جدلية فتوى تحريم “الببجي” وإشكالاتها

لـ



إن فهم النظام التشريعي الشمولي في الحضارة الإسلامية ضروري لاستيعاب الأوضاع الاجتماعية في حياتنا اليومية لا سيما ونحن نعيش في وضع سياسي يتعلق بمفهوم الدولة المدنية القائمة على علاقة المواطنة والقانون؛ ونقصد بالنظام التشريعي الكلَّ الذي يتضمن الفقهَ وأصوله والتدابير الوعظية المرافقة والأعراف الاجتماعية والعادات والتقاليد والتاريخ واللغة؛ إذ إن سلطة التشريع الإسلامي ليست سلطة إلهية محضة كما هو متصور في الأوساط الاجتماعية بأنه قول الله ورسوله؛ اعتمادا على النص القرآني: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا “؛ وإنما هو مزيج من النص وفهمه وتأويلاته؛ بل إن القرآن نفسه كان يراعي ساعة نزوله هذا المزيج الذي أثر وما يزال يؤثر في مجموع التشريعات والأحكام؛ وعليه فإن أهم إشكاليات الإفتاء في الوضع الإسلامي المعاصر ازدياد حدة الفتاوى الفردية داخل المؤسسات التابعة للدولة سواء أكانت هذه الفتاوى بتأثير السياسة أم بغيرها من العوامل، وغياب الفتاوى المؤسساتية العلمية المبنية على رؤية واضحة للظواهر الاجتماعية وأبعادها؛ يجعل حالة التناقض شديدة بين النزعة الدينية الشمولية ودولة المدنية والحريات والقانون.
إن الفقيه المسلم أصبح يطلق الأحكام التي هي نتيجةٌ لاستثمار النص والنظر في المصنفات الفقهية دون توصيف للعمليات والمناهج الأصولية التي اعتمدها عندما خلص إلى تلك النتائج والأحكام؛ وهذا الوضع يزيد من حدة العنف الأيديولوجي والتعلق بالفتوى اغترارا بمصادرها الشخصية دون النظر في طبيعتها وتحقيقها للمصلحة أو انبنائها على ما يسميه الأصوليون بـ”النظر الصحيح” تشغيلا للدلالة والقواعد؛ كما أن غياب “مناط” الأحكام تخريجا وتحقيقا يجعل سريان الأحكام على النوازل مبهما غير واضح كتحريم اللعب اعتمادا على القياس الخفي أو الاجتهاد والاستحسان، وهذا ما نلاحظه في فتوى مساعد المفتي الأخيرة إذ يحرّم لعبة الببجي لما لها من أضرار على الفرد يستدعي حجبها في السلطنة كما تزعم الفتوى المتداولة.
وعندما نعود إلى تلكم الإشكالات فإننا نلاحظ أن أمرا آخر يرتبط بمفهوم الفتوى في الأدبيات الفقهية والأصولية؛ إذ أصبح التعليم والتلقين للأحكام الشرعية فتوى وفقا للثقافة الدراجة؛ لذا وجب على القارئ أن يدرك أن ماهية الفتوى في أصول الفقه تتحدد بإصدار حكم تشريعي في القضايا الاجتهادية أو النوازل والواقعات التي لم تنصَّ الشريعة عليها بحكم؛ في زمن الاجتهاد وغياب القانون؛ فهي أصلا تقع في حدود المسكوت عنه، أو خارج دائرة التحريم، في المساحة الواسعة التي هي “الإباحة” أو الوضع الأصلي الذي يعبر عن مساحات الحرية الإنسانية؛ وفي حاشية ابن عابدين: “وقد استقر رأي الأصوليين على أن المفتي هو المجتهد، فأما غير المجتهد ممن يحفظ أقوال المجتهد فليس بمفتٍ، والواجب عليه إذا سئل أن يذكر قول المجتهد كالإمام على وجه الحكاية، فعرف أن ما يكون في زماننا من فتوى الموجودين ليس بفتوى، بل هو نقل كلام المفتي ليأخذ به المستفتي” (ابن عابدين، 2018: جـ1/ 162- 163)، وقد أشرتُ سابقا إلى أن غالب ممارسات مكتب الإفتاء وبرنامج “سؤال أهل الذكر” هي ممارساتٌ تعليمية وليست اجتهادات أو فتاوى، ولعل إلصاق حكم على واقعة اجتماعية محددة يعد من قبيل التسرع أحيانا أو مبنيا على معلومات غير مكتملة كما هو شأن الفتوى الأخيرة.
وإنما تأتي الأحكام الجديدة للواقعات والنوازل بناء على عوائد الشريعة في خطابها ونظامها في التشريع ومقاصدها؛ بعد اكتشاف المناطات واستقرائها، والمتمثلة في المصالح ودفع المضار؛ وعليها يعتمد المفتي في اجتهاده لإصدار حكم شرعي على واقعة جديدة تسمى نازلة، وهي في الأصل تقع في دائرة الإباحة أو الحرية الإنسانية كما الشأن في اللعبة الإلكترونية ببجي محل الجدل بعد فتوى مساعد المفتي بالتحريم؛ لذلك فإن وجود حاجة اجتماعية أو تشريعية ضروري لتحويل الفعل من دائرة الإباحة إلى دائرة التحريم؛ ومن العبث أن ينظر الفقيه في كل الأفعال الإنسانية المباحة ليحولها إلى محرمات فتتحول الحياة إلى جحيم بسبب تزايد تدخل الفقيه في الحياة الخاصة للإنسان في المجتمع، وذلك يستلزم أن تكون النوازل معدودة حتى لا ينهدم الأصل في إباحة الأشياء والأفعال خارج حدود المنصوص، وأما ما يرتبط بالتعليم الشرعي للعبادات والمعاملات المنصوص عليها وهو ما اعتاد الناس على السؤال عنه كأمور الصلاة والزكاة والصيام فإن مرده إلى إهمال الناس لأمور دينهم؛ ومهما كان مستوى الجهل بها فإنها لا تقع في دائرة الفتوى والاجتهاد لأنها معلومة ومنصوص عليها في كتب الفقه، ولقد نصّ ابن خلدون على هذه الممارسات المعتادة في الأوساط الإسلامية من حيث إنها لا علاقة لها بالاجتهاد؛ لذا كان لا بد من استحضار أمرين مهمين في سياق ممارسة الإفتاء اليوم هما:
أولا: عندما نستوعب أن عملية الاجتهاد عمليةٌ بحثية تستدعي الكثير من الأدوات والعمليات والمعالجات فإننا نستوعب في الآن نفسه أنه لا ينبغي للفقيه أن يمارس الإفتاء في النوازل كمسألة اللعبة الإلكترونية (ببجي) موضوعِ الجدل في مستوى السؤال والجواب مثلما يحدث في البرنامج الجماهيري “سؤال أهل الذكر”؛ وإنما على الفقيه أن يجتهد في تقديم توصيف يتضمن ملابسات إصدار الحكم على الفعل، وهذا ما يسمّى بالفتاوى البحثية؛ يبين فيها الفقيه كلَّ العمليات والأدلة والأدوات التي دفعته إلى إصدار هذا الحكم دون غيره كما يحدث في المبادئ القضائية والتشريعات القانونية؛ ليستوضح المتلقي الطرق والكيفيات التي توصّل بها الفقيه إلى الدلالة على الحكم؛ حتى يتسنى لكل الأطراف فهم الحكم والنازلة والوقوف على المصالح والقدرة على النقاش لا سيما والأمر يتعلق بالحياة الخاصة التي يتدخل فيها الفقيه ويخترق الحريات الشخصية لإصدار حكم يتم تحويل الفعل به من الإباحة إلى التحريم؛ كما أن على كل الأطراف أن تستوعب أن هذه الفتوى ليست نهائية وليست مقدسة ولا علاقة لها بدرجة سمّية لحوم العلماء؛ لأنها تقع في دائرة الاجتهاد الشخصي، ولا تتسم بالإلزام حتى تتحول إلى قانون في الدولة مر في خطوات تشريعية نص عليها النظام الأساسي للدولة؛ وإلا فإنها تبقى في حدود الرأي شرعا وقانونا.
ثانيا: أن مادة الفتوى أو الأدلة والأمارات، والتي تشتغل عليها العملياتُ الأصولية التي يسميها محمد باقر (الصدر، 2015) العناصر المشتركة وهي القواعد العامة التي تدخل في عمليات استنباط الأحكام؛ ترتبط مباشرة بالحقل المحدد وفقا للاختصاصات العلمية والأعراف الاجتماعية واللوائح فهي تتموضع في العناصر الخاصة للنازلة مقابل العناصر المشتركة؛ فليس للفقيه أن يعتمد على مجموع معارفه الشخصية حول الألعاب الإلكترونية لاستصدار حكم؛ لأن هذه المادة الخام التي تدخل في عمليات الاجتهاد لها سمات خاصة ولا يدركها إلا الخبراء في المجال ذاته، وفي علم النفس العام وعلم النفس التربوي والطفولة والاجتماع والتربية، أما أن ينفرد الفقيه بإصدار الحكم اعتمادا على معارفه الخاصة التي لا علاقة لها بتلك الاختصاصات أو قناعاته واتجاهاته فإن المجتمع سيدخل في مزيد من الاختناقات والجدل، وليس للفقيه أن يعتمد على توصيف السائل؛ لأن السائل والحال هذه سيدخل ضمن المؤثرات الخارجية في الحكم الشرعي؛ إنما يستدعي الأمر مشاركة الأطراف ذات العلاقة حتى يكون إلزام الناس بما لم يلزمهم به الله في كتابه مبنيا على نظام واضح بعيد عن الشطط والمبالغات الوعظية؛ لا سيما وأن الغلط في الاجتهاد وارد لاعتماده على القياس الخفي والعلل المستنبطة والمصالح المرسلة.
نلاحظ – تأسيسا على ما سبق بشأن الحرية الإنسانية في سياق الشريعة والقانون معا- أن قانون الجزاء العماني (م.7/ 2018) ينصُّ في المادة (3) على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، أي بناء على تشريع سابق على الفعل المجرّم؛ والشريعة استوعبت الأمر ذاته اعتمادا على النص القرآني بحيث إنه لا حكم إلا بعد البيان، فتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز عند الأصوليين، وتاليا فإن ما كان خارج المنصوص عليه هو في دائرة المسكوت عنه وفي مساحات الإباحة؛ وبهذا يلتقي التشريع الإسلامي في أصله مع القانون ومفاهيم الدولة المدنية في المحافظة على الحرية الإنسانية؛ ولكن الإشكالات التشريعية دخلت في منظومة الفقه الإسلامي بعد المرحلة التشريعية الأولى عندما وضع الفقهاء لاحقا أدواتهم لا سيما الاجتهاد المتمثل في القياس الجلي والخفي؛ ولذلك ينقل إلينا القاضي (الرصاص، 2009: 411) في جوهرة الأصول رفض بعض النُظَّار القياسَ كبشر بن المعتمر، والنظّام المعتزلي، وبعض أهل الظاهر، وطائفة من الخوارج، وقالوا: إنما لا يجوز التعبد بالقياس؛ لأن الشرع استقر قرارا ينافي القياس؛ ويزعم المستشار عبدالجواد (ياسين، 2000) أن رد القياس ورفضه هو انتصار لدائرة الحرية الإنسانية؛ لأن التشريع يجب أن يكون نصيا وضيقا لا يهدم أصله في الإباحة؛ وما نجده اليوم من شأن توسيع الفتاوى يرفع من قيمة الأغلال التي وضعها الله تعالى عن المسلم؛ فهو يريد حكما لكل شيء من أمور حياته على الرغم من أن السكوت عنها هو حكم بحد ذاته ولكنه حكم بسلب الحكم؛ فلا يستخدم هاتفه النقال إلا بسؤال المفتي، ولا يعاشر زوجته إلا بسؤاله، ولا ينتقي ملابسه إلا بسؤاله؛ ولا ينتقي لعبة إلكترونية إلا بسؤاله، ولذلك فإن الفتوى الأخيرة بشأن الببجي كانت من بين تدخلات الفقيه في الحياة اليومية المعتادة، لا سيما عند غياب المناط والأصل الذي يبنى عليه الفقيه حكمه أو أن الفتوى مبهمة غير واضحة كعادة كثير من الفتاوى في العالم الإسلامي.
إن قضية التحريم لفعل من الأفعال التي يأتيها الإنسان في حياته، أو اعتاد على ممارسته لا يعدّ تحريما للفعل ذاته فحسب، وإنما يتجاوز إلى الصحة النفسية لهذا الإنسان، وكان على الفقيه أن يتأمل ما يستتبعه التحريم، من ضرر قبل الحكم بسبب ما فيه من ضرر مبهم أو متوهم؛ لأن مطلق الضرر ليس علة لتحريم الشيء أو الفعل؛ فتناول السكر بكميات وافرة يعد ضررا يقينيا على صحة الإنسان ومناعته، والإسراف في تناول الطعام والمبالغة في الشحوم والزيوت يعد ضررا أيضا، بل إن الإسراف في العبادة بحيث تترك أعمالك ومعاشك يجر إلى الضرر، ولكن لا يستطيع الفقيه القول بأن السكر محرم، والشحوم محرمة، والعبادة محرمة؛ لأن المحرم هنا أو كاد هو الإسراف ومجاوزة الفعل لحده الطبيعي، وهذا ينطبق على كل الأفعال الإنسانية وليس فعلا بعينه حتى يتوّهم علة أو مناطا للتحريم، وبين الأمرين فرق لا يغفل عنه الفقيه اليقظ؛ لذلك يمكننا أن نضع اعتبارين في تحريم لعبة الببجي بناء على الضرر الوهمي الذي ذكرته الفتوى في شبكات التداول:

  1. الشعور بالإثم الذي يرافق الفاعل بعد تحريم لعبة الببجي التي كان يمارسها دونما شعور بذلك؛ مما يعرّض الفاعل لحالة الصراع الداخلي أنه يمارس فعلا محرما، مع ما يكابد من رغبة ونزوع نحو الفعل الذي تغير حكمه بسبب رأي شخصي لفقيه داخل المنظومة الدينية، وهو رأي خرج به الفقيه بالنظر عبر زاوية محددة دون مراعاة لمثل هذا الجانب الذي يراعيه القرآن والتشريع في عوائده ومآلاته كما هو في واقعة الصيام وأسباب النزول فيه “عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ”.
  2. إن الشعور بالإثم والصراع النفسي مؤدٍّ لا محالة إلى ظهور العنف والإكراهات على الطفل والإنسان بعد التحريم؛ إذ سيقوم كثير من الآباء بكبح رغبات أبنائهم بسبب اقتناعهم بفتوى التحريم، وهذا إمّا أن يؤدي إلى الامتناع الكلي مع النزوع والرغبة المكبوتة التي تولد حالة من العنف النفسي الداخلي، وإما إلى الممارسة في الخفاء، مما يفتح المجال لفعل هو أشد ضررا وتحريما كالكذب والنفاق داخل الأسرة والمجتمع بسبب كثرة المحرمات عبر احتكاك النص بالفقيه وعقله ورغباته وقناعاته؛ فتتحول المجتمعات إلى ثقافة العيب والنفاق الاجتماعي وممارسة الفعل بعيدا عن أنظار المراقبين.
    لو عدنا إلى فتوى تحريم الببجي نلاحظ أن الفقيه لكي يحرم اللعبة لا بد أن يستدعي أصلا تبين فيه ومن خلاله “العلة” أو مناط الحكم منصوصا عليه أو مستنبطا؛ فإن كانت العلة من المنصوصات في الخطاب الشرعي؛ والخطاب المحرِّم موجود فعلا؛ فإن القياس جليٌّ، ولكن إن كانت العلة مستنبطة فإن الأمر لا يخلو من الاجتهاد والاستحسان وهو عدول المجتهد عن مقتضى قياس جليّ إلى مقتضى قياس خفي، أو عن حكم كلي إلى حكم استثنائي مثل الإباحة في اللعب مثلا، إلى تحريم لعبة محددة؛ لدليل انقدح في عقله رجّح لديه هذا العدول (خلاف، 1956: 79) وفي فقه الألعاب إن جاز لنا هذا التعبير لتمثيل ظاهرة التحريم لألعاب محددة في مصنفاتهم نلاحظ الآتي:
    أولا: أن مادة اللعب (ل. ع. ب) وردت في سياقات قرآنية لا علاقة لها بتشريع ممارسة محددة بقدر ما كانت توصيفا للحياة الدنيا أو تحذيرا من مغبة تحويل القضايا وتفريغها من المعنى والاستهزاء بها؛ مثل: “اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ” أو مثل قوله: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ” وهذا السياق لا علاقة له بتشريع ممارسات الألعاب وتحريمها بقدر ما تحمل في الدلالات الخفية على الإباحة.
    ثانيا: تشريع لممارسة محددة جاهلية لها نظام وتوصيف خاص وهي “الميسر” وورد في القرآن في ثلاثة مواضع هي آية البقرة: “۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ” وآيتا المائدة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” و”إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ”.
    ولاحظ الباحث محمد الحاج (سالم، 2015: 1) أن “ربط الميسر بالخمر في الحالات الثلاث ودون أي ذكر منفصل لأحدهما عن الآخر في جميع النص القرآني، ثم ذكرهما مقترنين أيضا في سياق تحريمي يشمل ممارسات وثنية أخرى، إلى وجود علاقة ما بين الخمر والميسر لا يمكن فهمها إلا في إطار السياق الشامل الذي ذكره القرآن: التعبّد الطقسي الوثني”، وقد أخطأ كثير من الفقهاء في مفهوم الميسر وعلة التحريم؛ إذ يلاحظ أن الميسر ليس لعبة معتادة كأي ألعاب الترفيه وإنما هو “تقامر موسري العرب عند الجدب شتاء بالأزلام استمطارا للآلهة من خلال نحر إبل على الأنصاب في جو من اللهو والغناء وشرب الخمر” (سالم، 2015: 2) فهذا المشهد بكامله يمثل الميسر، ولا يمكن عزل المفهوم بمفرده ليقال بأن الميسر هو القمار؛ لأن التحريم ليس للقمار وإنما للميسر وهو طقس وثني؛ فأجواء الشرك هي سبب تحريم الطقس، وكانت عادة العرب أن صبايا القبيلة يقمن بدعوة الرجال إلى إقامة الطقس بخروجهن شبه عاريات إلى ساحة الحي استنجادا بالآلهة كي تمطر السماء في مواسم محددة، فالميسر هنا عوضٌ عن العبادة والزكاة معا في مؤسسة الكهنوت الجاهلية وله أبعاد دينية واقتصادية واجتماعية وسياسية وليس أمرا عبثيا كما يعتقد البعض (سالم، 2015: 3) ولقد خطا الفقهاء بسبب غياب الفهم السياقي الكلي خطوات للتحول من تحريم الميسر إلى تحريم القمار ومن ثَمَّ تحريم اللعب الذي أصبح ذاكرة فقهية عند من يمارس الفتوى وهنا يكمن الإشكال.
    إن الغلط في استنباط العلة، وتحديد مفهوم الممارسة الفعلية في نص أصلي مؤد إلى اشتغال القياس الخفي أو الاستحسان اشتغالا لا ينتج إلا فتاوى التحريم؛ إذ أصبح تعريف الميسر النظام الاقتصادي والطقسي بأنه قمار على الإبل (ضرب القداح) لا سيما بعد الغياب عن المصادر اللغوية القديمة، وبالتالي فإن الفقيه سيحرم كل الألعاب بعوض محدد لأنها قمار تشترك في العلة مع الأصل وهو الميسر، وبهذا أدخلوا الشطرنج والنرد وخرَّجوا بشأنهما أحاديث مرفوعة لا تستقيم أن تكون من ألفاظ النبي (ص) اعتمادا على ابن عباس وتأويلاته وهو يومئذ لم يجاوز الحلم؛ لأن ذلك كله أكل للمال بالباطل عندهم يستدعي تحريم أشكال متنوعة من المعاوضات المالية والمسابقات حتى بلغ بهم الشطط إلى تحريم الألعاب الإلكترونية بدعوى أنها تلهي عن ذكر الله وتجلب الأضرار وتلك علة لا يمكن أن تصمد أمام النقد العلمي في تعاطي التحريم الذي يتأسس على القطعيات؛ لأن مطلق الضرر لا يحرم الفعل.
0 2006 20 يونيو, 2019 السابع بعد المئة, العدد الأخير, ثقافة وفكر يونيو 20, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.