شطط سياسي على شواطئ الخليج العربي

لـ


عندما يضع إنسان هدفًا كبيرًا أو جملة أهداف نصب عينه الطموحة – الحالمة بالتفوق والتميز – ويشرع في التعامل مع هذا الهدف باعتباره التجسيد الأسمى لمعنى التفوق والنجاح، ويجهد في تهيئة كافة الظروف المحيطة لإتمام تحققه، فإن صاحب الحلم الكبير ملزم سلفا أن يكون قد واءم بين قدراته ومكامن القوة التي تختزنها ذاته من جهة، وبين الهدف الذي ينشده؛ إلا أن الشائع – في العديد من المواقف التي نشهدها – هو خلاف ذلك، وعاين معظمنا بعضًا من الحالات التي تحكي تفاصيلها كيف أن المسار العملي الواقعي للعديد من التجارب- الطموحة بلا مواءمة – جاء كاشفا بقوة ودونما مجاملة أو مراعاة خشية الشعور بالخيبة، عن حجم الهوة بين عنصري المعادلة، ويظهر علنا كيف أن كل هذا الصخب الذي صاحب التجربة، لم يكن سوى ادعاء زائف، واستعراض صوتي مجهد بلا طائل. عند هذه اللحظة تحديدا، وهذا ما يؤكده علم السلوك الإنساني، فإن صاحب هذه التجربة في الغالب، إن لم يكن يتمتع بقدر غير قليل من الجرأة والقوة الذاتية تؤهله للإفصاح عن افتقاره للمقومات التي تؤهله لتحقيق حلمه المعلن، وبقي على إصراره ماضيا في ادعائه الزائف، فإنه يغدو بلا أدنى شك ” منافقا “، يقول شيئا ويقصد شيئا آخر، وكل ادعاء يطلقه، أو كذبة يفبركها ستستدعي بالضرورة سيلا جارفا من المعالجات والترميمات للتغطية أو التعمية.
والسؤال الآن: هل الذي ينطبق على الفرد وسلوكه في هذا المسار ينطبق كذلك على الدول؟ على الأرجح أن نعم، فالذي يصنع الأهداف الكبرى والمصالح العليا في النهاية هم أفراد، تموضعوا في مراكز قيادة الدولة ورسم سياساتها. ولهؤلاء دور مهم، وتحديدا في دولنا العربية، بإضفاء مزاياهم الشخصية وطرائق تفكيرهم وطبائعهم السلوكية على شخصية الدولة وهيئتها العامة؛ وهي حالة تنامت بصورة أكبر مع وصول ما يعرف بـ ” القيادات الشابة ” أو ” أصحاب الريادة ” والأحلام النهضوية الكبيرة. وفي حال كان هؤلاء من الحالمين بالتغيير، محليا وإقليميا، وربما الانخراط في ألاعيب كبرى على مستوى دولي، ولديهم ما يعرف بـ ” بنك الأهداف “، فإن فصيلتهم المتوقدة، كانت قادرة بامتياز على إيقاظ كل الطاقات المتوحشة والحماقات السياسية، وممارسة الألاعيب الدموية بأعصاب باردة، إضافة إلى التمظهر اللامنقطع بلامبالاة مفتعلة مع كل هزيمة أو معاندة الأحداث والوقائع لما خطط له سلفا، كل ذلك لمسه القاصي والداني، الصغير والكبير، لا لشيء إلا لبلوغ الهدف الأكبر في البنك المزعوم، ومع كل إخفاق في تحقيق النصر المنشود، يظهر ” المخلّص ” معلنا للعالم أنه لم يكن يسعى لهذه الغاية أصلا، وأن الجميع فهمه على نحو خاطئ.
“السعودية لا تريد حربا مع إيران” وكذا الحال بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، هذا إعلان رسمي، تكرر فحواه أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة ومن مستويات سياسية متقدمة. المضمون واحد ونبرة الإعلان هي هي، يتوشحها بنسختها العربية، حزن ممزوج بروح منكسرة، تعبر عن الحالة، رطانة تنطق بحقيقة فهمها كل من ” له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد…”شهيد القلب والعقل على تقلبات وثنائيات وازدواجيات لا تكاد تنتهي، شهيد على عجز من لا يملك القرار في مسألة كبيرة وخطيرة مثل قضية إضرام نار حرب كبرى في الإقليم، مهيأة كي تستدرج من ورائها حربا أكبر وأعظم، أو تفتح أبواب جهنم في المنطقة، كما وصف وزير الخارجية الصيني. إنه الإعلان الذي يفضح سوء التقدير في وقائع أجندة سياسية حافل بكافة العناصر المحفزة لنشوب حرب مثل إثارة فوضى مدمرة، والانخراط إلى أبعد مدى في نسج حبائل تآمرية، استنهاض كافة عناصر النزاع والخلاف النظري والعقائدي، تعميق الأزمات والخلافات التي من المفترض أنها سهلة الحل ولا تتسم بالتعقيد، رغبة جامحة في توريط آخرين بمغامرات كارثية لعدم القدرة على الوقوف منفردا في مواجهة الخصم، رفض من حيث المبدأ وهروب من أي مواجهة تفاوضية مكشوفة، وربما شرسة، من شأنها أن تخفف حدة التوتر والتصعيد.
يفترض منطقيا بمن تتملكه نزعة عدوانية تجاه الأقوياء أن يكون قادرا بذاته الولوج إلى فضاءات المعاداة ومعاينة آثارها، وإلا فإن كل ما يعلن عنه لن يعدو كونه حالة انكشاف لمشاعر الضغينة والكراهية بلا داع. إنها الحالة الكاشفة لعدم النضج وعدم الفهم، التي تظهر صاحبها بهيئة المتأرجح المتردد، مرة يذهب يمينا وأخرى إلى اليسار، مرة يقفز في الهواء، وأخرى ينبطح أرضا، وما كل هذا التخبط إلا نتيجة حتمية لشح معرفة في أصول علم السياسة وسلوكها، ربما الحياة عموما. يقال عن علم اللغة، إن الشخص الذي يعرف قدرا متواضعا من لغة أجنبية تكون سعادته بهذا القليل أكبر بكثير من الشخص الذي يتقنها بشكل كامل، وللسياسة لغتها ومفاتيحها التي من دونها ستبقى أبواب الفهم مغلقة أمام الفرحين لمن حاز بعض أبجدياتها ومعانيها البسيطة، أولئك الذين قال فيهم القدير ” فرحوا بما عندهم من العلم “.
ولكن السؤال الأولي الذي ينبغي التوقف عنده وإعادة نبشه من جديد، لماذا كل هذا الإصرار على معاداة إيران وإفشال تجربتها وانتزاع كافة عناوين القوة العريضة التي تمتلكها؟ لماذا هي تحديدا وليست أي قوة أو قوى أخرى في الإقليم أو في الكتلة الآسيوية على وجه الخصوص؟ هل الأمر يتعلق بإصرار طهران على أن تصبح دولتها نووية؟
ربما تكمن المشكلة الحقيقية في النموذج أو المثال الذي تقدمه إيران كدولة مغايرة في نمطها وأسلوب إدارتها عن كافة الدول في الإقليم، إضافة إلى حالة الانسجام الحقيقية التي تعيشها في صميم وجودها مع كافة الاشتراطات التي تتطلبها الدولة القومية المعاصرة، وتحديدا في المفاهيم الأساسية التي يقاس من خلالها مدى استجابة هذه الدولة أو تلك، من عدم استجابتها، لمفاهيم النظام العالمي الحديث واشتراطات الدولة القومية الحديثة، والحديث هنا تحديدا عن الأسس الواقعية التي تتشكل بموجبها الدول، ومن بينها معاني: السيادة، الشرعية، الولاء. وكلما غاص المرء في تتبع وفهم هذه المعاني وتعقيداتها الفنية والفلسفية في البعد السياسي، أدرك مدى الحرج الذي أحدثته طهران لعموم عواصم الجوار، أو معظمها على أقل تقدير، باعتبارها النموذج المغاير لواقع هذه الدول. فالسيادة تعني الاستقلال الوطني بالكلية، والانخراط مع قوى دولية ضمن مفاهيم واضحة ومحددة قائمة أساسا على مبدأ التحالف وليس تحت غطاء التبعية، هذا الغطاء الذي أنهك الدول العربية وشعوبها بالكامل، وسلبها فعلها الإرادي بالكامل. أما الشرعية فإن إيران تستمدها من تجربتها الديمقراطية التي تتوجها عملية انتخابية، شفافة وتتسم باستمرارية غير منقطعة. فعلى مدى قرابة أربعين عاما، وبالرغم من التقلبات الخطيرة التي تعرضت لها، فإن الانتخابات الحرة، بكافة صورها وأوجهها لم تتوقف أو تؤجل، كما أن أحدا في الداخل أو الخارج، أعلن شكوكه في نزاهتها. أما الولاء والانتماء فمعالمه واضحة وراسخة في نفوس المواطنين الإيرانيين على نحو يستدعي التأمل والمراجعة.
هذه الحالة المتماسكة والمنسجمة ليست وليدة الأمس القريب، أو نتيجة تأثيرات الثورة الإيرانية، وإن كان لهذه الأخيرة دورها في تعميق هذه الحالة وعصرنتها، إنما هي حالة ناتجة عن تجربة سياسية ممتدة دونما انقطاع عمرها يلامس ثلاثة آلاف عام من الفعل السياسي والإداري الحقيقي. هذه التجربة الممتدة منحت الإيرانيين إحساسا فائقا بالثقة والقدرة، إضافة إلى براعة وتمكّن في المناورة والعمل السياسي على الجملة، وهي حالة وفق توصيف هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأميركي الأسبق، قد بلغت ” أعلى درجات فن الحكم القائم على تراث المصلحة القومية – الوطنية إتقانا “. هذا المثال أو النموذج لا يوجد إلا النقيض له في المنطقة، نقيض لن يضل التدقيق أو المراجعة البسيطة في تلمس ألاعيبها السياسية غير الناضجة، وأدائها الفوضوي المرتبك، والأهم من ذلك كله قابليتها التي لم يشهد لها تاريخ البشرية واستجابتها التي تتسم بالمغالاة للابتزاز الدولي، وعلى نحو يثير الدهشة.
النموذج الإيراني ومن خلال بواعث علمية وفنية بحتة، نموذج يستحق التأمل والمراجعة بكافة مراحله ومنعطفاته التاريخية، الناجحة والفاشلة منها على السواء، هذه العملية المتفحصة إن تحققت على نحو علمي ومحايد فإنها بالضرورة ستفضي إلى إعادة تقييم وإعادة تقدير، وبشكل أكثر تخصيصا تقدير البعد الاستراتيجي لحقيقة التغير البطيء، ولكن الصاعد، داخل الدولة الإيرانية وفي محيطها. غير أن هذه المراجعة تستدعي بالضرورة منطقا وأدوات مختلفة عما هو سائد، وأكثر ما تستدعيه عقلا سياسيا منفتحا مهيأ للانخراط مع الدولة الجارة في حوارات مباشرة، ومن الضروري أن تتسم هذه الحوارات بالقوة والمباشرة والتعامل بندية واضحة. هذا هو السبيل الوحيد الذي يعرفه النظام العالمي بصورته الجديدة، أما التحايل والمراوغة، والاستقواء بقوى عالمية، والتصعيد المستمر من خلال نموذج حرب الوكالة، فهذه كلها أساليب وطرائق أثبتت التجربة فشلها، كما أثبتت أن ارتداداتها على المنطقة، والإقليم العربي تحديدا، كارثية.

0 642 09 يوليو, 2019 الثامن بعد المئة, سياسة يوليو 9, 2019

1 comment

  1. Avatar
    محمد الغامدي

    لقد جانبك الصواب فإيران تابعة، ولو أنها لا تسير على الخط الذي يريده الغرب وإسرائيل لكان الملالي في مكان آخر، مثلهم مثل الشاه الذي كان صديقًا مقربًا من الولايات المتحدة وأسقطته ووضعت مكانه الملالي، لا داعي لمخادعة التاريخ. إيران الآن في أسوأ حالاتها من الداخل، فمساعد وزير الصحة الإيراني على أكبر سياري يقول:” إ ثلث الشعب الإيراني يعاني من الجوع والفقر ولا يملكون خبزًا يابسًا للأكل، وأن 25% من سكان المدن يعانون من التهميش في أحياء الصفيح، وأن 10 مليون و200 ألف إيراني يعيشون تحت خط الفقر في أحياء عشوائية!!”.
    واعتبر ذلك من غياب العدالة، فكيف يكون وصفك لها متجاهلا الداخل، ثم إن السياسة الخارجية قائمة على أسلوب العصابات وعلى “البروباغندا” التي يتبعها الإعلام الغربي، وهي ناجحة في ذلك إلى الآن… وهي محمية من أمريكا بدلالة أن تعاونهما في أفغانستان ليس من أجل عيون إيران بل من أجل المخدرات، كما أن أمريكا متجهة الآن للتعاون مع المافيا الإيرانية في أمريكا الجنوبية من أجل المخدرات، إيران دولة عصابات وليست دولة مجتمع مدني، وحكاية الانتخابات الحرة مثلها مثل انتخابات أمريكا ولا فرق بينهما، في الأخير من يقرر من هو الحاكم هو المرشد، وفي أمريكا مجلس النواب هو من يقرر، ولعبة الانتخابات شكلية لا أقل ولا أكثر.. ففي أمريكا مثلا تم انتخاب بوش رغم فوز آل جور ـ إن كنت أذكر ـ.. ليس من ديمقراطية في هذا العالم.
    ونعلم جميعًا أن القومية العربية لن تتم طالما أن القوى العظمى تقف لها بالمرصاد، بينما الدولة الفارسية تمسك بمكونها لكونها دولة واحدة وليست عدة دول مقسمة من قبل الاستعمار.. الفرس والروم واليهود جميعهم يتحدون ضد العرب.. وليس ضد الخليج كما ترى، وعند السيادة فلا تبعية، وخير مثال لذلك: دخول القوات السعودية البحرين رغم وقوف الأمريكان في وجهها ومحاولة صدهم لها…. وغيره الكثير من النماذج.. فلا داعي من جلد الذات يا عرب… وعلينا تكريس الإيجاب وليس السلب!
    لك تحياتي

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.