الهجوم على منشأة النفط السعودية

لـ

يظهر كيف ترى إيران اللعبة الجديدة في الشرق الأوسط “بيتر آبس” نقلا عن وكالة رويترز، نشر بتاريخ 21 سبتمبر 2019

إذا كانت الحكومة الإيرانية خلف الهجوم الذي وقع مؤخرًا بصواريخ كروز وطائرات مسيرة على منشآت الطاقة للمملكة العربية السعودية؛ فهذا يعني أنها وضعت خصومها في الشرق الأوسط في وضع صعب وغير مريح.

وكما هو الحال مع الهجمات بالألغام على ناقلات النفط التي وقعت في الخليج في بداية هذا العام؛ فإن الهجوم – الذي تسبب في البداية بارتفاع حاد في أسعار النفط – أظهر مدى عدم اهتمام من أمروا بتنفيذه بالوجود الدولي في الشرق الأوسط، ولا حتى بمبادئ هذه المنطقة المضطربة. وهذا ليس مفاجئًا؛ فإيران وخصومها المفترضون – وخصوصا إسرائيل والسعودية – جميعهم يخوضون منذ سنوات حربًا غير مباشرة ترتفع وتيرتها أحيانًا وتخبو أحيانًا أخرى؛ إلا أن هذا الهجوم يشكل تصعيدًا خطيرًا وخصوصًا إذا صدق الأمريكيون في قولهم إن الصواريخ أطلقت من داخل الأراضي الإيرانية.
وكما هو متوقع؛ فإن ردة فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب كانت ميالة للحرب؛ محذرًا من أن الولايات المتحدة أصبحت جاهزة لخوضها؛ لكنه وضع قرار توجيه الضربة من عدمه في ملعب السعودية. وحتى اللحظة؛ فإن الرياض لا تظهر رغبة شديدة للحرب، فهي كما يبدو واقعة في مستنقع حرب فوضوية مثيرة للجدل في اليمن، ولا ترغب هي ولا واشنطن في إشعال حرب في الخليج.

فيما يتعلق بمن يمسك زمام السلطة في طهران؛ فإن حساباتهم أكثر تعقيدًا، فالخبراء من خارج إيران يرون بأن المتشددين لديهم اعتقاد أن لديهم القليل ليخسرونه منذ انسحاب ترمب من الاتفاق النووي. وحتى لو قامت الولايات المتحدة بعمل عسكري؛ فسيكون محدودا؛ لأنّ ترمب قد أوضح معارضته لوقوع حروب كبيرة في الشرق الأوسط، وليس أدل على ذلك من إقالة مستشار الأمن القومي جون بولتون، الشخص الوحيد الذي كان يدعم هذه الحروب.

التدخلات

ومع صعود الصين وفرض روسيا نفسها من جديد، أصبحت الولايات المتحدة تركز بشكل أقل على الشرق الأوسط، وباتت أقل اعتمادًا على نفط المنطقة. إن نهاية حقبة التدخلات المشابهة لتلك التي حدثت في العراق هو شيء إيجابي للغاية، وذلك لأسباب ليس أقلها أنها زادت من رغبة إيران في تطوير برنامج نووي، وهذا بحد ذاته مزعزع للاستقرار، بما في ذلك زيادة خطر قيام إسرائيل بعمل عسكري؛ مما دعا إدارة أوباما إلى التركيز على عقد اتفاق نووي من أجل منع وقوعه. وهذا المنهج قد ابتعد عنه ترمب كثيرا، إذ أنهى الاتفاق مع إيران بدون وجود بديل واضح له.

 إن القوى المتنفذة في إيران قد بدأت منذ زمن اتباع أجندة لزعزعة الاستقرار في المنطقة بأعمال خفية. وقد منحهم المنهج الجديد لترمب فرصة للهيمنة في معركة إيران الداخلية المستمرة للحصول على مزيد من السلطة محليا، وإزالة العقبات التي شعروا بوجودها يوما ما، وخصوصا خلال العقد السابق، فقد انخرطت أذرع الحرس الثوري الإيراني وخصوصًا فيلق القدس بقيادة اللواء قاسم سليماني في أعمالٍ خفية داخل الشرق الأوسط وخارجه؛ بحيث يمكنهم إنكار مسؤوليتهم عنها عند وقوعها، ومن هذه الأعمال دعم مسلحين يهاجمون القوات الأمريكية والبريطانية في العراق، ودعم المتمردين الحوثيين في اليمن ومساندة حكومة بشار الأسد في معركتها للسيطرة على سوريا، مما جعل بعض الأصوات في واشنطن تدعو إلى وضع الحرس الثوري الإيراني في قائمة الجماعات الإرهابية المحظورة، وهذا ما فعلته إدارة ترمب في مطلع هذا العام، ولكن يبدو أن هذا الإجراء زاد من رغبة الحرس الثوري في القيام بالمزيد من الأعمال. لقد طورت إيران لسنوات عدة برنامجًا صاروخيًا متقدما، وتجري اختبارات لطائرات مسيرة وتزود بها حلفاءها الإقليميين مثل حزب الله؛ لكن الهجمات الأخيرة أوضحت وجود تقدم مهم، إذ إن الصواريخ كانت قادرة على التملص من الدفاعات الجوية السعودية، وذلك بالتحليق خلفها مما يشير إلى تطور علمي وتقني لافت للنظر.

الحوثيون


نفى الحوثيون مزاعم الولايات المتحدة الأمريكية أن الصواريخ والطائرات المسيرة انطلقت من الأراضي الإيرانية، مؤكدين أنها أُطلقت من اليمن، ومهما كانت الحقيقة، فإن الهجوم يشكل قفزة للأمام في تطوير التكنولوجيا والرغبة في استعمالها.

حتى الآن، يبدو أن الدمار الذي أصاب المنشآت النفطية التابعة لشركة أرامكو السعودية محدود، إذ قالت السلطات السعودية إن الإنتاج سيعود بكامل طاقته قريبا، الأمر الذي قد لا يشكل أهمية لأي أحد في إيران، لأن الإيرانيين لم يكن هدفهم توجيه ضربة قاضية بقدر ما يكون إظهار قدرتهم على إصابة أهم المنشآت حساسية في المملكة العربية السعودية دون إنذار، وهذا يرسل تحذيرا لكل الخصوم المفترضين الآخرين مثل الإمارات وإسرائيل.

تؤمن الولايات المتحدة وحلفاؤها بوضوح أن مثل هذا التصرف لا يجب أن يمر بدون عواقب، وأنه يجب فرض حزمة أخرى من العقوبات على طهران، ولكن التحدي الأكبر هنا هو الحفاظ على مسار الدبلوماسية مفتوحا بمنح إيران تسهيلات وحوافز من أجل تعديل سلوكها وإعادة إشراكها مع المجتمع الدولي الواسع، وهذه المنهج هو ما كانت تفضله حكومة الرئيس أوباما، ولكن الرئيس ترمب تخلى عن هذا المنهج دون تقديم بديل مناسب، ففي خطوة مخالفة تماما لمنهج أوباما، فرضت الولايات المتحدة عقوبات حتى على الأعضاء الوسطيين نسبيا في الحكومة الإيرانية بمن فيهم وزير الخارجية محمد جواد ظريف، رئيس المفاوضين في الاتفاق النووي الإيراني. 

إذن بدون وجود رغبة في القيام بعمل عسكري، فإن دعم الجهود الدبلوماسية قد يكون الخيار الوحيد، والدول الأوروبية على وجه الخصوص تعمل أقصى ما تستطيع من أجل الإبقاء على هذا الخيار مفتوحا، وقد كانت دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف لحضور قمة السبع هذا الصيف ضمن هذا الإطار، بالرغم من الغضب الذي شعر به الرئيس ترمب والوفد الأمريكي. 

إن رغبة الولايات المتحدة في عقد اتفاق جديد تزيد شيئا فشيئا، إذ اختار ترمب المبعوث الخاص السابق لشؤون تحرير الرهائن روبرت أوبراين ليكون مستشار الأمن القومي الجديد، الذي يختلف في سياسته عن المستشار السابق بولتون، وكذلك فإنّ الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة على بعد سنة تقريبا؛ لذلك فإن القاطنين في البيت الأبيض لا يرغبون في أن تكون لهم سمعة في إشعال الحروب؛ بل في إطفائها.

0 251 02 أكتوبر, 2019 العاشر بعد المئة, العدد الأخير, سياسة أكتوبر 2, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.