البرلمان بوصفه الخيار الأفضل لأي تحول إصلاحي

لـ

الكل يتحدث عن الإصلاح، وضرورة الإصلاح، ولكل في هذه الدعوى مبررات توضح ضرورته، ولكل فيها رأي حول ما يجب أن يكون وكيف يمكن أن يتحقق، وبالطبع تتفاوت هذه الآراء في حصافتها ودقتها ومنهجيتها، على أن المسألة الأهم أن ثمة إجماعًا على ضرورة الإصلاح، حتى وإن اختلفت المبرارات، وهذه الدعوات ليست إطلاقاً من باب الترف، وإنما تمليها معيشة المواطنين، وهمومهم اليومية، من أصغر الأشياء وأتفهها إلى أكبر الأشياء وأخطرها. إن أي دعوة إلى الإصلاح هي بكل بساطة دعوة إلى التحول إلى وضع أفضل، وهذه الدعوات إلى التحول غالباً ما تكون دعوات جزئية ومتفرقة، في مواضيع لا يبدو أن بينها رابطاً، ولذلك تكون تصورات الإصلاح المتفرعة عنها مماثلةً لها، أي جزئية، وهي تتجه دوماً نحو السلطة بمختلف تفرعاتها، ويفتتح المواطن العادي تعبيره عن تصوراته الإصلاحية هذه بصيغة “لو…يُفعل كذ/يُغيرهذا/يُعدل ذاك….ألخ”، وهي الصيغة التي تستخدم عادة في المسائل الأقل راهنية والأقل أهمية بالنسبة للمواطن، أما في المسائل الحالة والأكثر مساساً بالمواطن الفرد فإن صيغة “لو” تتحول إلى صيغة “يفترض أن…يُفعل كذ/يُغيرهذا/يُعدل ذاك….ألخ”. الإشكالية في مسألة الإصلاح أنها لا يمكن أن تتم بصورة مجتزأة، ولا يمكن أن تقفز لحل التفاصيل دون التعامل مع الأسباب الأعمق لبروز الظواهر التي تتطلب الإصلاح، أي بالمعنى المقابل، لا يمكن للإصلاح أن يكون إلا شاملاً، وعميقاً، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال عمل مؤسسي متضامن يمثل إرادة جمعية. بدون شك أن هذا المتطلب صعب تحقيقه، وهو إنما يرد في صورته المثالية التي من الصعب أن تتحقق بهذه الصورة في الواقع، على أن ما لا يدرك جله لا يترك كله.

لقد مر عالمنا العربي بتجربة صعبة في مسألة التحول والإصلاح، أعني مخاض الربيع العربي، بكل ما فيه من صعوبات وتحديات جسام، وما كان يمكن له إلا أن يكون هكذا، على أن هذه التجربة المعاصرة، وتكلفتها الكبيرة والمريرة، جعلت منها خياراً غير مرغوب فيه بصورة جمعية، وطبعا هذا الأمر لا يرد في سياق الاختيار بين ثنائية “إما نحن وإما الخراب”، وإنما في سياق البحث عن حلول سلمية، يمكن لتجربة الإصلاح فيها أن تؤصل بصورة فعلية، وشاملة حتى للمنادين والراغبين في الإصلاح، فالحقيقة التي تغيب عن أذهان الكثيرين من الراغبين في الإصلاح هي أن أحد تجليات مسألة أن يكون الإصلاح شاملاً تتمثل في أن لا يكون متجهاً صوب السلطة فقط؛ بل إن الإصلاح لا بد وأن يتجه للمواطنين أيضاً، هي اللحظة التي يتحول فيها من مجرد “مستأجر” إلى “مشارك فعلي”، وهذا الأمر فيه ما فيه من مسؤولية وكلفة، كلفة أن تشارك بجهدك ومواردك في قيام السلطة واستمراريتها؛ وبالنتيجة تشارك في تقرير طبيعتها وآلية عملها، وهذا الأمر يستتبع أيضاً مزيداً من الإيجابية والمبادرة وقليلاً من السلبية وثقافة المطالبة السطحية، ويستتبع أيضاً قدراً أعلى وأكبر من تفعيل الحراك المدني، وتشكيل مختلف جماعات المصالح، التي تعمل بالكثير من الوعي والوطنية والمعرفة. 

من الصعوبة تحقيق اشتراطات الحد الأدنى من تحول كهذا بصورة سريعة وناجزة، وأن الأمر يتطلب مخاضاً وحراكاً صادقاً، وقد يمر جيل أو اثنان قبل أن يتحقق هذا الأمر، هذا على فرض أن ثمة جهدًا فعليًا واعيًا لتحقيقه. وبطبيعة الحال فإن الأمر أصعب ما يكون في الدول ذات الريع العالي، التي تغيب فيها “لا ضرائب بدون تمثيل/مشاركة” بكل ما فيها من رمزية ومعنى، ويستعاض عنها بـ”لا ضرائب ولا تمثيل” وهي الملاحظة التي وردت في أكثر من بحث أكاديمي، فالدولة لا تحتاج إلى المواطنين في وجودها أساساً، واستعاضت عن شرعية صناديق الانتخاب بشرعيات مختلفة هي دون شرعية الانتخاب بكثير، ولكنها تبقى نوعاً من الشرعية، على أن الشرعية الأهم بالنسبة لهذه الأنظمة تتمثل في الحفاظ على استقرار معادلة:”ريع ثابت/وافر+لا ضرائب = لا تمثيل + إستمرارية السلطة”، صحيح أن هذه المعادلة معادلة مربكة، وصعب المحافظة عليها، على أن اللحظة التي لا يمكن المحافظة عليها تكون هذه المعادلة التي أفسدت الكثير من مكونات المجتمع في مختلف الجوانب الاجتماعية والإقتصادية والسياسية، الأمر الذي يتطلب المزيد من الجهد للترميم والإصلاح. ومن الملاحظات المهمة التي يجب أن ينتبه لها هي أنّ “لا ضرائب بدون تمثيل” مع أهميتها وجوهريتها؛ إلا أنها ليست قدس الأقداس، ولا السر الأكبر لوجود نظام ديمقراطي، لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار الشعور المتنامي لدى الأفراد في هذه الدول الريعية بملكيتها المباشرة للثروات الريعية، خصوصاً عند الأجيال المتأخرة، وهذا الشعور يشكل الأساس في “الحق في المشاركة والقرار”، وهو الأمر الذي يشكل مقابلا موضوعيا للضرائب التي يدفعها المواطنون في الدول الديمقراطية، التي تشكل الحق في المشاركة وصنع القرار؛ ذلك أن هذه القرارات لا يمكن أن تنفذ ولا يمكن للحكومة أن توجود أساساً بدون أموال دافعي الضرائب. على أن ثمة فرقًا دقيقًا بين الحالتين؛ ففي الحالة الأولى التي يكون أساس المشاركة فيها تملك الثروة، نجد أن ثمة تساهلا أكبر وأكثر مع من يكون على رأس السلطة التنفيذية/الأسر الحاكمة، لطالما كان المواطنون مكوناً أساسياً وحاضراً ومشاركاً، وهنا تحديدا تظهر أهمية وجود أساس آخر/معضد للشرعية، لأنه بلا شك سيساهم في تدعيم واستمرارية الوضع على ما هو عليه، على أن التساهل أقل، وقد ينعدم تماماً، في حال أن أساس الحق في المشاركة وصنع القرار هي الضرائب المباشرة؛ ففي هذه الحالة يكون أساس المشاركة أكثر وضوحاً، ومباشرة، وفعل إرادي –بالمفهوم القانوني للمصطلح-، ولذلك فعدم وجود أي نوع من التساهل يكون أمراً مفهوماً وله مبرارته.

نعود إلى معادلة القبض على الجمر: “ريع ثابت/وافر+لا ضرائب = لا تمثيل + استمرارية السلطة”، وهي قبض على الجمر؛ لأنها معادلة تحمل في مكوناتها بذور تلفها، فالسؤال حيالها هو سؤال عن مدة استمرارها لا أكثر، والدرس الأكثر أولية فيما يتعلق بأي معادلة، والذي يجب أن يتم تذكره هو أن أي تغير في أي طرف من أطراف المعادلة سيؤدي بلا شك إلى تغير في طرف المعادلة الآخر، والحديث عن التغير هذا يدفعنا إلى السؤال عن الجهات التي يمكن أن يأتي منها هذا التغيير، ومناقشة هذا السؤال تستوجب أولاً مناقشة مسألة لماذا لا يتوقع أي تغيير حقيقي من السلطة نفسها، والإجابة الأسهل هي أن السلطة نظراً إلى طبيعتها فإن مصلحتها لا تكون إلا في استمرار الوضع على ما هو عليه؛ ذلك أن استمرارية الوضع هو استمراريتها في حقيقة الأمر؛ على أن كثرة الحديث عن الإصلاح وضرورته في الفضاء العام، يدفع السلطة إلى الانخراط في مشروعات تسمع جعجعتها ولا ترى طحنها، هي لا تعدو أن تكون واحدة من ثلاثة، إما تسويقًا للخارج، أو طبطبة للداخل، أو تقليعة غبية، وهذا هو السبب أنك لا ترى طحناً؛ لأن الثلاث حالات التي أشرت إليها تشترك جميعها في أن هدفها ليس إحداث أثر حقيقي مدروس بصورة استراتيجية، بحيث تتناغم مع بقية المبادرات في القطاعات الأخرى بهدف تحقيق هدف أكبر، والشاهد من هذا كله أنه لا يرجى أن تقوم السلطة بمبادرة إصلاحية حقيقيه من طرفها، وهذه النتيجة تدفعنا إلى استشراف مستقبل معادلة القبض على الجمر.

يطرق أول تغيير على المعادلة من خلال مكون إضافي من خارجها، ذاك الشعور القوي لدى الأفراد بحقهم الأصيل والمباشر حيال الريع الناتج من الثروات الطبيعية، وهذا تغير جوهري وحاد في عقلية المجتمع مع تغير الأجيال، من نظرة المديونية والامتنان للسلطة التي انتشلتهم من الوضع الاقتصادي المزري والحياة الصعبة إلى نظرة الدائنية والنفور من خطاب المن والتفضل حيال السلطة، والذي حصل أن السلطة في طبيعتها جامدة وغير ديناميكية ولا تستطيع تحديث أدواتها وخطابها في مقابل الأجيال الجديدة، فنتج عن ذلك نوع من الغربة والفجوة حيال هذا الخطاب التي تتبناه السلطة، إن هذه النظرة قوية بحيث تشكل أساساً للمشاركة يعادل أساس دفع الضرائب في الدول الديمقراطية.

أضف إلى ذلك، أن الأساس الذي تقوم عليه المعادلة غير ثابت أساساً، وغير مضمون، أعني الثروات الطبيعية، فهي محدودة من جهة، ومن جهة أخرى أن الريع المتحصل من استخراجها وتسويقها تشترك فيه أطراف أخرى وعوامل خارجية هي خارج يد السلطة، ومثال ذلك انخفاض الأسعار، وهو سهم مباشر تجاه المتن الذي تقوم عليه السلطة، وهذا شاهد على الهشاشة، وفي ظل هذه الظروف تخرج من السلطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة تعبيرات عن الامتعاض من المجتمع، وأنه عالة، وأنه غير منتج، وأن على السلطة حمل ثقيل، و و و، وتلي ذلك إجراءات اقتصادية ضرورية في الأوضاع الاعتيادية، ولكنها مربكة بشكل جوهري وتؤدي إلى إختلال المعادلة في شقها الأول “ريع ثابت/وافر”  إن الاختلال في الشق الأول من المعادلة يقود بلا شك إلى اختلال في الشق الثاني “لا تمثيل+ استمرارية السلطة”.

إن أي اختلال في المعادلة التي أشرنا إليها، تستتبعها عملية من إعادة التوازن بين شقي المعادلة، والسؤال هنا عن الأرضية التي ستتم فيها عملية إعادة التوازن، أو كيف ستتم عملية إعادة التوازن، والأمر الذي تراهن عليه هذه المقالة هي أن البرلمان هو الخيار الأمثل والأسلم والأعمق والأنجح لهذه العملية، في مثل هذه التحولات الكبرى، لا يهم متى ستصل طالماً كنت تسير في المسار والاتجاه الصحيح، على أن السؤال يبقى ما معنى الرهان على البرلمان، كيف يمكن أن يترجم هذا الأمر بصورة أكثر عملية، ويمكن الانطلاق في مناقشة هذا الأمر من ملاحظة مهمة، وهي أن وضع البرلمان بوصفه مساحة رئيسة للعملية الإصلاحية هو بمثابة عملية علاجية تتجه صوب السلطة والمجتمع في آن واحد، فالمسار الطويل لهذه العملية هو بمثابة ترويض للسلطة من جهة، وإنضاج للمجتمع من جهة أخرى. تفترض هذه العملية خلق وعي جمعي بالفكرة، أي كون البرلمان هو قلب الحركة الإصلاحية وساحتها الأساسية، وضرورة منحه القوة، أي الشرعية، من قبل الأفراد.

إذاً فالعملية يمكن أن تدشن بعنصرين، الأول الإيمان بأن هذه المؤسسة هي المكينة الإصلاحية –لا بد من الإشارة إلى أن الإيمان بهذه المؤسسة لا يعني إطلاقاً الإيمان بأفرادها-، والثاني تدعيم هذه المؤسسة بمنحها المزيد من الشرعية؛ أي المزيد من القوة، هذا الأمر لا يتم بصورة لحظية وإنما بعملية مطولة، والشرعية التي نتحدث عنها لا يوجد لها قدر معروف ومحدد، هي تعظم وتصغر متأثرة بمختلف العوامل، بمعنى أن أي لحظة يمكن للفرد أن ينتخب فيها عضو البرلمان، يفترض أن يتم هذا الأمر بدون تردد، ومن ناحية ثانية أن يتم هذا الأمر في كل مرة بمزيد من الوعي، بمعنى أن يرفع سقف التوقعات في كل مرة، وأن يؤكد على عنصر المساءلة في كل مرة، أن يكون كل ناخب مفرد تجلياً وتمثلاً للإرادة الجمعية المحتجة، التي تطالب بالمزيد. هذا الوعي، وهذا التجسيد المفرد لهذه الإرادة الجمعية هو الذي يخلق ويغير سوق السياسة، والمنتجات المعروضة فيه، “الناس سوق فما أنفق فيه جُلِب إليه”، هذه الشق من العملية هو في حقيقته شق علاجي للمجتمع، يرفع من الوعي والفاعلية السياسية وضرورة المشاركة والحضور القوي في الفضاء العام، ويقابل هذه الأمر تشكيل المترشحين وإعادة تشكيلهم بحسب توقعات الناخبين ودرجة وعيهم وقوة تجسيدهم للإرادة السياسية، وهذا الأمر هو بمثابة تحضير للمترشحين أو الممثلين للمجتمع في ممارسة دورهم من خلال البرلمان الذي يتمثل في ثلاث مناطق أساسية متداخلة: سن التشريعات، والرقابة على السلطة التنفيذية، وإقرار الموازنة المالية وآلية إنفاقها.

ينطبق هذا الأمر حتى في حالة البرلمانات التي لا تملك كامل الصلاحيات البرلمانية، بل إن الأمر أشد انطباقاً في هذه الحالة، ذلك أن من أهم أجندات هذه العملية الإصلاحية هي انتزاع هذه الصلاحيات، والانتزاع يحتاج إلى القوة، والقوة في هذه السياق هي الشرعية، والشرعية في هذا السياق هي انتخاب الشعب لممثليهم. من الأشياء التي يجب الانتباه إليها أن هذا الأمر ليس مجرد نظرية؛ بل هي صيرورة طبيعيه لمسار الأمور، ويحضر البرلمان البريطاني كأحد أبرز الأمثلة في هذا السياق، إذ إن عملية طويلة أخذت مسارها خلال قرون، ابتدأت بنشوء أو بالإحرى إنشاء هيئة استشارية تطورت لتعرف اليوم “بمجلس اللوردات”، هذا المجلس المعين، انتزع من الملك صلاحية إقرار الضرائب وفرضها، فمع أن أفراد المجلس تحصلوا على مقاعدهم عن طريق التعيين والوراثة إلا أن النقطة الأهم هي أنهم تحصلوا على نوع من الشرعية وقتئذ، وهي تمثيلهم لطبقات اجتماعية قوية ومؤثرة، ثم إن هذا المجلس انشطر إلى شطرين بحكم تنوع الطبقات الاجتماعية الممثلة، ونتج عن ذلك مجلس جديد هو مجلس العموم، ولأن هذا المجلس لديه مزيد من الشرعية، مزيد من القوة، قام هو بانتزاع الصلاحيات البرلمانية من مجلس اللوردات، وأصبح اليوم الممثل الفعلي والأقوى للمواطنين في بريطانيا، وأصبح حضور الملكية واللوردات حضوراً رمزياً أكثر من كونه حضوراً فعلياً.

هل هذه رؤية حالمة؟ هل هذه رؤية وردية؟ هل هذا الطريق سهل؟ لا، لا، لا، ليست حالمة، وليست وردية، والطريق وعر وطويل، وطويل جداً، على أن ما يهم الآن هو أن نسير في المسار الصحيح، ولا يهم متى ستصل طالما كنت تسير في المسار والاتجاه الصحيح. 

0 280 01 أكتوبر, 2019 العاشر بعد المئة, العدد الأخير, سياسة أكتوبر 1, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.