كتاب قبل النوم: القراءة في عيون كبار الكُتاب

لـ

هناك عبارة منسوبة للكاتب الأمريكي، الروسي الأصل فلاديمير نابوكوف تقول: “ما أجمل أن يكون لديك شي جيد تقرأهُ قبل الذهاب إلى الفراش”، وكأن اليوم لا يكتمل إلا ببضع صفحات من كتاب جيّد، أو حتى بضعة أسطر. 

في سنة 2007 أصدر المحرر الأمريكي ستيف جيلبر (*1941)، وهو محرر  ومراجع كتب مشهور بتأليف عدد من الكتب عن القراءة وعاداتها وتقصّي أحوالها، كتابًا بعنوان: “القراءة في الفراش: مقالات عن أمجاد القراءة”، صدر عن دار دافيد أر. جودين. 

في مقدمة الكتاب يقول المحرر  إن مجموعة المقالات التي يحويها الكتاب لا تتحدّث عن الكتب، بل عن فعل القراءة ذاته، فما هي إلا مجموعة مُنتقاة من النصوص التي تتناول التجارب الشخصية لعددٍ من كِبار الكتاب مع القراءة، ومع قراءات ما قبل النوم وعن تجارب إعادة قراءة أعمال بعينها. يعرب الكاتب صراحةً عن خطّة الكتاب بقوله إن الكتاب يخاطب القارئ العادي، لا القارئ المتحذلق، ولا معلمّي اللغة الإنجليزية ولا النقّاد، فيقول:” أتخيّل قارئ كتابي إنسانًا حاله من حالي، إنسان اختار القراءة وسط مجرّتنا التي تجاوزت عصر الكلمة المطبوعة، وشكّلتْ وجدانه أو وجدانها نصوصٌ من هنا أو من هناك، إنسان تحرّك وجدانه الكتابة الجيّدة”. 

الكتاب مكوّن من اثنتيْن وعشرين مقالةً تناول فيها أسماء مهّمة من بينها على سبيل المثال: روبرت لويس ستيفنسون، ومارسيل بروست، وهيرمان هسّه، وجراهام جرين، وغيرهم، وهي منتخبات من أعمال الكتاب، فيأخذ مثلًا من مذكرات ستيفنسون فقرات، ومن كتاب “أيام القراءة – ثلاث مقالات لمارسيل بروست مقتطفات، ومن سيرة هيرمان هسّه ذاتية مقتطفات، وهكذا. 

في الفصل الخاص بالكاتب الاسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون (1850-1894)، مؤلف دكتور جيكل ومستر هايد، وجزيرة الكنز، وهو بعنوان: الكتب التي تأثرتُ بها، يقول: 

” كانت الكتب الخيالية هي أكثر الأعمال تأثيرًا فيّ، وأكثر الأعمال التي وثقتُ بها. فالأعمال الخيالية لا تربط القارئ بأفكار منغلقة، يضطرّ لاحقًا لأن يكتشف أنها أفكار  غير صائبة، وهي لا تلقنّه دروسًا سوف يطرحها جانبًا فيما بعد. فالأعمال الخيالية تكرّر على مسامعنا دروس الحياة، وتعيد تنظيمها وتشرحها. الكتب الخيالية تصنع مسافة بيننا وبين أنفسنا، وهي تشكف لنا عن شبكة من الخبرات التي لم نكن لنراها ونتعرّف عليها عبر أنفسنا، بل عبر  كيان فردي مفارق، يسكن خارجنا. لقد أسدى إليَّ شكسبير خدمة جليلة،إذ لم أحظَ سوى بعدد قليل من الأصدقاء الأحياء الذين مارسوا تأثير “هاملت” أو شخصية “روزالين”. 

في الفصل الخاص بالروائي الفرنسي الكبير مارسيل بروست (1871-1922) بعنوان عن القراءة نقرأ الفقرات الآتية:

“تقف القراءة على عتبة بوابة الحياة الروحية للإنسان، وهي بذلك لا تشكّلنا، بل بالأحرى  تجوز بنا إلى الحياة. فهناك حالات اكتئاب بعينها، أقصد حالات باثولوجية إن صحّ القول، تتحوّل معها القراءة إلى وسيلة ناجعة من وسائل العلاج، وذلك عبر إعادة تنشيط دماغ الإنسان ، وعبر  إعادة تعريف عقله الكسول بسُبل الحياة الروحية. في هذه الحالة تؤدي الكتب دورًا شبيهًا بالدور الذي يؤديه المعالج النفسي وهو يعالج مرضاه الذين يعانون من اضطرابات عصبية”. 

“لقد أدركتُ أن الكتاب الجوهري، الكتاب الحقيقي الوحيد هو ذلك الكتاب الذي لا يحتاج الكاتب العظيم إلى ابتكاره، بالمعنى المباشر للكلمة، لأنه موجود بالفعل في أعماق كل واحد منا، وما على الكاتب إلا أن يُترجم هذا الكتاب. مهمة الكاتب ووظيفته هي نفسها مهمة المُترجم”.  

“يظلّ دور القراءة مفيدًا طالما نظرنا إليها بوصفها المحرّض الذي يملك مفاتيح سرية قادرة على فتح أبواب أعماقنا الدخلية، وهي الأعماق التي لم نكن نستطيع الولوج إليها دون مفاتيح القراءة السحرية. لكن- على الصعيد المقابل-  القراءة تصير خطرًا إذا ما استبدلتْ دورها في أن تقودنا نحو حياة روحية حقيقية، أي إذا ما طغتْ القراءة على حياتنا، وبدلًا من أن تقودنا نحو أبواب حياة روحية حقيقة، وإذا ما لم نعد ننظر إلى الحقيقة بوصفها هدفًا ساميًا يُدرك عبر تطوّر الأفكار وعبر الجهد الذي يبذله قلبنا”. 

أما في فصل هيرمان هسّه (1877-1962) المعنون بـ”سحر الكتب” يقول: 

“من بين العوالم العديدة التي لم تهبها الطبيعة إلى البشر، بل ابتكرها ذهن الإنسان، يظل عالم القراءة هو الأعظم على الإطلاق. فكل طفل وهو يخطّ كلماته الأولى على الورقة، ويشرع في محاولاته الأولى مع القراءة، إنما يخطو أول خطوة لولوج مملكة من صنع الخيال، وعلى قدرٍ عالٍ من التعقيد، مملكة تتسم بثراء قواعد اللعب داخلها، ويحتاج الإنسان عمرًا كاملًا ليتعلّمها. أرى ألا مكان للتاريخ ولا مكان لفكرة الإنسانية دون الكلمات ودون تأليف الكتب. ففي مقدور أي إنسان أن يضمّ تاريخ الروح الإنسانية داخل حيزّ  مكاني صغير في بيت أو في حجرة، وأن يجعلها ملكًا له، إذا ما كوّن مجموعته الخاصة من الكتب. فالكلمات والكتب مقدسة وسحرية لدى جميع البشر”. 

” لا أومن بقائمة أفضل مئة كتاب أو أفضل ألف كتاب، فلكل إنسانٍ منا مجموعة كتب جميلة وقيّمة ينتقيها بعناية، هي المجموعة القريبة إلى نفسه وعقله. لا يُمكن لأي قارئ تكوين مكتبته الشخصية بمجرد شراء الكتب وتكدسيها فوق الرفوف، والأولى بالقارئ أن يصغِي لصوت احتياجه المعرفي، وشغـفـه الشخصيّ، فيكّون مكتبته الشخصية مثلما يكون صداقاته”.

أما الكاتب الإنجليزي جراهام جرين فيتكلم (1904-1991) عن علاقة مرحلة الطفولة بالكتب والقراءة في فصل يحمل عنوان: “الطفولة المفقودة، قائلًا:

“ربما كانت مرحلة الطفولة هي المرحلة الوحيدة التي مارستْ فيها الكتب في حياتنا تأثيرًا عميقًا. أما لاحقًا فإننا نُعجب بالكتب، نستمتع بها، ربما نغيّر  وجهات نظرنا في موضوعات بعينها، وحين تتقدّم بنا السن تغدو القراءة مجرد مواجهة بين ما هو مستقرّ في بطون الكتب وما هو  مستقر في أعماقنا بالفعل، الأمر  أشبه بعلاقة غرامية نرى فيها أجمل ما فينا منعكسًا على صفحة وجه مَنْ نحب”.  في مرحلة الطفولة تحمل الكتب التي قرأناها روحًا مُستشرفةً للمستقبل، روحًا تنبؤية، مثل العرّاف الذي يقرأ الطالع في أوراق اللعب. أعتقد أنّ هذا هو سبب أن الكتب تُثير فينا الحماسة”.

في الفصل التالي يعارض الكاتبُ روبرتسون دافيز (1913-1995) رؤية جراهام جرين، في فصل يحمل عنوان: ” نقرأ أكثر  مما ينبغي، وأسرع مما ينبغي”، حيث يقول:

” لقد صنع مني جراهام جريم شخصًا أحمق. صحيح أنني قرأتُ أعماله ولم أترك سطرًا واحدًا مما كتبه لم أطّلع عليه، لكن  شعورًا مؤرقًا لم يفارقني يومًا، وهو أنني كنتُ مجرد شاب أحملق إليه، منصتًا إلى إلى عصارة حكمة رجل أكثر نضجًا مني. لننظر إلى مقالته الموسومة “الطفولة المفقودة” التي يتحدّث فيها عن القراءة فيقول إن أكثر الكتب التي مارستْ تأثيرًا قويًا في شخصيته هي تلك التي قرأها في سنوات الطفولة، قبل سنّ الرابعة عشرة. لكن تلك الرؤية مناقضة على طول الخطّ لتجربتي الشخصية، لأني أشعر أنني استمتعتُ أكثر بالكتب التي طالعتها في سنّ متقدمة. لا أظنّ، مثلما يذهب السيد جرين، أن الحياة تصير  غير مُحتملة كلما عرفتَ عنها المزيد. فالأعمال التي قرأتها قبل سنة الرابعة عشرة أثّرتْ فيَّ في حالات بعنيها، أهم هذه الأعمال مذكرات بيكويك لتشارلز ديكنز، وقد قرأتها في سنّ الثانية عشرة، واستغرقتْ مني عشرة أسابيع حسبما أتذكّر. […]

ينبغي أن يُقرأ الكتاب الجيّد مرّتين، الأولى في سنوات الصبا، والثانية حينما تتقدّم بنا السن، الأمر مثل بناية جميلة التصميم، يتأملها الإنسان مرة على ضوء الشمس، ومرّة ثانية وقت الظهيرة، ومرّة أخيرة على نور القمر. إننا نقرأ أكثر  مما ينبغي، وأسرع مما ينبغي”. 

أعتقد أنني سأشغل نفسي في عطلة الصيف في إعادة قراءة أعمال مختلفة تستحقّ القراءة مرّة ثانية”. 

أما الكاتب الأمريكي هارولد برودكي (1930-1996) فيقول في الفصل المعنون بـ”القراءة…اللعبة الأخطر”. 

“القراءة فعل حميميّ، ربما أكثر أفعل البشر حميمية على الإطلاق، أقول ذلك لأن عملية القراءة تنطوي على استهداف طويل ومكثّف من عقل إلى عقلٍ آخر، ولأن القراءة هي المستوى الذي  تتفاعل فيه المشاعر  والآمال عبر  الوعيّ والكلمات. لا تختلف قراءة كتاب جيد عن الوقوع في علاقة حب، والإنسان في مقدوره الزواج بالكتاب، وفي مقدوره أن يعيد قراءته، وأن يضيفه إلى صفحة حياته، وأن يعيش معه، أو يُمكن مقارنة القراءة بعملية الحَمل – وأقصد القراءة الجادة  حتى ولو كان المرء يقرأ هُراءً-، لأن الإنسان يشعر بنفسه داخل رحم تجربة ما، وأنه على وشك الخروج إلى العالم. إن فعل القراءة بالكيفية التي تحدث أمامنا لهو فعلٌ غامض مُبهم: لحظة اتخاذ قرار بقراءة كتاب في لحظة حقيقية، كيف ينتقي المرء كتابًا، كيف يتدلّل المرء وهو يختار  الكتاب، كيف يتلكأ المرء في أن يقطع مشوار القراءة وأن يعيد القراءة….”. 

كان الكاتب الأمريكي الكبير جون شتايبِك يقول: “الكتاب  هو أفضل صديق تحظى بصحبته ، لا لأنه يمنحكَ المعرفة ولا يزجي أوقاتكَ وحسب، بل لأنه لا ينمُّ عنكَ من وراء ظهرك”. 

0 175 04 أكتوبر, 2019 العاشر بعد المئة, العدد الأخير, ثقافة وفكر أكتوبر 4, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.