أزرق

لـ


هل كانت تُشْرع ذراعيها للبحر، أَمْ أنها تدعوك
لتُطِلّ
على الميناء الأسطوري، من شُرفة مقصورتها
الذهبية!
واجهاتٌ قوسية، سقوفٌ أسطوانية، خيولٌ عربية،
نقوش، قرميد، زلزال
مدافع،
أنوفٌ مجدوعة، آذانٌ مقطوعة..

“بيبي مريم”؛ صاعدةً فوق جرف بحري، إلى المدينة
الأثرية،
ومن تحتها تجري الأنهار.
سلسبيلَ أباريق، عروقُ الأرض تفيض.
طيفُ ألوانٍ يتوهج، شغفُ الجدرانِ حَجرٌ مسكون
بالمُرجان؛

حجرٌ كريم في اليد المأخوذة بالتمائم، حجرٌ
صقيل في القصر المأهول بالأحجار، حجرٌ
في مقلاع صبي، والعقارب تدور
في ذات الدائرة المغلقة،

شبحٌ يطير
أطفال
ركام
طائرة ورقية، أشْعلتها الشمس!

من أعلى نقطةٍ في قلب تلك الجبال ينهار سقف. إعصارٌ في رأسِ ذلك البحرِ يغري بدوران أبدي في حَلَقة صوفية. ثمّةَ يابسة
تُشرّح
جُثة عنقاء،
وبلاغةٌ تمُطّ أنْف جُملةٍ يتيمة، تحت عين ميكروسكوب،
في مختبرٍ يَكْبُرُ رأس نَمْلة.
المراكب مُدرّعة بالخوص. غرق بدائي تحت مطرقة جوقة كلاسيكية.
رُبْع خالٍ تَفَتّق حَلَمة، يَمّمَ بعيدا. هكذا ترنّح عجوز
فوق حمار الضحك. إلى أين أيها الجحش الوفي؟
مَنْحوتٌ في الجَصّ نهارٌ يتباهى. إذن؛ في سُبات كهف عميق،
تَرقُد نهضة!
نهرٌ غرير شقّ صدْر أمّه إلى الهاوية.

في الزمن الذي يُهرول نحو حتفه، سُلطانة
تعتلي عرش البحار، وساعة شمسية
تقود الجداول إلى الحقول؛

تتقافز دلافين، يتضاحك بحّارة صور، رغم
الاسقربوط،
في مواسم الريح الطويلة:

حناجرهم شراع مفتول، تُنْشد الشوباني. ينطلق
الرحماني، يرُدّ الكاسِر في انكسار الموج والبحر
مرآة السماء.
لم تزل ثَغْر عروس البحر منارةٌ تُلوّح
للماضي
بقبعة القناديل؛

صَهْ؛ هل تسمع؟
صفيرٌ ناعم
وبحر
يعوم
مُدغدغاً صندوق الحكايات، في رأس سلطعون
يتريض فجراً.
مِن ذلك الرأس، رأس الحَدّ
تَطْلُع شمس
والنائم فوق أرجوحة بحرية يستيقظ وفي رأسه
حورية بحر.
سليكون منثور يتراقص. زبَدُ موجةِ بِيرةٍ مُبرّدة تَلْطم
مؤخرة الصيف.
غابة أعشاب البحر تشرب من لازورد. سرب
نوارس
في إثْر سرب سردين مُهاجر.
وزُمُجُ الماء اليافعة ريشها رمادي، سيقانها رشيقة
تضرب الرمل الطيني،
لتَخْرُجَ الديدان البحرية تتلوى في منقارها الدقيق،

الأعشاب التي بلا جذور، يتقيؤها بحر الصباح، ليأثّثُ
النورس عشّه
فوق صخر المحيطات؛

كان الكوخ صغيرًا، تعلوه سقيفة من سعف النخيل،
مُحاطاً بألواح خشبية في بعض أركانه.
مثالي كان الكوخ، تلابيب لهيب، ساحرةٌ في رقصها
مع الريح، وبحرُ الليل مايسترو
في خفّة رحّال؛

هل شممْتَ عنفوان امرأة البحر؟ شعرها؟
كان صوت البيانو عاليًا تحت الماء،
في السيمفونية
الغارقة.

لساحلِ الذهبِ بوابة لا رَجعْة منها. كلاب
الصيد
تنبحُ المطاردَ وسط الأدغال:
حصنٌ يتقيأ أمعاءه.
إنها قطرة الحبر ذاتها، سائلة، لكنْ
بكثافة تتغير..
طاقيةٌ لاجئة،
فوضى الأرصفة،
بالكاد يدركُ العتّال الأسود رائحته؛

فوق السطح يَبْيضّ وجه القرصان، من شدّة العاصفة:
زوابع، عفريت بحر يخرج من قمقمه، تغرق بارقات،
وسلحفاة
خضراء تَعود إلى عُشّها.
دم أزرق يَسيلُ في عروق الأرض، ويْلُكم؛
لوكيميا زرقاء!
هناك فاكهة خمّرتها الخيانة. هيا؛ تناول واحدة
وجرب عصارتها؛

أتحنُّ إلى النهر؟
هروبٌ عن قلعةٍ طاعون
ماذا..!
هروبٌ عن قلعةِ طاعون
أيها النرجسي؛
كيف قتلتَ الجريمة، فلا تسكن مرآتك؟
هيا أخبرنا..
إذن؛ البطل ليس الزمن، متزلجًا فوق انحناءات
مدار السرطان!
يمكن أن تكون مرآة ضعيفة النظر، وَقَع منها زمن
على رأسه يُقَهْقه:
“أجول فوق عجلة بلا قرار، بين هذه الأرواح
العجفاء”؛

بعد قليل ينقلب المعبد مدفنا. ولسان بطة
يندلق
كلما اخترق الشارع نافذة المدينة.
استغاثة بكماء تلك، رائحة بارود معطوب!

اسمع: “أتوق لأن أبتلع الأزرق كله في جرعة
واحدة
تهوي
إلى القرار، ثُمالةً معتّقة”.
أحيانا؛ صوته الأزرق صرير يتسرب من أعماق
سحيقة. وأحياناً يجتثّ تلك الابتسامة
الرخوة، معلّقة من أخمص قدميها
تميمةً
فوق جدار العائلة،

في الشرايين لافا زرقاءُ، تُعَربدُ. هيّا شاركنا
الكرنفال،
وعيونٌ صنوبريةُ تنتشر فوق الجلد. إنه موسم
الجراد؛

هكذا يدفن البحارة موتاهم
نعم هكذا..
في بطن البحر.
ويرحل الغواصون برئاتهم تبتلع المحيط
بينما قبائل العَثّ تَنْشُط في كشط الرمل عن
صَدَفة خاوية!

انتظر لحظة، لا ترحل، تمعّنْ قليلا..
سماء تنزل من على سُلّم اللوحة. غروب
في بحيرة ملح. يتثاءب الرسّام، حاشياً لفافته
بقناديل بحر مُشعْشعة.
إنه غروب؛
زمنٌ أحمرُ في لُجّة زرقاء مظلمة!
إذن
شيّد قلعته، هكذا..
موجةٌ تلو موجة، وتسقط
القلعة. يتبخر
الخفْر في البوادي.

وأنت فوق بساط الريح الأزرق تقول لي:
“شاسعٌ من أعلى.. غابة
تَمُوج ببطنها الزرقاء”!
يدٌ مُعَلّقة في الأفق، تنبُشُ بحثًا عن كلمات؛

تنهد عجوز تساقطت لآلِئُ وجهه المخرومة بالتبغ..
بحرُ كنز، لكن ربما هي الشمس قاسية هنا،
لذلك حتى العُماة، يتحصّنون خلف نظارة
مُعْتمة، ودموع
أيوب بيضاء صقيلة. تابوتٌ ذاهب إلى وظيفتة، بزكام
مزمن. والمَشْفى كراج
سعيد
تعلوه بَنديرة.
ورغم الغَبَش، تتضح الرؤية، مُلقاة على الناصية:

هل تذكر زنبقة الماء تلك، تحت قبّة من المجرات والنجوم،
قبالة لازورد والشمس تنهمر بغزارة!

إذن مسعورة. مَلِكة؛ هذه، تلك، ربما..
حلبة مربعة أو مستديرة، كولوسيوم.
تهليل، عواء..
مَسرحٌ يَسْرَحُ في عَتْمته. مدينةٌ
بأذنابها العالية، تخلط أوراق اللعب؛

كما لو في ليلة عرس، يتعامد جسدُ الخرائط الطريّ.
تَندلعُ شرارةُ الطبول، تَهطلُ الأبواق، تُدَخّن المزامير.
ترتفع البالونات، تُفْتح البراميل، سماءٌ تُفَرقِعُ ألعاباً
نارية!
مومياء القصر في رقصة زار هستيرية.
رادار
يُسمي الأشياء بأسمائها: الغابة هي الغابة
واللون أزرق!

0 233 23 يونيو, 2019 أدب, السابع بعد المئة, العدد الأخير يونيو 23, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.