“ليست ديمقراطيات وليست معسكرات اعتقال”

لـ

قراءة في كتاب “كراهية الديمقراطية” لجاك رانسيير *

 أحمد اليعربي

تتلبس بعض عناوين الكتب مفارقةٌ واضحةٌ لا يستطيع معها القارئ الجاد تجاوزها بسهولة، وتتمثل المفارقة، في أقوى صورها، في التناقض الذي يتضح من مضمون العنوان، أما في أقل صورها، فيتبدى في مخالفته للفكرة السائدة لاسيما إذا نظرنا إلى المسألة من منظور مكون محدد من مكونات الاجتماع البشري، فـ”الهروب من الحرية”- إريك فروم- ، على سبيل المثال، أمر مناقض لطلب الحرية والسعي نحوها وهو ديدن الإنسان، و”كراهية الديمقراطية” أمر مخالف للفكرة المألوفة برغبة الشعب في الديمقراطية، بالمعنى الذي تكون فيها توسيعًا لمشاركته في الفضاء العام في مقابل المجال الذي تنشط فيه السلطة السياسية وتتشكل فيه فاعليتها، فالفكرة المتخيلة للديمقراطية من منظور الشعب تكون دائما مصطبغةً بالطابع الإيجابي والرومنسي في أكثر الأحيان، وهكذا عندما يكون عنوان كتاب الفرنسي جاك رانسيير هو “كراهية الديمقراطية”، نجد أن القارئ يجد في العنوان فجاجةً ومفارقة لما هو عليه الأمر في صورته المتخيلة من منظور الشعب، وهو ما يدفع بالقارئ إلى السؤال/ من ذا الذي يكره الديمقراطية؟ ولماذا؟

بيد أن رانسير لا يرى في الأمر غرابة، لا في أزمنتنا المعاصرة التي نظن بأن فكرة الديمقراطية قامت واستوت على عودها فيها، ولا في الأزمنة الغابرة حيث مُنبَثقُ فكرة الديمقراطية؛ فكراهية الديمقراطية ولدت في ذات اللحظة التي ولدت فيها الديمقراطية، والأمر بكل بساطة يتضح فيما لو أمعنا النظر في فكرة الديمقراطية في صورتها المجردة المتمثلة في إعطاء سلطة لمن لا يملكها بمقتضى الأحوال الطبيعية، ففي الوضع الاعتيادي تتركز السلطة في يد فئة متغلبة صغيرة، وترى مشروعيتها بمقتضى النسب أو الكفاءة أو التفويض الإلهي، وما تقوم به الديمقراطية هو نسف هذه المشروعيات واستبدالها بمشروعية واحدة ووحيدة هي مشروعية الشعب؛ فلا غرو أن تكون هذه الفكرة مكروهةً من هؤلاء المتضررين من عملية تحول المشروعية، وهكذا، رأت هذه الفئات في فكرة الديمقراطية حكمًا للدهماء، ومن ثم ليست الديمقراطية إلا مثلبة من المثالب. والأطروحة التي يتناولها الكتاب تفيد بأن هذا المأخذ هو مأخذ قديم جديد، فالنخب اليوم تبدي امتعاضها من الديمقراطية بوصفها مسوغًا لفكرة لامحدودية طلبات الجماهير وسطوتها وأنانيتها، وتذكي الرغبات اللامحدودة الفردية دون الأخذ في الاعتبار الحدود التي تقتضيها المصلحة العامة، وتوسعهم في الفضاء العام على حساب الدولة ممثلة في النخبة الحاكمة، وهذا الأمر يؤدي بزعمهم إلى دمار الحكم والمجتمع (=فوضى)، وهنا لا تكون الديمقراطية مجرد “شكل فاسد للحكم، بل إنها أزمة حضارة…”.

ويتضح أن هذا النقد هو نقد معكوس؛ فالشعب لا المؤسسات الحاكمة هو موضع الإشكالية، وسيطرة أهواء الأفراد ورغباتهم وشهواتهم على الدولة بخلاف الصالح العام هي الإشكالية (المجتمع يلتهم الدولة) لا سيطرة الدولة على الأفراد لتحقيق الصالح العام (الدولة تلتهم المجتمع)، ومن ثم لا يكون هاجس هذه النخب متجهًا نحو السلطة وتحديد نطاقها وضمان عدم طغيانها كما كان الحال عند مونتسكيو وماديسون وتوكفيل ولكن نحو الشعب وكبح جماح إفراطه الديمقراطي، ويلاحظ رانسيير أن هذه النخب الغربية نفسها تهلل وتكبر لمحاولات الغرب، وبالأخص أمريكا، في “نشر الديمقراطية”، مع اعتقادهم بأن هذه الديمقراطية في حقيقتها فوضى، ويذكر رانسيير الفترة التي أعقبت مباشرة سقوط صدام حسين في العراق والتي انتشرت فيها أعمال النهب العامة وأن ذلك تزامن مع تصريح وزير الدفاع الأمريكي دونلد رامسفيلد الذي قال فيه بأننا منحنا الحرية للعراقين، إن هذا التزامن بين التصريح وأحداث النهب والتخريب لم يكن مجرد مصادفة، فـ”منح” الديمقراطية لشعب لا يعني منحه دستور وبرلمان وحكومة منتخبة وحرية تعبير؛ وإنما منحه الفوضى أيضًا، والديمقراطية بهذا التوصيف يمكن “منحها” من الخارج بقوة سلاح قوة عظمى، مع الأخذ في الاعتبار أن القوة في هذا السياق لا تنحصر على مجرد القوة العسكرية فقط، بل هي قوة أعم تتمثل في القدرة على السيطرة على “الفوضى الديمقراطية”!.

يشير رانسيير بأن نقد الديمقراطية عرف شكلين كبيرين، جاء الأول في صورة الالتفاف عليها من قبل المشرعين الأرستقراطيين والآباء المؤسسين بعد أن فرضت الديمقراطية نفسها واقعًا لا يمكن إغفاله؛ فتم تصميم الفضاء التشريعي بصورة تضمن توازن السلطات والقوى في الدولة، وذلك “لاستخلاص أفضل ما يمكن استخلاصه من الواقع الديمقراطي” ولاحتوائه بصورة صريحة تضمن حكم من هم أفضل من ناحية، والدفاع عن الملكية من ناحية أخرى. فالحكم الديمقراطي المثالي في هذه الصورة يكون ذلك القادر على “السيطرة على شر اسمه ببساطة الحياة الديمقراطية”. أما النقد الثاني فجاء من ماركس الشاب، وذلك بصيغة عكسية عن طريق الكشف عن شكلانية قوانين المؤسسات الديمقراطية، وحقيقة كونها مجرد أدوات تفرض بموجبها السلطة البرجوازية أجنداتها الخاصة، موضحًا أن النضال المستمر ضد تلك التمظهرات هو الطريق الوحيد صوب ديمقراطية حقيقيّة لا تكون فيها الحرية والمساواة مجرد شكليات تتوشح بها مؤسسات القانون والدولة “بل متجسدتين في ذات أشكال الحياة المادية والخبرة المحسوسة”.

ولما كانت الديمقراطية الفعلية تتطلب مشاركة شعبية كبيرة في مناقشة الشؤون العامة، وهو ما يعني دفع أفق الفضاء العام، والمناقشات الدائرة فيه بشكل مستمر، رأت النخب في ذلك “حكما فوضويًا لا يقوم على أي أساس سوى غياب كل لقب/أساس طبيعي للحكم”، بمعنى أن سلطة الشعب بهذه الصورة هي قوة من ليس لديهم سبب طبيعي للحكم على أولئك الذين لديهم السبب الطبيعي للحكم (=النخب)، وما يستصحب ذلك من منافحة دائمة -تحت مظلة الديمقراطية- عن فكرة المساواة بصورة فجة حتى تلغى معها كل الفوارق الطبيعية، “فلا مجال للتفريق بين الأكفاء وغير الأكفاء، بين الحكام والمحكومين، بين النساء والرجال، بين الشباب والعجائز، بين العالم والجاهل .. فالكل يريد أن يكون له حق متساوٍ مع الآخر”، وهذه الحالة أطلق عليها رانسيير “فرط الحيوية الديمقراطية”، لقد بحثت هذه النخب عن دواء مناسب لفرط الحيوية الديمقراطية، وكان هذا الدواء على خطين مزدوجين، يتعلق أولهما بتبليد مشاعر الأفراد في كل ما يتعلق بالمصلحة العامة؛ وذلك بتوجييها صوب اللذات الخاصة، أي صوب “البحث عن الرفاهية المادية وعن أشكال السعادة وتحبيذ البحث عن السعادة الفردية والعلاقات الاجتماعية” وما يترتب على ذلك من تضاعف مستمر للتطلعات والمطالب في هذا الاتجاه. أما ثانيهما فيتمثل في الحرص على حضور فكرة الديمقراطية شكلاً لا مضمونًا، أي من خلال تمظهراتها الإجرائية فقط، ذلك أن التشريعات توفر الاشتراطات المناسبة للنخب لضمان فرض سيطرتها، فيمسك زمام السلطة من يستطيع الإمساك بها ولا ضرورة أن يكون هو الأكفأ، فالديمقراطية الراهنة ليست حكم الشعب للشعب، ولا هي سلطة الأغلبية، إن الأغلبية تحت ظل الديمقراطية الراهنة “هي في الواقع أقوى أقلية”، الأقلية التي تمتلك أدوات الوصول إلى السلطة التي تتمثل في رؤوس الأموال والدعاية الإعلامية والقدرة على تلويث الفضاء العام بالتضليل والغش والخداع و”تصنيع الموافقة”-حسب توصيف تشومسكي-، وتكون جميع المناصب دولة بين هذه النخبة، هم “منتخبون أبديون” كما وصفهم رانسيير، يراكمون أو يتبادلون المناصب البلدية الإقليمية التشريعية، وأسوأ ما في الأمر أنهم يظهرون بصورة الممثلين للشعب، وفكرة “التمثيل” هذه يقول عنها رانسيير أنها حيلة ابتدعتها العقلية الأوليجاركية وليست نسقًا تم اختراعه بسبب الاستحالة العملية لنظام التمثيل المباشر لشؤون الحكم بسبب النمو السكاني،  بل “إن الانتخاب ليس في ذاته شكلًا ديمقراطيًا من خلاله يجعل الشعب صوته مسموعًا، إنه في الأصل مجرد التعبير عن قبول تتطلبه سلطة عليا”، لقد كانت هذه الفكرة واضحة تمامًا لدى الآباء المؤسسين في أمريكا ونظرائهم في فرنسا؛ فنظام التمثيل بالنسبة لهم كان “الوسيلة التي تمارس بموجبها النخبة السلطة بشكل فعلي باسم الشعب، السلطة التي تجد نفسها مضطرة للاعتراف له بها، لكنه لن يعرف كيف يمارسها دون أن يدمر مبدأ الحكم ذاته”.

إذا فهذه ليست ديمقراطيات بحسب رانسيير إلا أنها ليست معسكرات اعتقال خصوصًا إذا ما أخذنا في الاعتبار الشكلانية الديمقراطية التي تلتزم بها هذه الدول، بل إن الديمقراطيات في صورتها هذه هي خصم للديمقراطية الحقيقية (شكلاً ومضمونًا)، فالديمقراطية الفعلية هي حياة سياسية مستقلة عن مجال الدولة، والديمقراطية الجيدة هي شكل الحكم والحياة الاجتماعية القادر على “السيطرة على الإفراط المزدوج لكل من النشاط الجماعي أو الانسحاب الفردي”، وهي ” ليست مجتمعا يُحكم، ولا حكما للمجتمع، إنها بالمعنى الدقيق ذلك الشيء العصي على الحكم الذي يجب على كل حكم أن يكتشف، في نهاية المطاف أنه قائم على أساسه”، وأخيرًا “ليست الديمقراطية هذا الشكل من الحكم الذي يتيح للأوليجاركية أن تسيطر باسم الشعب، ولا هذا الشكل من المجتمع الذي تنظمه سلطة السلعة، إنها الفعل الذي ينتزع دون توقف من الحكومات الأوليجاركية احتكار الحياة العامة”.

*الترجمة العربية من الكتاب عن دار التنوير بترجمة أحمد حسان عام 2012، واستفدت كثيرًا من الترجمة الإنجليزية الصادرة عن دار فرسو بترجمة Steve Corcoran عام 2006، ومحاضرة رانسيير حول كتابه المتاح على هذا الرابط:

 https://www.youtube.com/watch?v=ELUQ9bgRzZk ، بالإضافة إلى النقاشات في صفحة الكتاب بموقع GoodReader، ومقال صاموئيل شون، ما الديمقراطية؟ المتاح في موقع: https://medium.com ، وإلى  قراءة كل من حاتم زكي ( http://albedaiah.com ) وهيثم حسين ( alarab.co.uk/ ) في كتاب كراهية الديمقراطية.

0 224 04 مايو, 2019 ملفات الفلق مايو 4, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.