الشركات بالأقنعة والقمصان المخططة!

لـ

هل تدخل الشركات السجون؟

وجد القانون ليراعي مصالح الناس وينظم سيرها، ومن أجل ذلك فمنذ اللحظة الأولى لميلاد أي طفل فإنه تثبت له الشخصية القانونية التي ترتب له الحقوق والواجبات، الذي يعبر أحد الفقهاء الفرنسيين عنها بقوله “الشخصية القانونية هبة الميلاد”. إلا أنه ونظرًا لتسارع العصور وتطور النسيج الاجتماعي؛ لم يعد بالإنسان وحده تتقدم المجتمعات، إنما بتنظيمات أخرى، منحها المشرّعُ شخصيةً افتراضية تسمى بالشخصية الاعتبارية – التي توازي من حيث آثارها الشخصية القانونية التي يملكها كل الناس- وذلك كي تتحمل بدورها الالتزامات المنوطة بها، وتتمتع بالحقوق المستحقة. ومثال ذلك، المنظمات والهيئات والشركات وغيرها.
وبما أن هذه التنظيمات تكتسب بشكل معنوي، شخصية مستقلة عن المجموعة المكونة لها، فإن الناس يتعاملون معها بصفتها المعنوية على جميع الأصعدة كالتعاقد أو الاستفادة من الخدمات، وعلى هذا الأساس فإنه من الممكن أيضا أن ترتكب هذه التنظيمات جرائم جنائية بالصفة المعنوية ذاتها. فهل يمكن أن نضع الشركات في قفص الاتهام ونقيّد معصميها بالأصفاد أم أنها تبقى مجرد شخصية بلا وجود مادي ومن المستحيل –عمليا- أن ترتكب الجرائم بذاتها؟ ومع طرافة السؤال، إلا أن هذا التساؤل ما زال محل جدل بين فقاء القانون حول العالم وعبر مرّ الأزمان، إذ تعد هذه المسألة موغلة في القدم كون أول نقاش ابتدأ حول مسؤولية الشخصيات المعنوية جنائيًا كان في المؤتمر الدولي الثاني لقانون العقوبات في عام 1929 م، وتبقى التداولات حتى الآن قائمة والإجابة غير محسومة حول هذا الشأن.
في كثير من الأحيان، يؤدي إهمال إجراءات الأمن والسلامة في الشركات إلى التسبب في وفاة الأشخاص الذين تربطهم علاقة ما بها، أي إن الإهمال من قبل الشركة يكون هو السبب الرئيس للوفاة. وكان من السائد قانونًا أن يتم محاسبتها في الشق المدني ومحاسبة الأشخاص المرتكبين للفعل عن الشق الجنائي لو وجد، إلا أنه في بعض الاتجاهات الحديثة يتم أيضا محاسبة الشركة بصفتها كيانًا معنويًا عن جريمة (القتل الخطأ). وتعد المملكة المتحدة أول من قام بمساءلة الشركات عن القتل الخطأ، وذلك في قانون ” القتل الخطأ من قبل الشركات” الذي دخل حيّز النفاذ في عام 2008، إذ حدد الفصل الأول من القانون أن الشركة تعدّ مسؤولة عن القتل الخطأ في حال كانت نشاطاتها أديرت أو نظمت على نحو يشكل إخلالًا جسيمًا لواجبها في العناية، وكان هذا الإخلال هو السبب في حدوث الوفاة. ومن المؤكد أن يشكل هذا القانون نقلة نوعية في تاريخ فلسفة التشريع الجنائي كونه من المتفق عليه في أغلب القوانين ألا تسأل الشخصيات المعنوية، ومن ضمنها الشركات، جزائيا عن وفاة عامليها حتى لو كانت الوفاة نتيجة للإهمال. ففي السابق، كان الأمر مُقتصرًا على محاسبتها مدنيًا فقط.
يجدر بالذكر أن مفهوم مسؤولية الشركة عن القتل الخطأ، قد تناهى إلى أسماع العامة بشكل أوضح قبل ما يقارب سنتين من الآن، وذلك جراء حريق برج (غرينفيل) في غرب لندن، الذي خلّف 79 قتيلا نتيجة لإهمال إجراءات الأمن والسلامة من قبل شركة كينسينغتون وتشيلسي لإدارة المستأجرين، إذ تم توجيه أصابع الاتهام إليها باعتبارها المسؤولة الأولى عن تفاقم اندلاع الحريق. اللافت في الأمر، مطالبة الكثير من الناس، بما فيهم النائب عن حزب العمال البريطاني المعارض، ديفيد لايم، من المحكمة الجنائية بتكييف هذه الكارثة على أنها “قتل خطأ من قبل الشركة” ومحاسبة الشركة على هذا الأساس.
وما زالت تدور الكثير من الجدالات بين أبرز القانونيين والفقهاء حول إمكانية فرض المسؤولية الجنائية على الشركة ومدى صحة ذلك، إذ عارض الكثيرون هذه الفكرة وأبرزهم البرفسور الأمريكي فيكرامديتيا كانا الذي يرى بأنه لا ينبغي تحميل الشركات أي مسؤولية جنائية. فمثلا، تبنى المسؤولية الجنائية على شرطين واضحين: الوعي والإدراك، وفي حال الشركات فإن هذين الشرطين لا يتفقان مع الطبيعة المعنوية للشركة. وكما يقول الفقيه (جييز) متهكمًا على أنصار فرض المسؤولية ومعاملتهم للشركات بذات التعامل البشري: “بالنسبة لي، لم يسبق أن تناولت الغداء مع شخص معنوي”. ومع أن قانون “القتل الخطأ للشركات” في المملكة المتحدة، قام بحسم الجدال لصالح الفئة المؤيدة لمسؤولية الشركات جزائيا إلا أنه ما زالت تطفو على السطح العديد من التساؤلات حول جدوى المحاكمة بل وذهب بعضهم إلى أعمق من ذلك بطرح تساؤل عن كيفية تحقق أهداف القانون الجزائي الرادعة بمحاكمة الشركات عن الجرائم. ويعزز البرفسور كانا رأيه المناهض لمسؤولية الشركات الجنائية بافتراضه أن اقتصار المسؤولية على الشق المدني يمكن أن يكون أفضل بكثير من إلقاء المسؤولية الجنائية على عاتق الشركة، فالمحاكم المدنية يمكنها تقييم الضرر الناجم عن الإهمال وتقديم التعويض المالي للضحايا بشكل أفضل وأكثر مرونة من المحاكم الجنائية. بالإضافة لذلك، فإن الإثبات في القانون الجزائي يستند على قاعدة “الشك يفسر لصالح المتهم” ومن ثم يجب أن تبلغ الدعوى مبلغًا من اليقين ليتم على أساسها المحاكمة؛ بينما في القانون المدني فإن الإثبات يتم عن طريق معيار الاحتمال الذي يرجح القرينة الأقرب، ومن ثم فإن الأمر يكون أكثر سلاسة بالنسبة لسهولة الوصول للعدالة.
وتعدّ قضية شركة هولتون الهندسية ضد شركة تي.جي جراهام من أشهر السوابق القضائية التي سطر اللورد ديننغ من خلالها أحد أهم المبادئ القانونية التي ما زالت راسخة بقوله: ” تتشابه الشركة مع الجسد البشري من عدة نواحي، فهي تملك دماغًا ومركزًا عصبيا للتحكم في أفعالها، كما أنها تمتلك يدين تتحرك وفقا لتوجيهات هذا الدماغ. وفي حين يقتصر دور بعض الأشخاص فيها على العمل والخدمة ممثلين بذلك دور اليدين في الجسد فإن بعضهم الآخر يشكل العقل المدبر منبع الإرادة لهذه الشركة، وهم المديرون الذين يتحكمون في أفعالها. كما تنعكس الحالة الذهنية ذاتها لهؤلاء المديرين على الحالة الذهنية للشركة، ويعاملها القانون على هذا الأساس”. يعرف هذا المبدأ بـ ” مبدأ الهوية” الذي يقر بأن تصرفات الإدارة العليا تعكس أفعال الشركة بصفتها كيانا مستقلا، وقياسا على هذا فإنه في حال قد ارتكب أحد أفراد الإدارة العليا خطأ جسيما أدى إلى الوفاة فإن المسؤولية الجنائية قد تقع على عاتق الشركة.
أما بالنسبة للبرفسور كريس كلاركسون فإنه يتبنى وجهة نظر مخالفة لما جاء به البرفسور كانا، إذ يرى بأنه لابد من إدانة الشركات بالقتل الخطأ متى ما توافرت شروطه. ويعزو وجهة نظره إلى كون أن الشخصية المعنوية تخوّل الشركة بالاستفادة من مزايا الشخصية القانونية، ومن ثمّ فإنه من غير المعقول أن تتجنب المثالب الواردة على هذه الشخصية، وخصوصا أن القانون الجنائي يوفّر ردعًا وتقريعًا لكيان الشركة من خلال الإدانة العلنية وتشويه السمعة على نحو لا يستطيعه القانون المدني. وبهذا سترتدع الشركة عن أفعالها على نحو يضمن على الأقل عدم وقوعها في الإخلالات ذاتها مستقبلا كون أن الشركات ترتكز بشكل أساسي على سمعتها وأصدائها العامة.
وفي النهاية فإن الوقت هو وحده الكفيل بحسم هذا النزاع بين الفقهاء، فالرأي الذي يوافق الفلسفة الجنائية ويحقق أهدافها عمليا، هو الذي سيعم في النهاية. وقد تكون التجربة البريطانية أول من يزج بالشركات في السجون مجازا بتهمة القتل لتقود أغلب الدول نحو هذا المسير، وفقا للمثل الإنجليزي “هناك دائما، مرة أولى لكل شيء”.

رابط المقالة المترجمة:

0 382 09 يونيو, 2019 السابع بعد المئة, العدد الأخير, ثقافة وفكر يونيو 9, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.