بين الإبداع الشّعريّ والنّقد

لـ

الملكة الشّعريّة ليست صفحة بيضاء فارغة، فهي تتأثّر بـ”النقد” إمّا ميلًا غير مشعور به وإمّا فكرًا يتوخّى، وإمّا علمًا مؤطّرًا، ولنا في الأدبين البريطاني والأمريكي أمثلة كثيرة على من جمع بين التنظير النقدي والنتاج الشعري؛ من ذلك أنّ الشاعرين ويليم ووردزوورث (1770-1850) وصمويل كولريدج (1772-1834) وضعا في تمهيدهما للمجموعة الشعرية المشتركة، “القصائد الغنائيّة”، ما يمكن عدّه الأطر الرئيسة للرومانطيقيّة؛ والشاعر والناقد الثقافيّ الفيكتوري ماثيو آرنولد (1822-1888) كان يكتب مداخل نقديّة لقصائده؛ وفي العصر الحديث نرى أنّ الشاعر الأمريكي عزرا باوند (1885-1972) كان من أوّل من وضع أساس الاتّجاه الصوري، كما نرى شاعرًا وناقدًا آخر مرتبطًا بالاتّجاه ذاته، وهو تي إيس إليوت (1888-1965)، صاحب “الأرض اليباب” و”أغنية حبّ لـجي ألفرد بروفروك” الشّهيرتين؛ فمقالات إليوت النقديّة الراسخة مثل “التراث وإبداع الفرد” أسهمت في تأسيس الحداثة الشعريّة في العوالم النّاطقة بالإنجليزيّة عامّةً وفي إحياء الشعر الميتافيزيقي خاصةً؛ وإن كان ما أورده هؤلاء في مقدّماتهم الشعرية أو في مقالاتهم النقديّة لم يتطوّر إلى مدارس واتّجاهات فإنّنا نجد في “النقد الجديد” مدرسة نقديّة تعنى في المقام الأوّل بتحليل النصوص دون الالتفات كثيرًا إلى سياقاتها؛ واللافت للانتباه أنّ الناقد الذي لعب دورًا رئيسًا في تأسيس هذا الاتّجاه كان شاعرًا أيضًا: ويليم إيمبسون (1906-1984) .
وجه الربط بين النقد، علمًا وفكرًا، والشعر، شعورًا وعاطفةً، فيما ذكرت في الفقرة السّابقة هو الجمع بينهما، و”الجمع” كلمة غامضة مخاتلة؛ فهي تحيل بنا إلى كيانين كليهما مستقلّ عن الآخر، وهذه الإحالة تخفي بدورها أوجه الأثر والتأثير، وألوان التداخل والتفاعل بين الشّعر والنقد.
سأنتقل هنا، بشيء من النرجسيّة، لا ريب، إلى تجربتي الشعريّة والنقديّة محاولًا تبيان بعض وجوه التداخل بينهما؛ ولمّا كنت أؤمن بأنّ النقد تفاعل شعوريّ مقيّد بإطار فكريّ فأنا سأبدأ بقصّة كانت أولى شرارات شعري ونقدي؛ أذكر أنّي عندما كنت طالبًا في المرحلة الإعدادية ذهبت ذات مرّة إلى السّوق مع أبي، وبينما نحن ماشيان لفتت نظري امرأةٌ سوداء سوادًا شديدًا، وذات ملامح شديدة الخشونة؛ كانت، حسب معايير الجَمال السائدة، “دميمة”؛ ولما كنت في صغري مسكونًا بصور الرومانس تخيّلت هذه المرأة عروسًا في ليلة زفافها، منزّلة رأسها من الحياء، يأتيها زوجها ويرفع رأسها ليرى وجهها، فجاءني، “لن يقول لها عريسها، ’الله ما أجملكِ!‘ وإنّما قد ينفر منها؛ ما الذي تشعر به هذه المرأة”، تساءلت متعاطفًا، “إذا ما أحسّت أنّها لن تكون مبعث السّعادة لزوجها المحبِّ للجمال؟” واصلنا المشي، وإن هي إلّا خطوات وإذا بي أرى امرأة أجنبيّة ممشوقة القوام، بيضاء اللون، ناعمة الشعر؛ فجاء في بالي، “هذه سيقول لها عريسها، لا ريب، في يوم زفافها: ’الله ما أجملك!‘ هذه سترقص، حتمًا، فرحة كلّ يوم بأنّ زوجها يصبح ويمسي بجمالها وأنّه فرح بها”؛ شدّني “قبح” هذه و”جمال” هذه في تلك السّاعة، ولكن شدّني أيضًا عند استرجاعي الموقف لاحقًا أنّ “الله” كان له حضور في ردّة الفعل التي نسبتها، متخيّلًا، إلى زوج السّوداء وزوج البيضاء.
هذا الحدث، مع ما فيه من تأمّلات ربّما بدت ساذجة، كان نقطة فاصلة لتشكّل وعيي؛ فمنذ تلك اللحظة صارت لي السّماء والمرأة السّوداء (تلك التي سمّيتها “الزنجيّة” في أشعاري) إشكالًا جماليًّا وفكريًّا وأخلاقيًّا، فهما أحيانًا تعبير عن الأسى والتحسّر تعبيرًا فيه قدر من الغضب، كما في النّصّ الآتي:

صويحباتي الزِّنجيَّات

صويحباتي الزِّنجيَّاتُ
أتَودَّدْنَ أنْ أشبِّهكنَّ
بالقَواريرِ؟

كلا
لن أتَغنَّى لَكُنَّ
فلستُ أنا من يَأتي
سَفينَةً
سوَّدَتْها خَطيئةُ جَدٍّ أَرعَن.

كلا
لنْ تَهُبَّ الرِّيحُ
ولنْ تَبيضَّ الوجوهُ
ولن تَتفطَّرَ الجفونُ
ولن تهديَكنَّ النُّجومُ

فارحلْنَ
ارحلْنَ

أيَّتها الزِّنجيَّاتُ الدَّامسات.

إلّا أنّي أراني في أغلب مواضعي غير شاعر تجاه “الزنجيّة” أو “السماء” شعورًا كان في هذه الحدّة، فأنا أتساءل دائمًا كيف يمكن أن يبلغ المرء مبلغ اليقين؛ فتعجّبي من المؤمن تعجّبي من الملحد، تعجّبي ممّن يقول “أنا” تعجّبي ممّن يقول “أعوذ بالله من كلمة أنا”؛ هذا التعجّب المشوب بالانزعاج وربّما حتّى بالتّألّم أحيانًا يتحوّل تارةً إلى توق إلى يقين، كما في النّصّ الآتي:

أُريْدُ سَماءً

أُريْدُ سَماءً
تهرُسُ جَسَدي
تصهَرُ روحي
فأغْدو ذَليْلًا مُنْكسرا.

أريْدُ حَبيبةً
تعصُرُ قلبي
تزمِّرُ لي بمزْمارِ داوُدَ
فتارةً أصلّي صَلاتَه
وأراقصُ الجبالَ والطّيرَ
وتارةً أَلتَوي على نَغَماتِها
وأَنثَني على مَيَلانِ جوارها.

أريْدُ يَقينًا
يَجمَعُ كفَّيَّ
فيَنفخُ فيهما نَفْخًا
أُزمّلُ به عُروَتي الوُثْقى
فأنَامُ ساكنَ العَينِ ساجيَ النّفسِ
مع سجدةٍ سَرَقتُها
من مشكاةٍ
كانت في خَيْمَةِ جَدِّي
المدبَّجةِ بلُؤلُؤَةٍ مجوَّفة!

من هنا لم أتمكّن قطّ من أن أقف من جيفارا وأمثاله ممّن يعدّون مناضلين أو شهداء كلمة أو أبطالًا أو فاتحين موقف المعجَب بهم؛ وإنّما موقف المتعجِّب بل ربّما حتّى الحاسد منهم: كيف كان لهم من اليقين ما جعلهم يتركون الدَّعَة والعيش الرَّغَد ويتيهون محاربين في الأدغال، عرضة لكلّ ألوان الخطر وفنونه؟ وكنت إذا تساءلت هكذا استندت، على نحو غير خال من المفارقة، إلى شيء يشبه اليقين؛ فمع ما بي من شكّ في كلّ شيء كنت وما زلت أراني أستبعد أن يكون باعث جيفارا وأمثاله ردًّا للظلم أو دحرًا للإمبرياليّة أو انتصارًا للشعوب المقهورة؛ فهذه كلّها عندي كليشيهات، من المنظور النفسي، أقرب إلى إخفاء بواطن الفرد منها إلى إبانتها، وأقوال، من المنظور الفلسفي، يحيل بعضها إلى بعض في دائرة لا مخرج لنا منها؛ فربّما كنّا نحن إفراز الخطاب السّائد أو قولًا من أقواله؛ وإن كنّا كذا كان شأن الثّائر منّا شأن الصّاغر، عليه فلا هذا حقيقٌ بالتوقير ولا ذاك حقيقٌ بالتحقير؛ وقد زدت اقتناعًا بهذا الرأي في أثناء تأليفي لـ”في القصيدة العمانيّة الحديثة، نحو نقد ثقافي”، ولا سيّما في إعدادي لإطاره النظري.
سعيت إلى إبراز هذا الأثر الخطابي شعرًا في مجموعة كتبتها أثناء تأليفي للكتاب النقدي المذكور؛ فقد حاولت في “بوح خالد آل خالد” أن أقدّم، مستثمرًا تقنيات السّرد والحبكة، والمونولوج، والمحاكاة السّاخرة، والإحالات الأسطوريّة الصريحة تارةً والضمنيّة تارةً أخرى، والأغاني الشّعبيّة، ومراوحًا بين لغة بسيطة يوميّة تارةً ولغة معقّدة فيها وجوه من المبالغة، شخصيّةً تعي تأرجحها بين خطابات الدين والوطن والصوفيّة والتعليم المدرسي؛ إلّا أنّ لها من الثقة (أو ربّما كان الأدقّ أن أقول ثقة في الشّكّ!) ما لا تلجأ به لا إلى آية عدّت معجزة ولا إلى حديث تنوقلَ ولا إلى خريطة رسمت في كتاب تربية وطنيّة، شخصيّةً تعاني انفصامًا وتعيه، فتمدّ يدها إلى نصفها الثاني مناشِدةً إيّاه:

تعالَ أيّها الحرف
تعالَ
ضُمَّ يدَك إلى يدي

زادُ كلينا قليل
سفرُ كلينا طويل

فقد أتى الموجُ على المحرابِ والحانة
ولا شيءَ بين الحطامِ
سوى ذئبٍ مذعورٍ
تتدلّى شفتاه
وكأسٍ وقيثارةٍ غبراوين
وصويحبةٍ زنجيّةٍ لي
مكلومةِ الفؤادِ
منفوشةِ الشّعرِ
تنظرُ رسولَ عاشقٍ يقرنُها بالقواريرِ.

هذا اللجوء إلى الذات وهذه الثقة فيها كان انتصارًا لها واحتفاءً بها منبعًا لكلّ المعاني، دينيّة سماويّة كانت أم علميّة أرضيّة؛ على أنّ هذه الثقة الباقية أتاها ما قوّضها أثناء تأليفي لـ”الرواية العمانيّة من منظور النقد الثقافي”، فقد بدأت أدرك أنّ هذه الذات نفسها إنّما هي إفراز شبكة معقّدة من العلاقات شأنها في ذلك شأن السّماء وشأن الزّنجيّة؛ وإذا صرت غير قادر على رؤية الزنجيّة رغم كونها كيانًا أنطولوجيًّا، وإذا كنت غير قادر على رؤية السماء رغم برْقها ورعدها فإنّ الذات، هذه الكلمة المطّاطة، أعسر منهما على اللمس والرؤية بَلْهَ الاستيعاب المجرّد؛ من هنا صرت أميل إلى قبول المعنى لا إشكالًا ولا ألمًا، فهذان كلاهما يفترض وجود شيء أسبق منه، وإنّما مخاضًا لاتّفاقات وصدف لا وجهَ منطقٍ لها ولا فيها.
مع ما في هذا الإقرار من سوداويّة، إلا أنّ تلك السّوداويّة قابعة بعناد بغيض في الذهن فكرًا مجرّدًا، ولم تتحوّل حتّى الآن إلى القلب معاناةً شعريّة؛ لم تعد العدالة السماويّة هاجسًا لي كما كانت، لم يعد كلام زوج الزنجيّة ولا كلام زوج البيضاء الناعمة هاجسًا لي كذاك الذي كان؛ بل حتّى إن خرجت من عيني دمعةٌ في لحظة شككت في اللحظة التالية في الدمعة باعثًا؛ والنتيجة نضوب مَعيني الشعري؛ ربّما كان مردّ الأمر أنّي أمرّ بما يسمّى بالهدوء أو السكون الرِّواقي، وإن كان الأمر كذا فإنّه حتمًا لا يتضمّن إيمان الرّواقيّين بأنّ المعرفة يمكن أن تنال بإعمال العقل وأنّ الصواب يمكن أن يميز من الخطأ؛ أقصى ما يمكن أن أدّعيه من العلم هو أنّ شكّي في يقيني آل إلى يقيني في شكّي؛ أيًّا كان المردّ فأنا لم أكتب منذ أكثر من سنتين غير نصٍّ واحد سأختتم به مقالي مع يأسٍ أنّ معجم هذا النّصّ لم يعد يثيرني:

سَمائي السَّابعة

كلّا يا صاحبي كلّا
لن تفتحَ لي بعدَ السَّادسةِ السَّماواتُ
فالسَّابعةُ تُبِعثرُ خَيْطي فَجْري
وتُنزِلُ لي مطرًا وكتابا
فأروحُ، مترنّحًا ،أركعُ
لـ”قافِ” القمرِ و”شينِ” الشّمسِ

كلّا يا صاحبي كلا
السّابعةُ تُريني دمْعةْ
ذرفتْها زنجيّةٌ لي في بحيرةْ
رأتْ فيها ورْدةً سوداء
صوَّرتْها
ثمَّ ألقتْها، زاهِدةً، سماءٌ سابِعةْ
تشتهي نَرجِسا

كلّا يا صاحبي كلا
السّابعةُ تنسلخُ عن جِلدِها
فتطفو عليها زُرْقةٌ
تُربكُ عليَّ المثانيَ من السَّبعِ
فأسمعُ ربابَ العَصْرِ في العِشاءِ
فأهرعُ بأُذنيَّ إلى صومعتي
أنزعُ فيها القلمَ وأهزُّ الكرسيَّ
ثُمَّ أبدأُ بالتّحيّاتِ صلواتي

إليها عنّي يا صاحبي
إليها عنّي
سأرتاحُ قليلًا لأستجمعَ قواي
وأختمَ بالفاتحةِ سادستي
فلم يبقَ منها سوى
قطراتٍ من التَّقوى والوطنْ
أنثرُها، منًّا وسلوًى،
على من يأتونها عُصْبةً
يقتفَونَ أحدَ عشرَ كوكبًا وأبًا حانيا
أو “بِدونًا” بائسينَ يبغُونَ حبلا
أو عَذْراواتٍ يلتمسنَ كِسرةً من القمرِ

إليها عنّي يا صاحبي
إليها عنّي
فلا أريدُ أن تفتحَ لي بعدَ السَّادسةِ
السَّماواتُ.

0 253 07 يوليو, 2019 الثامن بعد المئة, العدد الأخير, ثقافة وفكر يوليو 7, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.