هل يجعل الإنترنت الكتابة أفضل؟

لـ


يجادل كتاب جديد بأن لغتنا الأكثر ثراءً وبلاغة موجودة على الإنترنت.

للوصول إلى المقالة الأصليَّة: اضغط هنا.

أحد أهم موانع الكتابة على تويتر بالنسبة للكتاب، هو واقع أن الكتابة صعبة. تأتي هذه الملاحظة غالبا مترافقة مع ملاحظة أن التغريد نفسه أمر سهل. فهنا يكمن الفارق بين التعبير غير الرسمي والتعبير الرسمي، بين اللغة التي تقدم الفكرة على نحو فضفاض وبدهي، واللغة التي يجد المرء نفسه يتصارع معها، مثل أب يصارع لإجبار ابنه المتشنج على الجلوس بمقعد السيارة. توفرت لدينا لفترة طويلة وسائط رسمية وغير رسمية للحديث. يمكن اعتبار ما يصبه الخطباء السياسيون علينا مثالا على الأولى، بينما يمكن اعتبار حديث الأصدقاء في الحانة مثالا على الثانية. ولكن كما تكشف عالمة اللسانيات غريتشن مكولوتش في كتابها “بسبب الإنترنت: فهم القواعد الجديدة للغة” – الذي يتضمن دراستها المبهرة للكيفية التي غيّر بها العالم الرقمي اللغة الإنجليزية – فإن الكتابة غير الرسمية جديدة نسبيًا. معظم أشكال الكتابة كانت خاضعة للضوابط (ضوابط ذاتية)؛ كانت هناك البطاقات البريدية، والمذكرات، لكن حتى تلك كانت تضبطها المعايير. لم يحصل إلا مع صعود الإنترنت، أن اعتلى النثر العابر سريع الزوال مكانته، وأصبح محوريا في الحياة اليومية.
تبدأ مكولوتش بالتصنيف: لكل مجموعة من المستخدمين، رواية لغوية مختلفة. يميل “أشخاص ما قبل الإنترنت” (الأجداد والجدات مثالا) إلى تجنب اختصارات مثل “ttyl”؛ لأنهم لا يعرفونها. من المرجح أن يكتب آلاف البالغين من “الأشخاص نصف المعاصرين للإنترنت”، الذين ولجوا إليه في أوائل وأواخر التسعينيات “LOL” بدلاً من “lol”؛ إنهم لا ينظرون إلى المحادثة الرقمية باعتبارها مكانًا للفصاحة المنغومة. “أشخاص الإنترنت” الذين كبروا مع برنامج المحادثة الفورية AOL، وانضموا إلى Facebook بوصفهما شبابا، يجيدون التحدث باللغة النصية؛ ولكن ربما يكونون أقل ضلاعة بقواعد المنصات الأحدث مثل Snapchat و WhatsApp. (تحدد مكولوتش مصدرًا لسوء التفاهم المتبادل بين “أشخاص الإنترنت” الذين “يستنبطون المعنى العاطفي” من استعارات مثل البتر ellipsis، و”الأشخاص نصف المعاصرين للإنترنت” الذين ينظرون إلى هذه الإضافات على أنها أجزاء أساسية من بنية الجملة). أخيرًا، هناك “أشخاص ما بعد الإنترنت”، الذين انضموا إلى Facebook بعد – وليس قبل – والديهم. إنهم الأشخاص الذين يجب الانتباه لهم، فهؤلاء يمثلون الطليعة الرقمية.
بالنسبة إلى مكولوتش، كان الإنجاز الرئيس للكاتب الرقمي هو تجنيد الطباعة لنقل نغمة الصوت (tone of voice). لقد استخدمنا التكنولوجيا “لإعادة أجسادنا إلى الكتابة”: لإثراء اللغة بمعنى إضافي، بالطريقة نفسها التي نحرك بها أيدينا أثناء المحادثة. أحد المبادئ العامة هو أن التواصل يميل نحو الكفاءة، ولذلك فإن أي علامات إضافية (علامة المد الساخرة – على سبيل المثال – أو الانتقال إلى سطر جديد بدل كتابة النقطة) تشي بأن الرسالة تحمل معنًى أبعد من المعنى الحرفي. هكذا اكتسبت هذه الطريقة في التراسل سمعتها السلبية العدوانية، وهذا هو السبب وراء فشل الكثير من النماذج البصرية المتأنقة في الإيحاء بالتهكم. وبالمثل فإن الإطالة التعبيرية للكلمات مثل “yayyyy” أو “nooo” تضفي حميمية ودية، والعلامات ذات الاستخدام التقني في الأصل (مثل الشرطة المائلة للأمام التي تنهي أمرًا في سطر من التعليمات البرمجية) تجد حياة جديدة في استخدامها كنكات بين مجتمع المبرمجين (“/ rant “). تقول ماكولوتش إن الطباعة لا تستحضر مزاج المؤلف ببساطة، بل ترشد القارئ إلى الغرض من الرسالة عبر الإشارة للمزاج العقلي والنفسي الذي صيغ به النص.
مشروع مكولوتش تصحيحي في جوهره: إنها تريد نقض الاعتقاد بأن الإنترنت يؤثر سلبا على الخطاب المتحضر. إنها تقبض على بحث يكشف بأننا نصبح أكثر أدبًا كلما أجدنا الطباعة. (تماما كما هو الحال مع التهكم، فإن الكياسة عبر الإنترنت تنبع من الزخم اللغوي، من إدراك أن جهدا إضافيا قد بذل، سواء من خلال التحوط، أو التعظيم، أو الإسهاب في الكلام). ترد مكولوتش على من يزعمون بأن عصر تويتر يجرف معه البلاغة، قائلة: “إن التراسل والتغريد يجعلنا – في الواقع – أقدر على التعبير عن أنفسنا من خلال الكتابة”. تستشهد على ذلك بدراسة أجريت على ما يقرب من مليون مستخدم روسي لوسائل التواصل الاجتماعي، كشفت أن الرسائل في عام 2008 كانت أقل تعقيدًا من الرسائل في 2016. إن مواطني الإنترنت يأتون بحساسية ودقة غير مسبوقة لتعزيز النثر عبر الجيف gifs، والرموز التعبيرية emojis، واللهو بعلامات الترقيم القياسية.
لدعم هذا الادعاء (القوي)، يقترح الكتاب أن اللغة الإنجليزية غير الرسمية للإنترنت تعتمد فعليًا على مجموعة متنوعة من السجلات، مستخدمة الأدوات القديمة والجديدة لتُنشأ أخيرا فلاتر فاحصة للمعنى. لنلقي النظر على نص حقيقي من هاتف مراهق: “أوووووه لا مناص للجمهور من الرقص مع الموسيقى في عرض الليلة”. تسلط مكولوتش الضوء على التعبير المهجور “لا مناص” بجوار “أوووووه”. تجادل بأن مثل هذا الخلط في نصوص الإنترنت يجعله “أسلوبا فريدا يخدم أهدافا خاصة. يتطلب تحقيق هذه الأهداف بنجاح، إدراكًا دقيقًا لأطياف اللغة المتنوعة”. هذه ملاحظة ذكية لكنها مربكة أيضا: إذا كانت اللغة الإنجليزية الرقمية “غير رسمية”، ولكنها – مع ذلك – تستورد تعابير “رسمية”، فإن على المرء أن يتساءل حول جدوى ودقة التصنيفات. يشير الكتاب إلى أن السعي لجعل الكتابة أدق في الإفضاء بالعاطفة، وأكثر شبها بالكلام – لا يقتصر على الإنترنت؛ فخلال الحركة الحداثية، غالبًا ما انتهك الكتاب قواعد النحو وعلامات الترقيم. تقترح لغة جيمس جويس أو إي. إي. كامينجز تماثلا جذابًا لنصوص الإنترنت، تماما كما تفعل ابتكارات القرن العشرين الأخرى (الشعر الحر، تيار الوعي، الألفاظ النابية) التي التمست أسلوبا غير مقيد، يعكس ما في باطن الإنسان. تسلم مكولوتش أن الكتابة التقليدية قد ساهمت في حرث هذه الحقول، وهي لا تنكر أن تقنيات المدرسة القديمة نسبيًا – المفردات، تركيب الجُمل – يمكنها تزويد الجمل بتصريفات متقنة النحت للمحادثة. إن وجهة نظرها هي أن هذه المهارة أصبحت شائعة. تقول: “لم نعد نقبل القول بأن الكتابة التي تعنى بالتفاصيل، حكر على المحترفين”.
لعلنا نعايش نهجا ديمقراطيا للكتابة الصقيلة، لكن ما الذي يميز نصوص الإنترنت تحديدا عن أي نوع آخر من النثر التجريبي؟ هناك مؤلفون – مثل تاو لين Tao Lin، على سبيل المثال – يمكن استشعار أسلوب الإنترنت في أعمالهم، حتى في النسخ الورقية. يمكن لدى بعض المؤلفين رصد رهافة أساسها الويب: الفطنة الصارخة (ليندي ويست)، والألفة المسهبة (تشوير سيشا)، والرؤى الاكتئابية (ميليسا برودر). تناقش مكولوتش أيضا بعض الآثار الصريحة للإنترنت الحاضرة في الأدب، مثل الفراغ الشعري للطباعة التقليلية ، الذي يتخفف من علامات الترقيم، ويُضمّنُ أحيانًا مسافات بين الحروف لتصوير “ا ل ع زل ة”. لكنها لا تحلل صوت الإنترنت. (هي ليست مهتمة – على سبيل المثال – بالتركيب الآتي “لأن [الاسم]” الذي يوجد في عنوان كتابها). قد يكون ذلك حكيماً؛ إذ إن تضمين البدع سريعة الزوال، يؤرخ العمل. مع ذلك، وجدت نفسي أتوق لنظرية تؤلف بين فكرة اللغة العامية، والتهكم، والتنوع، والعاطفة.
أسلوب مكولوتش الخاص تمثيل “دحيحي” محبب للمربي. حماسها يعمل كمُحلي، إنها تعرف أن الطلاب يستمتعون بالنكات المبتذلة، والهزء من النكات المبتذلة على حد سواء. (فهي تشير إلى أن ممارسة إطالة الكلمات للتأكيد، تسبق الإنترنت بـ “سنوات عديييييدة”). سطور الدردشة هذه تعضد سلطة المؤلف. إنها في النادي، تحتسي المارتيني مع فيلوسورابتر Philosoraptor ودوج Doge. اللغة ككل تصرح بالذاتية، ومع ذلك فإن الجانب الأدائي لكتابة مكولوتش يعطي – هو نفسه – شعورا بالإنترنتية، إذ إنه يولي اهتماما عميقا بالاشتمال والاستبعاد. يقدم الكتاب فصلاً عن “الذرة المكونة لثقافة الإنترنت”، الميم meme ذلك المحتوى الذي يغوي المستخدمين بوعد “الانتماء إلى مجتمع من الزملاء المطلعين على بواطن الأمور”. يمكن أن تكون زراعة التضامن قادرة على منح نوع من السلطة، ولكنها تلقي بظلالها الحزينة أيضًا. تكتب مكولوتش أن قدرة الميم على جعل “المعتقدات البغيضة تبدو مثيرة للسخرية بشكل جذاب”، سبب في ازدهارها خلال ترشيح دونالد ترامب.
إن الإحساس بتضاعف المقايضات، هو ما يفتقر إليه هذا الاحتفال بأسلوب الإنترنت. صحيح أن الدقة العاطفية أكثر سهولة للكاتب الرقمي. (استحضار مزيج من الغضب وانتقاص الذات أمر سهل عندما يكون لديك زر الحروف الكبيرة caps lock في لوحة المفاتيح)، ولكن الانضباط في بعض الأحيان يمد الفكر بالحيوية. إن الصعوبة جيدة في بعض الأحيان، لتكييف مبدأ المعاصرة. يتساءل المرء عما إذا كان تعبير الباذنجان – وهو تمثيل للشهوة – يثبط التعبير الأقل كفاءة، ولكن الأكثر أصالة: كضبط النفس في أعمال لراشيل كوزك، أو الاحتراق الهادئ في جملة من جمل آلان هولينغهورست. قد تقول مكولوتش أن الأمر ليس كذلك. ربما هذا صحيح. أطروحة كتابها السياسية تقريبًا – كلما زاد عدد الأصوات، كلما كان ذلك أفضل – تعنف كلًا من نخبوية قواعد اللغة التقليدية المتغطرسة، وانغلاق.. لنقل تمبلر Tumblr. إنها رؤية للغة بوصفها وسيلة لإفساح المجال لأخرى.

0 282 29 أغسطس, 2019 الثامن بعد المئة, ثقافة وفكر أغسطس 29, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.