انتشار اليهود يحفظ للعالم توازنه

لـ

   في تقريره الصحفي الأخير الذي أرسله من فلسطين عام 1926 لجريدته اليونانية التي أوفدته في مهمة صحفية للوقوف عن كثب على واقع منطقة باتت مركز صراع عالمي محتدم، وبؤرة تتجمع فيها كل تعارضات السياسة الدولية؛ في هذا التقرير كتب الروائي نيكوس كازانتزاكيس – صاحب فريدة الأدب العالمي ” زوربا “- خلاصة حوار دار بينه وبين فتاة يهودية، مؤمنة بالدعاية التي تروج لها الصهيونية العالمية، بحتمية إقامة وطن قومي ليهود العالم في فلسطين. وبعد جلسة استماع مطولة لمبررات ” الحركة القومية ” حديثة التكوين، والتي كانت الفتاة اليهودية ترددها دونما غفلة عن مفردة أو معنى التي تحفظها عن ظهر قلب؛ فاجأها كازانتزاكيس بإضاءة على مسار مغاير تماما. فالصهيونية التي تقدسها هذه الفتاة أكثر من يهوديتها ما هي إلا مظهر خادع، ووصفة سامة وصيغة معاندة للقدر وحتمية التاريخ، فالصهيونية ” ليست سوى قناع يلبسه قدركم المتجهم ليخدعكم إلى ما لا نهاية…” أما صيغة النفي والشتات التي أعلنت الحركة الصهيونية حربا عليها، فهي في حقيقة الأمر ” وطنكم، ولا جدوى من الهرب من قدركم والبحث عن السعادة والأمن في هذا البلد النائي…”. هذا جوهر النصيحة التي قدمها الروائي العالمي لليهود الصهاينة، الذين تأبطوا أوزار ماضي أبناء جلدتهم، فأحالوها عذابات أذاقوا العالم ويلاتها منذ قرابة مئة عام مضت والى اليوم.

   الإحساس بالنفي الأزلي والإبعاد، شعور يتسرب إلى أعماق نسبة غير قليلة من اليهود المعاصرين، غايته الختامية إشباع نفس اليهودي وعقله بضرورة العودة إلى ” الوطن الأم ” في فلسطين . وفكرة النفي وفق المعتقد اليهودي، هو حالة ناجمة عن عقوبة الهية، والعقوبة تستوجب تطهيرا. فيما تعتبره فئات يهودية أقل عددا وتأثيرا علامة من علامات التميز، اختص بها ” شعب الله المختار “، ويعتقد أتباع هذا المبدأ الديني، أن خير اليهودية والبشرية إنما يتحقق من خلال تبعثر وتشتت اليهود كمجموعات في أرجاء الأرض. ليس ذلك فحسب، وإنما يعتبر حاخامات عدد من الجماعات اليهودية الأرثوذكسية ” الأصولية “، أن الجهد الذي تبذله طوائف يهودية إضافة إلى الحركة الصهيونية في سبيل العودة الكلية إلى أرض الميعاد، ما هو في الحقيقة سوى شكل من أشكال الهرطقة والتجديف، وأن أي مسعى في هذا المسار، إنما هو شكل من أشكال تحدي الإرادة الإلهية بهدف تعجيل نهاية العالم وظهور ” الماشيّح ” –  المسيح الدجال -. وغالبا ما تشير هذه المجموعة اليهودية الرافضة لفكرة وضع حد لحالة النفي وحشر أبناء دينهم في موطن واحد، إلى أنه عندما أخذ الحاخامات اليهود في إدخال تعديلات جوهرية على العقيدة اليهودية في القرون الوسطى، لم تبدر منهم التفاتة أو إشارة إلى عقيدة العودة لفلسطين، ما يعني أن أصول هذه الفكرة يمكن إرجاعها إلى عهود قريبة، قد لا تتعدى مائتي عام على الأرجح، أي قبيل نشأة وإعلان الحركة الصهيونية العالمية بفترة غير طويلة. ودلالة هذا الكشف، أن كل الحديث عن أحاسيس ومشاعر دينية متعلقة بالعودة إلى أرض الميعاد، لا تتجاوز حقيقة أنها أحاسيس مفتعلة ومهيجة للجمهور اليهودي، وأنها معدّة بإحكام.

   وإذا كانت الأرثوذكسية اليهودية معادية بالأساس للحركة الصهيونية، إلا أن هذه الأخيرة تمكنت من إحداث تغييرات جوهرية في عدد غير قليل من الأطروحات الأرثوذكسية، وعلى الأخص في الجانب المرتبط بالعودة إلى ” أرض الميعاد ” ورفض فكرة النفي، ويطلق مؤرخو الحركة الصهيونية على عملية التغيير هذه مصطلح ” صهينة اليهودية “. ومع ذلك فلا زالت بعض المدارس اليهودية معادية للحركة الصهيونية ورافضة لفكرتها الجوهرية في إقامة وطن قومي لليهود، وتقدر نسبة هذه الجماعات إلى المجموع الكلي لعدد اليهود في العالم ما بين 7 – 10 %، أغلبهم من المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، ويعتبر هؤلاء الدول التي يقطنوها أوطانهم الحقيقية. ويضاف إلى هذه المجموعة الطائفة السامرية، – مقيمة في مدينة نابلس الفلسطينية – ويعتبر هؤلاء أنفسهم اليهود الحقيقيون، وأن التوراة التي بين أيديهم هي النسخة الأصلية للكتاب المقدس،  وما عداه فهي كتب محرّفة.

   وباعتبار أن اليهود مصنفين تاريخيا باعتبارهم جماعة وظيفية، فقد ذهبت السياسة الغربية مع مطلع العصر الحديث إلى الاستثمار بهذه الفكرة لأبعد مدى ممكن، وكانت فكرة الشتات ومن ثم العودة واحدة من كبرى الأفكار المحدثة في العقيدة اليهودية التي وظفتها الإمبريالية الغربية خدمة لمصالحها وأهدافها الكبرى في مختلف المراحل التاريخية. والذي تابع على نحو دقيق مقدمات ومن ثم مجريات الحرب الكونية التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية على العراق عام 2003، فإن ذاكرته تستحضر  وفرة من الأنباء والأحداث المرتبطة بهذا الجانب، خاصة تلك المتعلقة بما كان يصدر عن اليمين المسيحي المتشدد بزعامة ” المحافظين الجدد “، وهو تيار ديني يميني متشدد، سعى من جملة أهداف ثقافية كبرى، إلى ما يمكن تسميته بـ ” مسحنة اليهودية “، والتي عرّفها المتخصص بالصهيونية د. عبد الوهاب المسيري خطأ بـ ” نصرنة اليهودية”، وموطن الخطأ لدى المسيري، وهذا اجتهاد قابل للتصحيح، أن اليمين المسيحي لا يعترف أصلا بشيء اسمه نصرانية، وبذا يغدو تعريف أو مصطلح ” مسحنة” من المسيحية هو الأقرب للدقة. والمعنى العملي لهذا المفهوم، ” مسحنة اليهود ” هو خروج اليهود أو إخراجهم من دينهم ليعتنقوا المسيحية، وهذا التحول سيتحقق بعد معركة دينية تعرف في الأدبيات المسيحية اليمينية واليهودية بمعركة ” هرماجدون “، بالقرب من بحيرة طبرية على أرض فلسطين. وفي هذه المعركة تتحد قوى المسيحية واليهودية بقيادة المسيح، ويلحقوا هزيمة نهائية بأعداء الرب، ليعم السلام الأرض من بعدها، وتكون هذه أكبر الإشارات الدالة على نهاية العالم .

 من بين الأخبار الموثقة المرتبطة بتلك الفترة، والتي عرضتها عدد من الصحف العالمية، إضافة إلى توثيقها في فترة لاحقة من خلال إصدارات بحثية متخصصة لكتاب مرموقين، تطالعنا الحادثة التالية:

  قبل أيام من إعلان الحرب الكونية على العراق، اتصل الرئيس الأمريكي، جورج بوش الابن، بالرئيس الفرنسي، جاك شيراك، يحثه على انضمام فرنسا إلى التحالف الدولي الذي تتزعمه أمريكا، وكان مما قاله الرئيس الأمريكي حرفيا، بعد الإشارة إلى تنزل وحي عليه من السماء مؤيدا لإعلان حربه على قوى الشر في العالم، وذكر له الوحي أن ” يأجوج ومأجوج ابتعثا في الشرق الأوسط للقضاء على الغرب المسيحي.” وأضاف بوش شارحا للرئيس الفرنسي: ” إن هذا يعني أن يأجوج ومأجوج بصدد التحقق هناك”. أصيب شيراك بحالة من الفزع وهو يسمع هذا الكلام يصدر عن رئيس لأقوى دولة على وجه الأرض.

     لم يقتصر الأمر في توظيف الدعاية الصهيونية خدمة للمصالح الغربية على الأثر الديني الميتافيزيقي، إنما نجد هذا الأثر حاضرا في البعد السياسي البراغماتي. حتى في أكثر المدارس السياسية  التي تأخذ منحى الواقعية السياسية، فإننا نلمس هذا التأثير حاضرا وبقوة في أدبياتها المعلنة، عبر تقديم الدعم والمساندة لمسعى الإعلان عن إنشاء دولة لليهود، وإعادتهم الى ” موطنهم الأصلي “. نجد تطبيقات هذه السياسة على سبيل المثال حاضرة في الجهد الدبلوماسي والتأطير النظري الذي ساقه عرّاب السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي وحتى أواخرها، والمقصود هنا وزير الخارجية اليهودي، هنري كيسنجر، الذي تمحورت فكرته السياسية حول مبدأين: الشرعية والاستقرار. والاستقرار – بمعنى الأمن – عند كيسنجر مقدم على السلام. وللوصول إلى مرحلة الاستقرار التي بشّر بها كيسنجر، ولا زال لغاية اللحظة داعيا ومحرضا عليها، كان من الضروري بذل مزيد من الجهد الهادف إلى انخراط دول المنطقة في حروب محدودة إلى أن تبلغ إسرائيل مرحلة ” الشرعية ” التي لا تشوبها شائبة، ولا يعترض عليها أحد، أما حالة الحروب والاضطرابات المتتالية فالهدف منها إعداد المنطقة وتهيئتها على نحو يضمن الاستقرار الدائم / الأمن، لإسرائيل. ووفقا للإطار العام للإستراتيجية الواقعية التي تعتمدها الولايات المتحدة ، يمكن التعامل مع اعترافها أواخر العام الماضي بإسرائيل باعتبارها دولة قومية ليهود ضمن هذا السياق.

     ولقد ذهبت كثير من التحليلات السياسية باتجاه أن يهودية كيسنجر هي التي حفّزته على صياغة نظريته، ولعل في هذا تبسيط للمسألة برمتها، فالأقرب للموضوعية أن الذي حفّز كيسنجر فيما عرضه من أفكار، تصب في نهايتها لصالح الكيان الإسرائيلي،  إضافة إلى التعديلات التي أدخلت عليها في فترات لاحقة، إنما كان الهدف منه  الحفاظ على المصالح العليا للولايات المتحدة من خلال تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل، وتوظيف هذا الكيان باعتباره قاعدة عسكرية متقدمة تخدم مصالحها في المنطقة.

   بالإضافة إلى الجهد الدولي بزعامة الولايات المتحدة في تعزيز فرص ديمومة واستمرارية الكيان الصهيوني والاستجابة لكافة متطلبات هذا الكيان، وفي مقدمتها العمل على إنهاء حالة النفي وعودة  يهود العالم إلى ما يعتبرونه موطنهم الأم، هناك جهد مواز يفوق في خطورته وأهميته كل المشاريع والمخططات الدولية التاريخية والمعاصرة المنحازة للحركة الصهيونية وكيانها، والقصد هنا هذا الدعم التاريخي الخفي، الذي كانت تتلقاه المنظمة الصهيونية من أنظمة حكم عربية ارتبط ظهور عدد غير قليل مع بدايات تشكل الكيان الصهيوني في المنطقة، ليغدو الدور الوظيفي لهذه الأنظمة ضمان أمن وسلامة الكيان الوظيفي الأكبر في المنطقة – إسرائيل- لتصبح العلاقة التبادلية على هذا النحو: دول تابعة بالوكالة للسيد الأمريكي، تعمل على خدمة وخادمة وراحة  السيدة إسرائيل، وهذه السيدة تعمل بدورها خادمة لدى السيد الأمريكي، لتتجلى من خلال العلاقة المتشابكة علاقة الخادم، بالسيد الخادم.  

   إن المأزق الوجودي الذي يعيشه اليهود فيما يسمى ” دولة “، نابع بالأساس من اتخاذهم وأعدائهم العرب أكباش فداء على مذبح المصالح الغربية، حتى بات الجميع يعيش على حد السيف، وهي مقولة استحضرها رئيس دولة الكيان الصهيوني ليفي أشكول عام 1967 وهو يصرخ :” يريدون لنا العيش على حدّ السيف إلى الأبد”. ولعل لسان حال الأرثوذكسية يكمل هذه العبارة لتصبح على هذا النحو :” ومن عاش على حد السيف، مات به ولو بعد حين”.  ومن تجليات هذا المأزق، حالة التعارض التي تعيشها الصهيونية بين الإصرار على فكرة المنفى، ووضع كافة المغريات أمام يهود العالم كي ” يعودوا ” الى فلسطين، وبين إصرارالغالبية العظمى من اليهود على البقاء في مواطنهم التي نشأوا فيها، ما يعني سقوط مفردة المنفى من قاموس الصهيونية لتجرده وافتقاره لمعناه. 

   بعيدا عن الاستغراق في التفسيرات الدينية، يمكن القول إن نفي اليهود وشتاتهم في أرجاء الأرض هي علامة من علامات تميزهم وفرادتهم، وفي بعض أوجه هذا التميز  مظاهر ودلالات كان لها أثر ودور ملموس لخير البشرية عموما، ولعل الإشارة إلى  اليهود الذي لا تتجاوز نسبتهم إلى مجموع سكان العالم 0,2%، ومع ذلك فإن 25%  – بأقل تقدير – من الحاصلين على جائزة نوبل، في الأدب والكيمياء والطب والفيزياء والاقتصاد هم يهود. المعلومة مثار الانتباه أن عدد الحاصلين على الجائزة من اليهود المقيمين في إسرائيل هم سبعة علماء فقط، فيما بلغ عددهم من المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية 87 يهوديا، و 13 في ألمانيا، و 7 في روسيا، و 12 في بريطانيا، و 17 في دول مختلفة. إن هذه الثروة الإنسانية جدير بها أن تبقى موزعة ومنتشرة في أنحاء العالم، ففي توزعهم وانتشارهم خير لهم وللعالم، وفي تجمعهم شقاء وشرور لن تنقضي، لهم وللعالم بأسره.  إن هذه الثروة البشرية أشبه ما تكون بالسماد، والصيغة الأمثل في استخدام هذا المصدر، نشره وتوزيعه على نحو متوازن في التربة، وفي حال تكدسه في مكان محدد، فإن نتيجته محسومة، يحرق نفسه بنفسه. .

0 621 21 أبريل, 2019 السادس بعد المئة, العدد الأخير, سياسة أبريل 21, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.