتواطآ مع مصالح أجنبية، أو تنحني أمام ابتزازها.
لن تعود الجزائر للوراء، وقد حققت حتى الآن مكاسب هامة، ولن يستطيع أي كانت هوية الرئيس المقبل، أن يتصرف كحاكم مطلق. إن رقابة الشعب باتت حقيقة لا يمكن تجاوزها بعد هذه الانتفاضة، ولن يستطيع أحد أن يتجاهل ردة فعل الشعب الجزائري، الذي عاد ليتسلح بماضيه المجيد، وبروح ثورته الملهمة له على الدوام.

0 454 17 أبريل, 2019 السادس بعد المئة, العدد الأخير, سياسة أبريل 17, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.