“عرسٌ انتخابيٌ” أم “تجربة انتخابية أصيلة”؟!

لـ

(1)

ثمة ضرورة مُلحَّة لترجمة الأسئلة الكبرى المتعلقة بواقع التغيير في فضائنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي صنو سؤال مستقبل الديمقراطية في بلادنا إلى أسئلة أدق وأصغر كيما يسهل التعامل معها، وإنتاج نقاش يُعرف مبتدأه ومنتهاه، وإلا فإن هذه الأسئلة لن تكون إلا مجرد علامة أخرى للجمود والانسداد في أفقنا الحضاري، فليست هذه الأسئلة في كنهها سوى بوصلة، وأهم ما فيها دلالتها ورمزيتها، ومن ثَمّ نجد أن تلك الترجمات الصغيرة لهذه الأسئلة الكبرى لا تلعب دور التابع فقط؛ ذلك أن التفاعل الجاد معها وتكثيف النقاش حولها يؤدي شيئًا فشيئًا إلى إعادة توجيه البوصلة وإنتاج دلالات ورمزيات جديدة لها، ومن هنا، وأخذًا في الاعتبار المحددات التي سيطرحها هذا المقال؛ فإنه يجدر بنا ترجمة سؤال مستقبل الديمقراطية في سلطنة عمان إلى سؤال مستقبل البرلمان (مجلس الشورى ومجلس الدولة).

إن السلطة التشريعية “البرلمان” في أدبيات القانون الدستوري هي إحدى مُكوِّنات الدولة الثلاثة، بالإضافة إلى السلطة التنفيذية “الحكومة” والسلطة القضائية “القضاء”، والصورة المثلى لعمل هذه السلطات بحسب الإرث الفلسفي والدستوري، النظري والعملي، يقتضي بأن تكون هذه السلطات الثلاث مستقلة عن بعضها بعضا بصورة تكون معها أقدر على بلوغ هدفها بدون حدوث تدخلات من السلطات الأخرى، لاسيما السلطة التنفيذية، وهذا المبدأ عُرفَ باستقلال السلطات ” Separation of Powers “، ثم إن هناك بعضًا من التدخلات التي يمكن أن تكون لإحدى هذه السلطات على سلطة أخرى بموجب الدستور بصورة تستطيع بها السلطات الثلاث مجتمعة فرض نوع من الرقابة وخلق نوع من التوازن فيما بينها، والحد من استبداد إحدى هذه السلطات وانقلابها على الأخرى، وهذا المبدأ عُرف بمبدأ “المراقبة والموازنة” ” Checks and Balances “، وهذا المبدأ نجده أوضح ما يكون في دستور الولايات المتحدة الأمريكية. وفيما يتعلق بالاختصاص الرئيس لكل سلطة من هذه السلطات؛ فأما سن القوانين فهو من اختصاص السلطة التشريعية، وأما تنفيذ هذه القوانين فهو شأن السلطة التنفيذية، في حين أن فرض تطبيق القوانين وتفسيرها يعود إلى السلطة القضائية.

(2)

بدأت عملية التحديث في سلطنة عمان بشكل فعليّ عام 1970، ويقصد بالتحديث في هذا السياق إنشاء مؤسسات الدولة التي تعنى بمختلف القطاعات ووضع بنيتها الأساسية، ولم تكن فكرة “المشاركة الشعبية في صنع القرار”  مطروحة من داخل النظام ذاته، فلقد بدت من الترف بمكان، من منظور الدولة، لاسيما في ظل تحديات التأسيس لجميع القطاعات الأساسية، على أن أهمية الفكرة وضرورة مسايرة ومجاراة الواقع والمجتمع الدولي، قاد إلى إنشاء بعض المجالس التي طُرِحَ في مراسيم تأسيسها نية/ رغبة الحكومة في فتح باب المشاركة الشعبية في صنع القرار، ابتدأت مع مجلس الزراعة والأسماك والصناعة في عام 1979 بموجب المرسوم السلطاني رقم (19/79) ، ثم المجلس الاستشاري للدولة عام 1981 بموجب المرسوم السلطاني رقم (84/81)، حتى الإعلان عن تأسيس مجلس الشورى عام 1991 بموجب المرسوم السلطاني رقم (94/91)، ومع أن الفعالية التشريعية لهذه المجالس والمشاركة الشعبية في صنع القرار كانت في حكم العدم لأسباب عديدة أبرزها الآلية التي تم بموجبها حصر جمهور الناخبين واختيار المرشحين، إلا أن أهميتها تبدو سياسية في المقام الأول، تتمثل في إبراز نية الحكومة لتعزيز فكرة المشاركة الشعبية في صنع القرار كما يبدو من ديباجة هذه المراسيم، ومن ناحية أخرى لتقديم فكرة المشاركة والانتخاب في الفضاء العام العماني.


لقد كانت الولادة الفعلية لفكرة البرلمان، وإن بصورة منقوصة، مع تأسيس مجلس الشورى، الذي يمكن أن تُرصدَ له ثلاثة أطوار متعاقبة:

الطور الأول يمتد من التأسيس في 1991 وحتى 2003: أهم ما يمكن أن يلاحظ في هذه الطور هو ظهور فكرة التمثيل الولاياتي، بمعنى أن يكون هناك ممثلون عن كل ولاية من ولايات السلطنة، وهي فكرة جديدة في ذاتها، إلا أن عملية الانتخاب بقيت منقوصة بشكل كبير؛ فهذه الفترة شملت أربع دورات انتخابية؛ ففي الفترة الأولى (1991- 1994) مُنحَ حق التصويت لمن يختارهم شيوخُ القبائل فقط عن طريق قوائم تقدم لمكاتب الولاة، وتقوم فئة الناخبين المنتقاة بترشيح ثلاثة أشخاص، تختار منهم الحكومة واحدًا، بينما في الدورة الانتخابية الثانية (1994 – 1997) تم تعطيل دور الشيوخ في اختيار من له حق التصويت، كما تم إعطاء الحق للولايات التي يزيد عدد أفرادها عن ثلاثين ألف نسمة الحق في اختيار أربعة مترشحين، تختار منهم الحكومة اثنين، ولا أهمية في اختيار الحكومة لعدد الأصوات التي كسبها كل من المرشحين الأربعة، ولا يوجد ثمة تطور يذكر في الدورة الثالثة (1997-2000) والدورة الرابعة (2000-2003).

إلا أن الحدث الأبرز في هذا الطور يتمثل في صدور النظام الأساسي للدولة في عام 1996 بموجب المرسوم السلطاني رقم 101/96 “الدستور”، على الرغم من أن النظام الأساسي للدولة لم يشر إلى السلطة التشريعية إلا من خلال مادة واحدة قصيرة، وهي المادة 58 التي تحولت بموجبها السلطة التشريعية من نظام المجلس إلى نظام المجلسين، فبموجب هذه المادة تأسس مجلس عمان الذي يتكون من مجلس الدولة الذي يعين أعضاؤه من قبل الحكومة ومجلس الشورى الذي ينتخب أعضاؤه من قبل الشعب وإن بصورة منقوصة.

الطور الثاني من 2003 وحتى 2011: في الدورة الانتخابية الخامسة (2003-2007) تم إقرار حق الانتخاب لكل مواطن ومواطنة أتم سن الحادي والعشرين من العمر، وعلى أن يكون الانتخاب عن طريق الاقتراع العام السري المباشر، وفي عام 2004 تم تعديل أحكام اللائحة الداخلية لمجلس الشورى بموجب المرسوم السلطاني رقم 71/2004 الذي يقضي بضرورة إحالة مشروعات خطط التنمية الخمسية ومشروع الميزانية السنوية للدولة لمجلس الشورى بفترة كافية قبل اعتمادها، ومع أن هذا التعديل قدم إضافة لمهام مجلس الشورى إلا أن دوره بقي استشاريًا فقط وغير ملزم للحكومة، واستمرّ الأمرُ على ما هو عليه خلال الدورة الانتخابية السادسة (2007-2011).

الطور الثالث ما بعد 2011: فرض الحراك الشعبي في عمان بتأثير من أحداث الربيع العربي والأجواء الثورية التي ملأت الفضاء العربي على الحكومة في سلطنة عمان القيام ببعض التعديلات، يأتي في مقدمتها “تعديلات تشريعية برسم الشارع” بحسب توصيف محمد اليحيائي، فبموجب المرسوم السلطاني 99/2011 تم إصدار أول وآخر تعديل دستوري، الذي قام بتوسيع بعض صلاحيات مجلس عمان (مجلس الشورى ومجلس الدولة) ، فبموجب المادة رقم 58 مكررًا 35 يجب على الحكومة إحالة مشاريع القوانين لمجلس عمان “لإقرارها أو تعديلها” ثم رفعها مباشرة للسلطان، وللمجلس الحق في اقتراح مشروعات القوانين وإحالتها للحكومة لدراستها، ثم السير في إجراءات إقرارها أو تعديلها بموجب المادة 58 مكررًا 35، بمعنى أن عملية سن القوانين والتشريعات لا يمكن أن تتم بموجب هذه المادة إلا من خلال مجلس عمان وبموافقته وإقراره، ويجوز لسلطان البلاد إصدار مراسيم سلطانية لها قوة القانون بموجب المادة 58 مكررًا 39 فقط “فيما بين أدوار انعقاد مجلس عمان وخلال فترة حل مجلس الشورى وتوقف جلسات مجلس الدولة”، أما فيما يتعلق بالخطط التنموية ومشروع الميزانية السنوية للدولة، فإنها تحال للمجلس بموجب المادة 58 مكررًا 40 بغرض مناقشتها وإبداء التوصيات بشأنها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن لمجلس الوزراء في حال قرّر عدم الأخذ بإحدى هذه التوصيات أن يُخطر المجلس بذلك مع الأسباب المؤيدة لقراره، وبموجب المادة 58 مكررًا 41 فإن الحكومة ملزمة بإحالة مشروعات الاتفاقيات الاقتصادية والاجتماعية لمجلس الشورى لإبداء مرئياته وعرضها على مجلس الوزراء لاتخاذ ما يراه مناسبًا، ويجب ملاحظة مسألة قانونية مهمة في هذا السياق، أنه في حال تم اعتماد أي من هذه الاتفاقيات الدولية أو الإقليمية كقانون محلي؛ فإنه يجب أن تطبق المادة 58 مكررًا 35 بشأن إقرار هذا القانون وتعديله. وقد أقرّت المادة 58 مكررًا 43 حق مجلس الشورى أي من وزراء الخدمات [1] فيما يتعلق بتجاوز صلاحياتهم بالمخالفة للقانون، وذلك بموجب طلب يوقعه خمسة عشر عضوا من أعضاء مجلس الشورى على الأقل، ورفع نتيجة الاستجواب لسلطان البلاد مباشرةً، ويجب ملاحظة أن الاستجواب بموجب نص هذه المادة لا يشمل حالة إخفاق الوزراء في مهامهم، لاسيما في حالات الإخفاق الجسيم. وبموجب المادة 58 مكررًا 44 فإن على وزراء الخدمات موافاة مجلس الشورى بتقارير سنوية عن مراحل تنفيذ المشاريع الخاصة بوزاراتهم، وللمجلس دعوة أيٍ منهم للمناقشة.

(3)

واحدة من أهم القضايا التي تطرح عادة في سياق نقاش السلطة التشريعية هي هيكلية هذه السلطة أو مما تكون، هل تتكون من مجلس واحد ” Unilateral Parliamentary System ” أو مجلسين ” Bicameral Parliamentary System “؟، تخبرنا الإحصاءات التي قام بها الاتحاد البرلماني الدولي ” Inter-Parliamentary Union ” بأن 79 دولة حول العالم من أصل 114 دولة تتبنى نظام المجلسين وهو ما نسبته 40% من دول العالم، وهي نسبة مرتفعة نسبيًا، وتطبيق نظام المجلسين جاء في بعض الدول نتيجة لتطورات تاريخية معينة كما هو الحال في بريطانيا، ذلك أنه في العصور الوسطى دأبت الطبقة الأرستقراطية والنبلاء على التجمع بشكل اختياري ومناقشة الشأن العام، ورفع بعض المسائل إلى الملك، مر هذا الشكل من التجمع في مراحل عديدة من التطور في تاريخ بريطانيا إلى أن أخذ شكله الحالي، أي كمجلس في البرلمان “مجلس اللوردات” إلى جانب المجلس المنتخب “مجلس العموم”، وبسبب التأثير التاريخي الكبير لبريطانيا على دول أخرى بسبب دورها الاستعماري والتوسعي، فقد تبنت عددًا من الدول نظام المجلسين البريطاني وهو ما يعرف ” Westminster Module of Parliament ” وذلك نسبة إلى المنطقة التي يقع فيها مجلس اللوردات، وأبرز مثال على ذلك كندا وأستراليا، فأعضاء هذا المجلس الذي يطلق عليه عادة ” الغرفة الأعلى” ” the Upper Chamber ” يتم تعيينهم، ولفظة الأعلى لا تشير إلى التراتبية الهرمية في السلطة، ذلك أن المجلس المنتخب ” the Lower Chamber ” يكون في العادة أهم بمراحل، بل وتحسب له السلطة التنفيذية الحساب أكثر من المجلس الآخر، إلا أن هذا الوصف يشير إلى أن الأعضاء عادة يكونون من كبار السن ومن طبقات مهمة في المجتمع، وإن كان هذا لا يبرر أو يشرعن الوصف إلا أنه يشرحه فقط، بيد أن مسألة تعيين الأعضاء لا تنطبق على كل الدول، ففي بعض الدول يتم انتخاب أعضاء هذا المجلس بصورة مباشرة كما هو الحال في مجلس الشيوخ الأمريكي ” the Senate of United States of America “، وفي بعض الدول يتم انتخاب أعضاء هذا المجلس بصورة غير مباشرة كما هو الحال في مجلس الشيوخ بفرنسا ” the Senate of France ” حيث يتم تعيين أعضاء هذا المجلس عن طريق رؤساء ”  mayors ” المدن/المقاطعات الفرنسية المنتخبين.

دائما ما تكون صلاحيات كل من المجلسين مرتبطة بمسألة الشرعية، بالمفهوم الواسع لمصطلح الشرعية، وبهذا المعنى نجد أن الشرعية التي يكتسبها المجلس المنتخب، بحكم الانتخاب، هي أكبر بكثير من تلك الشرعية التي تكون للمجلس غير المنتخب، وهذا ينعكس على الأهمية السياسية المتمثلة في سلطة هذا المجلس في مقابل السلطة التنفيذية والعلاقة بينهما، والصلاحيات التشريعية التي تكون لكل مجلس، فمثلاً في حالة مجلس اللوردات، فإننا نجد أن ثمة مسائل لا يمكن للمجلس التصويت بشأنها من ضمنها مشروعات القوانين المتعلقة بالضرائب وبالإنفاق الحكومي. وفي حالة مجلس عمان، نجد أن ثمة صلاحيات برلمانية أعطيت لمجلس الشورى دون مجلس الدولة، يأتي في مقدمتها حق الاستجواب، وإبداء الرأي فيما يتعلق بالاتفاقيات الاقتصادية والاجتماعية، ومناقشة وزراء الخدمات في تقاريرهم السنوية.

إن فكرة وجود مجلس آخر في البرلمان يمكن فهمها في ظل مبدأين اثنين، الأول مبدأ التمثيل، والآخر مبدأ المراقبة والموازنة، ففكرة التمثيل يمكن أن تفهم في هذا السياق من خلال جعل مصالح/طبقات/فئات حاضرة في عملية صنع القرار، وبهذا المعنى، تكون إحدى غايات إنشاء مجلس ثان تحت البرلمان هي محاولة لاستحضار بعض المصالح/الطبقات/الفئات التي سقطت أو لم يتم تمثيلها بالشكل الكافي تحت المجلس الأول، وترتبط هذه المسألة كذلك بالتسويات السياسية التي تحدث بين مختلف الأطراف/القوى السياسية كما هو الحال في نشأة مجلس الشيوخ الأمريكي، إذ إنه جاء بمثابة ضمان/تطمين للولايات الصغيرة (ذات التعداد السكاني القليل مقارنة بالولايات الأخرى) من عدم غياب صوتها بسبب دخولها الاتحاد الفيدرالي، ومن ثَمّ تم تسوية الأمر في أن يكون لكل ولاية عدد ممثلين محدد وهو اثنان في مجلس الشيوخ بغض النظر عن ديمغرافيا الولاية، في حين يختلف عدد الممثلين لكل ولاية في مجلس النواب طبقًا لديمغرافيا تلك الولاية. وتتداخل فكرة التمثيل، بما فيها من تعقيد وإشكالات فلسفية، مع فكرة المراقبة والموازنة وهي فكرة أكثر وضوحًا مقارنة بفكرة التمثيل، ذلك أن مكونها الرئيس إجرائي صرف، فهي تفترض متطلبات إجرائية في ممارسة العمل البرلماني، كما في حالة سن التشريعات، إذ تتطلب مثلا أن يتم مناقشة القانون واعتماده وإقراره من قبل المجلسين، هذا الأمر يؤدي إلى مناقشة مستفيضة حول المسائل التي يثيرها القانون والمصالح التي ينوي تمثيلها وحمايتها، ويفترض في هذه النقاشات أن تكون أكثر ثراء نظرًا لخلفية كل مجلس ومنظوره المستند على المصالح التي يمثلها، والتي قد تتعارض أو لا تكون متوافقة، وهذا الأمر يؤدي إلى توسيع الحوار أكثر حول هذه النقاط، كما أن هذا المتطلب الإجرائي يؤدي إلى إطالة أمد إصدار القوانين، وهو أمر جيد من حيث المبدأ، ذلك أنه يعطي فرصة للمخاطبين به الاشتراك في الحوار الدائر بشأنه عبر حواراتهم مع ممثليهم أو عن طريق منظمات المجتمع المدني، ومن جهة أخرى يجعلهم على استعداد أكبر لتقبل فكرة هذا التشريع وتطبيقه، وفي مجمل الأمر يكون بإمكان كل الأطراف ذات الصلة استظهار الإشكاليات التي يحبل بها القانون الجديد، أو حتى الأخطاء التي يجب تلافيها. إن الهدف من الطريقة التي يتشكل بها مجلس الدولة في عمان بحسب ما يظهر من ديباجة المرسوم السلطاني رقم (86/96) ومن المواد المتعلقة بأعضاء مجلس الدولة هو “الاستفادة من خبرات أهل العلم وذوي الاختصاص”، فأعضاء هذا المجلس هم من كبار الوزراء والوكلاء والقضاة، والضباط السابقين، بالإضافة إلى المشهود لهم بالخبرة والكفاءة في مجالات العلم والأدب والثقافة والأكاديميين، بالإضافة إلى الأعيان ورجال الأعمال، ومن ثَمّ فإن الهدف بهذا المفهوم هو القيام بمهمة “المراقبة والموازنة” لمجلس الشورى.

(4)

مسألة تمثيل الشعب في مجلس عمان تثير العديد من الإشكالات، ولأن آلية حصول أعضاء كل مجلس على مقاعدهم تختلف عن الآخر، فإن هذه الإشكاليات تختلف بالنسبة لكل مجلس، إلا أن المسألة أكثر تعقيدًا فيما يتعلق بمجلس الشورى؛ ذلك أنها مرتبطة بعملية الانتخاب، فإشكالية التمثيل في هذا السياق تنصرف إلى معنيين، الأول هو “صدق/صحة هذا التمثيل”، والثاني هو “أمانة هذا التمثيل”، فالمعنى الأولى يتعلق بالشكل الإجرائي، أي إلى أي درجة ينتخب الناخبون المرشح الذي يرغبون فيه، بمعنى أدق هل تصب إرادة الناخب فعلاً وبشكل دقيق في اختيار المرشح الذي انصرفت إليه؟، يمكن بحث مسألة صدق التمثيل على مستويين، الفردي والجمعي، والمستوى الفردي هو أقل إشكالية، ذلك أنه إذا انصرفت نية الناخب إلى ترشيح مرشح محدد، يكون هذا التمثيل صادقًا بالنسبة لهذا الناخب فقط، حتى وإن شاب اختياره شيء من معوقات التمثيل الصادق، ذلك أن فكرة التمثيل الصادق تتمثل في أن يكون اختيار الممثل قائمًا على أساس موضوعي يتمثل في قدرة المرشح على تحقيق أكبر قدر من المصلحة الوطنية، ومن تكون كفاءته أقدر من غيره على خدمة المصلحة الوطنية، وبالنتيجة فإن الاختيار الذي لا يقوم على هذا الأساس الموضوعي ولكن على أساس قَبَلي على السبيل المثال، لا يكون تمثيلاً صادقًا على المستوى الجمعي، والسبب في ذلك أن الغاية من فكرة الانتخاب وفكرة المجلس هي غاية محددة وهي خدمة المصلحة الجمعية، ولما يتغيا الاختيار الفردي غير هذه الغاية يكون هذا التمثيل غير صادق من المنظور الجمعي، وإن كان صادقًا من منظور ذلك الفرد. ومعوقات التمثيل الصادق يمكن تلمسها في مسائل عدة، من بينها الآتي:

أولاً: الانتخاب على أساس قَبَلي: فمع شحّ الدراسات المتعلقة بمسائل علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في المجتمع العماني، إلا أن المسألة لا تتطلب مزيدًا من الذكاء لإدراك نفاذ دور القبيلة في المجتمع العماني، صحيح أن دور القبيلة انحسر كثيرًا مع بداية الدولة الحديثة، وتم تفكيكها من حيث إنها مرجعية سياسية، واستمر هذا الانحسار لصالح فكرة المواطنة والانتماء للوطن، إلا أن هذا الانحسار انحسر هو نفسه، وبدأ يتصاعد دور القبيلة وإن كان بصورة أقل مما كانت عليه فيما قبل الدولة الحديثة، وهذه المسألة تحتاج إلى مزيد من الدراسة بلا شك. فخلال فترة الانتخابات تجد أن الناخبين، كقاعدة عامة، ينصرفون بشكل طبيعي إلى التصويت للمشرح الذي ينتمي إلى القبيلة ذاتها التي ينتمون إليها، ويأتي بشكل ثانٍ التصويتُ للشخص الذي تربطهم به صلة قرابة من أي نوع أو الذي ينتمي إلى القرية ذاتها التي ينتمون إليها، الإشكالية أن هذه العملية تتم بشكل تلقائي، فلا تطرح مسألة الكفاءة، والمصلحة العامة في عملية الترشيح إلا بشكل باهت جدًا؛ بل إن هذه العملية تطورت إلى وجود ما يشبه بالمواثيق بين القبائل التي تقطن في المنطقة ذات، بموجبها تكون الحظوة في الوصول إلى المجلس لقبيلة دون سواها، بحيث تأخذ العملية شكلًا منظمًا، وذلك بأن تتفق القبائل على أن يتقدم مرشح قبيلة محددة في كل دورة انتخابية، وتجدر الإشارة إلى أن هذه المعلومات لا تجد توثيقًا لها، فهي فقط معروفة في المجتمع، ومن ثَمّ، سيكون من المهم أن يتم إعداد دراسة لهذه المسألة بصورة مستقلة ومتأنية.

ثانيًا: شراء الأصوات: من المفارقات العجيبة جدًا هو أن شراء الأصوات يعد فعلًا مجرم بموجب المادة 69 من قانون انتخابات أعضاء مجلس الشورى رقم 58/2013 وتصل العقوبة في حال ثبوت الجرم إلى الحبس لمدة سنة واحدة والغرامة مبلغ أربعة آلاف ريال عماني، إلا أن هذا الفعل هو من الانتشار بحيث إنه أصبح في حكم المألوف والمعروف، في حين أنك إذا ما نظرت إلى انتخابات الفترة السابعة (2011- 2015) وانتخابات الفترة الثامنة (2015- 2019)، تجد أنه في الأولى لم يتم محاكمة أحد بهذه التهمة سوى شخصين في ولاية صحار بحسب تصريحات المدعي العام للصحف وقتئذ، وفي انتخابات الفترة الثامنة (2015-2019) صرح خالد المنوري نائب رئيس المحكمة العليا رئيس اللجنة العليا للانتخابات: ” أن اللجنة لم تتلق حتى انعقاد المؤتمر أي بلاغات أو شكاوى عن وجود ما يسمى “بشراء الأصوات” أو “الرشاوى لاستغلال صوت المواطن” موضحا أن القانون يجرم هذه الأفعال وبإمكان صاحب المصلحة اللجوء للجهات المختصة في هذا الشأن”. والمحصلة هي أن وجود هذا التجريم كعدمه؛ فمع انتشار هذه الظاهرة  إلا أنه لا يلاحظ بأن جهات الضبط قامت بالمبادرة في التحقيق والضبط والتقصي كما تفعل مع معظم الجرائم التي لا يتوقف تحريكها على شكوى المتضرر، ولا تجد أن المواطنين يتشجعون في تقديم بلاغات ضد هذه الجريمة، وهذا إما تواطؤ وإما قلة وعي وغيرة وطنية، وهكذا، فإن الحاصل تلخصه، ببساطة، عبارة “سكتوا فسكتنا”.

ثالثًا: قلة معرفة الناخبين بالمترشحين، والمعرفة المقصودة في هذا السياق هي معرفة التوجهات السياسية، وآرائه في مختلف القضايا العامة، والأجندات ذات الأهمية والأولوية بالنسبة للمرشح، وهذه المسألة تُحدّث عن قلة وعي المترشحين قبل الناخبين بحقيقة الوظيفة البرلمانية، وأنها وظيفة سياسية في المقام الأول، وأن الانتخاب وإن كان على أساس الولايات، إلا أن المترشح فور ترشيحه لا يمثل شؤون ولايته فقط، وأن واقع الأمر هو أن الناخبين في ولايته اختاروه ليمثلهم في مختلف الشؤون الوطنية العامة من خلال مجلس الشورى، وإنه لمن المؤسف أن ترى بأن الوظيفة البرلمانية في أذهان الكثير من الناخبين والمترشحين لا تعدو كونها وظيفة مندوب علاقات عامة، وأن الحملة الانتخابية للمرشحين لا تتجاوز قرع أبواب بيوت الناخبين لتوصيتهم بالتصويت له.

رابعًا: الاستبعاد لأسباب أمنية: وهذه العملية تتم خلال تقديم طلبات الترشح، وذلك أن تقوم الجهات الأمنية باستبعاد أسماء بعينها لأسباب تصفها بأنها أمنية، ومن ثم تقوم بمخاطبة ذوي الشأن عن طريق مكاتب الولاة بهذا القرار دون أن يكون هناك أي تسبيب واضح، وهذه المسألة تعد مخالفة دستورية خطيرة؛ ذلك أن المادة 58 مكرراً 10 من النظام الأساسي للدولة أوردت الاشتراطات التي يجب أن يتمتع بها المترشح لمجلس الشورى على وجه الحصر، ومن ثم لا يمكن أن يضاف لها أي اشتراط جوهري جديد كالموافقة الأمنية إلا في حالة صدور تعديل في النظام الأساسي يقضي بذلك، بل وإن هذا الأمر يعد تدخلاً في عمل اللجنة العليا للانتخابات التي يشترط فيها أن تتمتع بالاستقلالية والحيدة، وهو ما يعني أن هذه مخالفة دستورية أخرى، بالتحديد للمادة 58 مكررًا 14 من النظام الأساسي للدولة.

أما فيما يتعلق بمجلس الدولة، فالإشكالية الأساسية تتعلق بمسألة التعيين، ذلك أن التعيين يتعارض مع فكرة التمثيل، إن الدور الذي كان يراد من مجلس الدولة أن يلعبه عند إنشائه هو أن يكون ضمانة للحكومة وضبطًا لانطلاقة مجلس الشورى من خلال طبيعة الأفراد الذين يتم تعيينهم فيه، والمسألة التي يجب أن يدفع باتجاهها هي الخروج من ثنائية الحكومة/مجلس الشورى فيما يتعلق بصلاحيات مجلس الشورى وأدائه، وإدراك أن خلق نوع من” المراقبة والموازنة” على أداء مجلس الشورى هو مطلب وطني في المقام الأول، وتحقيق مجلس الدولة لوضعه الطبيعي هو مطلب وطني أيضًا، والطريقة المثلى هي الطريقة التي تحقق كلاً من مبدأ التمثيل ومبدأ المراقبة والموازنة في الوقت ذاته، وهذا يقتضي أن يكون المجلس منتخبًا وفقًا لانتخاب حرّ مباشر، ومن جهة أخرى، أن تكون فئة المترشحين فئة نوعية، لها خبرة في مختلف قطاعات الدولة؛ بحيث يُنتظر منها تقديم وجهة نظر مختلفة في مختلف المجالات، ومثال ذلك أن يقتصر حق الترشح على المنتمين للقطاعات المختلفة في الدولة، المهندسين، الأطباء، المحامين، …إلخ، بمعنى أن هذه الآلية ستضمن حدًا معقولًا من التخصصية، وبالنتيجة نظرة مختلفة ستقدم بلا شك إضافة نوعية لعملية سن التشريعات، على أن هذه الفكرة لا تزال غضّة، وتحتاج إلى أن تدرس من مختلف الجوانب بحيث يتأكد من قابليتها للتطبيق من جهة، ومن فائدتها المرجوة من ناحية أخرى.

(5)

سؤال الأداء الناضج للبرلمان مرتبط في جوهره بمبدأ التمثيل، بمعنى إلى أي درجة استطاعت أعمال البرلمان خلال فترة انتخابية معينة تحقيق أهدافها الأساسية، التي تتمثل في المادة 58 مكررًا 21 من النظام الأساسي للدولة “أن يستهدفوا في أعمالهم مصالح الوطن”، فالهدف الأساس من فكرة البرلمان أن يكون هناك ممثلون للشعب في عملية صنع القرار العام، ونظرًا لإمكانية البرلمان في سلطنة عمان وحدود صلاحياته؛ فإن السؤال يكون إلى أي مدى يتم استغلال الأدوات البرلمانية المتاحة للبرلمان حاليًا، أي إن السؤال يكون في ضوء حدود الممكن، ذلك أنه ثمة خياران اثنان فيما يتعلق بمسألة البرلمان، الأول يتمثل في رفض كامل العملية والمطالبة بتحول ديمقراطي كامل، والآخر هو العمل وفق الأدوات المتاحة لاسيما وأن هذه الأدوات توفر حدًا أدنى، وفيما لو استغلت بشكل كامل سيكون بمقدورها تشكيل حالة برلمانية يحسب لها حساب، ومما يعضد الخيار الثاني، هو أن مسألة التحول الديمقراطي الكامل غير مطروحة وغير ممكنة على المدى المنظور، وتجب ملاحظة أن تحقيق الخيار الثاني والعمل بجدية من خلال الأدوات الحالية سيشكل بكل تأكيد حالة برلمانية فعلية، إلا أن هذه العملية ليست من السهولة بمكان، وأن هذه الحالة البرلمانية الجدية فيما لو حققت مقتضياتها ستكون على المسار الصحيح، وهو المسار باتجاه التغيير الذي يقف على النضج المتعلق بالشؤون العامة وفي استخدام الأدوات البرلمانية بصورة تدفع إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من متطلبات القطاعات المختلفة في الدولة. والبحث حول هذه النقطة يستلزم البحث في أعمال مجلس عمان للفترة السابعة (2011-2015) والثامنة (2015-2019) والسؤال مثلاً عن عدد مشروعات القوانين التي بادر المجلس باقتراحها ؟ وما نوعية هذه المقترحات ومدى اتصالها بتعزيز رفاه المواطن وكرامته وتقدم الدولة؟، فمن خلال البيانات المتاحة على الموقع الرسمي لمجلس الشورى العماني، نجد أن هناك مقترحًا تشريعيًا واحدًا تقدم به المجلس، وهو تعديل المادة 228 مكررًا من قانون الجزاء القديم، وهي المادة المتعلقة بالمشروبات الكحولية، إن عدد المبادرات/المقترحات التشريعية (وبغض النظر عن نسبة النجاح في سن هذه المقترحات كقوانين) ونوعية هذه المقترحات هي مسألة جدًا جوهرية ومؤشر مهم حول أداء المجلس وتوجهاته وأولوياته، ثم تأتي مسألة المراجعات التي يقوم بها المجلس، ثم إصدار الاعتماد على مشروعات القوانين التي تتقدم بها الحكومة، وتتضح فاعلية المجلس في هذه الحالة من خلال نوعية الملاحظات والمناقشات والتحفظات على مواد مشروعات القوانين المقترحة من قبل الحكومة؟ ثم إن أحد الأسئلة المهمة في هذا الصدد هو فاعلية مجلس الدولة ومدى نوعية الملاحظات /المناقشات/التحفظات التي يقدمها على اعتبار أن مجلس الدولة هو أشبه ببيت الخبرة؛ باعتبار أن أعضاءه هم أصحاب مناصب قيادية في الدولة سابقا في مختلف القطاعات، وإلى أي مدى ستعزز النتائج المترتبة من بحث هذه المسألة مكانة مجلس الدولة وأهميته وآلية تشكيله؟

وفيما يتعلق بممارسة المهام الرقابية، نجد مثلاً أن المادة الدستورية المتعلقة بحق المجلس في استجواب وزراء الخدمات لم يحاول تفعيلها إلا مرة واحدة منذ عام 2011 وذلك في مارس 2017، إذ حاول المجلس وقتئذ استجواب وزير البلديات الإقليمية والبيئة، “إذ تم تقديم طلب استجواب وزير البلديات الإقليمية وموارد المياه في الأول من مارس، وحدد المجلس الجلسة بتاريخ 14 مارس، وجاء رد مجلس الوزراء، بأن طلب الاستجواب سيتم دراسته من قبل الجهات المعنية وموافاة المجلس بما يتم التوصل إليه في وقت لاحق”، وهو ما دفع المجلس إلى التصويت لرفع بيان عاجل إلى السلطان بهذا الأمر، والجدير بالملاحظة أن 61% فقط من أعضاء المجلس صوّت على رفع هذا البيان، والاستفهام عن هذه النسبة مهم جدًا، فما الأسباب التي بموجبها رفض بقية أعضاء المجلس التصويت على رفع البيان لسلطان البلاد، إذ إن النسبة ليست قليلة إذا ما وضعنا في الاعتبار أن التصويت كان بسبب تعطيل مادة دستورية منح المجلس بموجبها سلطة الاستجواب، إن معرفة سبب عدم تصويت هذه الفئة ستفتح لنا بلا شك عددًا إضافيًا من المسائل التي يجب أن يدور الحوار والنقاش حيالها.

(6)

لقد كانت انتخابت مجلس الشورى عام 2011 انتخابات مميزة، ذلك أن المواطنين استشعروا أهمية الانتخابات ونتائجها وإمكانية ارتباطها بالهم اليومي للمواطنين، ومن ناحية أخرى، دفعت الأحداث مجموعة من الشخصيات للترشح لاستشعارها ضرورة التغيير وإمكانيته من خلال مجلس الشورى، لقد تم انتخاب بعض الشخصيات خلال هذه الانتخابات ممن يمكن تسميتهم بالقيادات الاجتماعية، بعضها كان له دور فاعل في المجتمع من خلال المبادرات المجتمعية المختلفة، ومن ثم جاء انتخابهم أشبه بتحصيل حاصل، والبعض الآخر أظهرته/أبرزته الأحداث التي مرت بها البلاد، ومن ثم وجد فيه الناخبون القبول لتمثيلهم في المجلس، فقاموا بانتخابه، ويمكن ترجمة هذه المسألة بالقول إن منسوب الشرعية الخاصة بالمجلس ارتفعت خلال هذه الانتخابات، وبمعنى آخر، فإن المجلس بدأ يستشعر لأول مرة شيئًا من القوة، وفي هذه الفترة أيضًا أخذ أعضاء المجلس التأكيد على رقابة الناخبين على أدائهم، وذلك خلال نقاشاتهم مع وزراء الخدمات، كأن يقول العضو “سيحاسبنا المواطنون”، سيسألنا المواطنون”…، والشاهد من كل هذه النقاط هو أن المجلس وقتئذ شهد نقلة مهمة، إلا أنه من الواضح لكل مراقب، أن هذه النقلة لم يُبن عليها، وهذا التطور لم يستمر، إذ خفت تأثير الأحداث التي مرت بها الدولة عام 2011، فاستُفتحت انتخابات 2015 بالاستبعادات الأمنية لبعض المترشحين دون تقديم أي سبب فعلي بالمخالفة لمواد دستورية واضحة، واستمرت ظاهرة شراء الأصوات، وانتخب معظم الناس على أساس قبلي/عائلي، وقرع الكثير من المترشحين الأبواب لاستجداء الأصوات، ولم يحاول المترشحون ولا طلب جمهور الناخبين معرفة الأجندات الخاصة بالمترشحين، إلا أن الانتخابات تمت، ووصفتها الصحف المحلية بأنها كانت “عرسًا انتخابيا”!.

(7)

 ثمة نقاط يجب أن نخرج بها فيما يتعلق بمستقبل البرلمان في سلطنة عمان، يأتي في مقدمتها أن المستقبل يجب أن يُصنع، وإلا ما سيحدث هو استحضار للماضي كما هو وبكل ما فيه في أحسن الأحوال، أما في أسوأ الأحوال فإن الآخرين سيصنعون لك مستقبلاً يناسبهم، إن مجلس الشورى يحتاج إلى مزيد من القوة، مزيدٍ من الشرعية، مزيدٍ من التمثيل الصادق، مزيدٍ من الرقابة للدفع صوب مزيدٍ من الأداء الناضج، ذلك أن الرقابة التي يفرضها الجمهور على ممثليهم، لابد وأن تعزز دور الممثل في فرض رقابة أشد على السلطة التنفيذية، وأن المستقبل الذي يريد الشعب صنعه يمكن أن يوجه الدفة نحوه عن طريق ممثليه، ويتحقق هذا الأمر عبر مجموعة من الأفكار تتطلب أن تقرأ في سلسلة متصلة، أولها إدراك الارتباط بين فعل الانتخاب وبين الهم اليومي للمواطن، بالقضايا التي تشغله كالتوظيف والفساد والرفاه والتقدم و و و، وأن تحقيق هذا الأمر يتطلب اختيار من يكونون أقدر على تحقيق أكبر قدر من المصلحة العامة، أي اختيار الأكفأ، ومن ثمّ فإن هذا الأمر يتطلب أن يكون الناخب صادقًا مع نفسه ويطرح أي أساس آخر للانتخاب غير أساس الكفاءة، ويجب ملاحظة أن الكفاءة هنا لا ترتبط بالمؤهلات العلمية، بل إن الفكرة تتعلق أكثر بالانهماك بالشأن العمومي، وأن يكون واعيًا بشكل جيد لحال مختلف القطاعات في الدولة، ومتطلبات التنمية، وأن تكون لديه أجندات واضحة للإمكانيات التي يمكن أن تتحقق في ضوء الأدوات البرلمانية المتاحة، وأن يكون مستعدًا لممارستها لأقصى مدى يمكن لها أن تبلغه، إن هذه العملية هي مخاض يستمر عبر فترة ممتدة، على أن الالتزام به لابد وأن يشكل قوة ضاغطة على المدى القريب/البعيد. إن إدراك ارتباط مسألة الانتخاب بالهم اليومي، لابد أن تحفز فئة الشباب للمشاركة في الانتخاب، أعني تلك الفئة التي لا تمارس هذا الحق لسبب أو لآخر، بمعنى، أن تتوسع قاعدة الناخبين الشباب، وأن يكون الاعتبار الأساسي للتصويت هو الكفاءة، لاسيما وأن الانتخابات تتم عن طريق الاقتراع السري المباشر، ثم إن هذه الفئة عليها أن تطرح توقعتها حيال هؤلاء المترشحين، أي ما هي أجنداتهم الانتخابية، لاستبيان من هو الأفضل/الأكفأ من خلال طرح برامجهم الانتخابية، ومناقشتهم فيها.  ثم إنه وبعد أن تتم الانتخابات يجب أن ينظم الناخبون نوعًا من الرقابة على المجلس من خلال رقابتهم على ممثليهم، تبدأ من الالتزام بجلسات المجلس، وطبيعة المداخلات والمناقشات والنقاط التي يطرحها ووجهات النظر التي يمثلها والمواقف التي يتبناها/يدافع عنها حيال قضايا الرأي العام، بمعنى  أن يكون الممثل تحت نوع مستمر من المساءلة، وهذه العملية يمكن لها أن تكتسب فاعلية أكبر وتنظيمًا أوسع لاسيما من خلال استخدام  برامج التواصل الاجتماعي الحديثة.

لقد ابتدأت عملية القيد في السجل الانتخابي لانتخابات مجلس الشورى للفترة التاسعة، مما يضعنا جميعًا أمام اختبار حقيقي، هل نريد لهذه الانتخابات أن تكون “عرسًا انتخابيا” أم “تجربة انتخابية أصيلة”؟!

0 1191 04 مايو, 2019 ملفات الفلق مايو 4, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.