ضعيفٌ عاذ بقرملة

لـ

  يقول الجاحظ – تجاوز الله عن سيئاته – موجها كلامه إلى أحمد بن عبدالوهاب الذي كان كثير الادعاء في كل فن: “وأنت يا عمِّ، حين تصلح ما أفسد الدهر، وتسترجع ما أخذت منك الأيامُ، لَكما قال الشاعر:

         عجوزٌ ترجِّي أن تكون فتيَّة       وقد لحِب الجنبان واحدودب الظهرُ

         تدسُّ إلى العطّار ميرة أهلها       وهل يصلحُ العطار ما أفسد الدهرُ

وكيف أطمع في تقويمك بعد اللجاج وقد منعتنيه قبله؟ وكيف أرجو إقرارك جهرا وقد أبيته سرا؟ وكيف تجود به صحيحا مُطمِعا وقد بخلت به مريضا مؤنسا؟ وكيف  يرجو خيرك من يراك تُطاول أبا جعفر وتُخاشنه وتنافره وتراهنه، ثم لا تفعل ذلك إلا في المحافل العظام؟” فإذا تركنا الجاحظ بعيدا وهو يرى أن “التصريح” علنا لا يصلح ما لم يكن في وقته سرا نابعا من نزاهة المرء وورعه، وأن محاولة إصلاح ما مضى عليه الزمن من فساد الشأن لا يصلحه العطار، ولعل ذلك إذ نعدِّيه قريبٌ مأخذا من تصريحات “رئيس مجلس” الشورى في الدورتين الماضيتين؛ إذ يظهر الرئيس ليدفع عن نفسه التأثير الفعلي في أدائه بسبب شبهة العلاقة العائلية بينه وبين رئيس جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة؛ لا سيما وأن التقاطع في توظيف الأدوات الرقابية في البرلمان بينه وبين الجهاز كبير وواضح.

وتقع هذه العلاقة وتأثيراتها ضمن مفهوم  تضارب المصالح، وهو “وضع يمكِّن هيئة أو شخصا ما من تحقيق مصلحة مادية أو معنوية على حساب الواجبات الوظيفية، وتسعى الحكومات والهيئات إلى مكافحته بقوانين وسياسات عملية، حفاظا على الحكامة الرشيدة وسمعة الهيئة ونزاهة الموظفين ومصالح الآخرين” (موسوعة الجزيرة، 2016)، وتعد العلاقات العائلية من بين العوامل القوية المؤدية إلى تضارب المصالح وتعطيل المصالح العامة؛ فحالة الحرج والعواطف تؤثر تأثيرا واضحا في مهام الموظف التي ينبغي أن تكون صارمة كالأدوات البرلمانية الرقابية والتشريعية في ظل فصل السلطات في الدولة.

قدم الرئيس السابق في لقاء له منشور على حساب إذاعة (هلا إف إم) تصريحا وتبريرا حول هذه العلاقة التي كان على أعضاء مجلس الشورى في الدورة السابقة أن يفقهوها تماما، لينزاحوا عن ترشيح من تربطه علاقة من هذه الدرجة مع أجهزة تنفيذية مهمة يعلق الشعب آماله على أداء البرلمان وأدائها لمكافحة الفساد الذي يعد عقبة عالمية اليوم في مسارات التنمية وخططها، والذي كان يفترض أن يكون للجهاز أداء متميز في مكافحته؛ لذلك كان تبريره الأول عبارة عن إلقاء اللوم على أعضاء المجلس الشورى في انتخابه، وكأنه لم يسعَ بذاته إلى ترؤس المجلس مع علمه السابق بتلك العلاقة العائلية التي تأخذ بكل عواطفه بوصفها نزعة إنسانية قارة في النفس البشرية، وأما تبريره الآخر فقد تمثل في أن شقيقه معينٌ بمرسوم سلطاني من قبل الدولة، وبهذا يدفع عن نفسه في الأحوال كلها وجود تأثيرات العلاقة التي لم تكن من خياراته أو خيارات أخيه.

لا إشكال في هذا التبرير الذي يبدو في ظاهره عاديا وروتينيا، ولكنه عند التعمق والقراءة المتأملة فإنه يدفع باللوم كما أشرتُ إلى الأعضاء الذين انتخبوه، أو السلطة التي اختارته أو اختارت أخاه، ولكن السؤال المهم الذي يلح علينا في هذا الموقف: ألم يكن الرئيس السابق على دراية تامة مع الأعضاء بوجود تلك العلاقة؟ وأن النزاهة تقتضي أن يبتعد عن ترشيح نفسه لرئاسة المجلس؟ وفي حال إصراره على الترشح أليس من المفترض من الأعضاء الذين يحملون تلك الأمانة أن يغضوا الطرف عن ترشيحه لدورتين سابقتين ولعله يطمع أن تكون ثالثة؟ إن أعضاء مجلس الشورى يلومون الحكومة بوجود الفساد وهم يمارسون ما من شأنه أن يكرِّس الفساد ويؤدي إليه!

بيد أن الإشكال الأكبر يظهر في تصريحه بعد تبرير العلاقة الذي يبرهن به على تغييب الأدوات البرلمانية، والمشاركة الفعلية في أداء المهام في جانب يعد من أهم الجوانب الوظيفية، كما يبرهن على وجود تضارب المصالح فعلا؛ إذ يقول: “حتى عندما يناقش تقرير جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة في جلسته… أنا أنسحب، حتى لا يكون هناك حرج اسمحولي أن أخرج”، كما يعلن غيابه وهو رئيس البرلمان في جلسة تعديل قانون جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة، والأنكى من ذلك أن “الرئيس السابق” يظن أنه قد أعرب عن إنجاز تاريخي للبرلمان، وأن عمله هذا يعد عظيما حين يتنازل عن المشاركة في أداء الأمانة وكبح جماح النفس وعواطفها بما أنه قبل أن يمثل الشعب في البرلمان؛ فخروجه من البرلمان عند مناقشة تقرير الرقابة كأن يبيع البحر، أو الأهرامات في المسلسل الخليجي درب الزلق؛ فهو لا يملك هذا الخروج؛ لأنه يندرج تحت مقتضيات الأمانة البرلمانية، وكان الواجب عليه عوض الخروج وترك الواجب العظيم الذي ألقي على عاتقه احتمالان:

الأول: ألا يتقدم إلى رئاسة مجلس الشورى، بل لا يتقدم لعضوية المجلس كما تقتضيه النزاهة إن لم يكن قادرا على مواجهة شقيقه في الجهاز، وفي حال تقدمه ورغبته في المنصب كان على الأعضاء ألا يصوتوا له إن كانوا صادقين مع أنفسهم لأداء الأمانة، أما أن يشغل منصبا برغبته ثم يتخلى عن أهم مسؤولياته في مناقشة التقرير أو تعديل قانون الرقابة؛ فإن ذلك يكشف عن مستوى الأداء البرلماني في السلطنة في الفترة السابقة التي أرجو أن تكون حاضرة أمام الأعضاء الجدد وهم يقدمون عهودهم للشعب؛ وإن أعظم انتصار للإنسان هو انتصاره على رغباته في عشق السلطة التي في ثناها قد تغيب الأمانة، كما أن خروجه لا يعصم ميل الأعضاء إلى مجاملة رئيس الجهاز ومداهنته كرامة لرئيس المجلس وإن غاب عن الاجتماع الذي يعد مخالفة وظيفية.

الثاني: أن يتجاهل عواطفه بعد شغله منصب الرئيس؛ ليكبح جماح نفسه ويغلِّب العقل والواجب والقانون والعدالة في مواجهة الجهاز باعتباره مؤسسة، ورئاسته لها صفة وظيفية، وبهذا يفصل العلاقة مع شقيقه عن الأداء الحكومي والبرلماني؛ بمقتضى قوله تعالى: “۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا”، فالحالة البرلمانية التي مارسها الرئيس السابق وصرّح بها تعد من أكبر الإشكالات التي تنم عن انعدام الفقه السياسي والتشريعي في ممارساتنا.

أعتقد أن تضارب المصالح وازدواجية المناصب الحكومية ووجود العلاقات العائلية، وطول المكث في المنصب مما يفتح المجال للعلاقات والصداقات تعد ظاهرة تستدعي التأمل والمراجعة؛ فإلى أي درجة توجد ضرورة في اختيار شخص لشغل منصب قيادي عال توجد بينه وبين غيره ممن يشغل منصبا آخر علاقات عائلية حساسة بحيث تغيب الغايات السياسية والإدارية الكبرى في المؤسسات العامة لينتشي أحدهم بالمنصب ويحظى بامتيازاته؟ وما الضرورة التي تدفع أعضاء مجلس الشورى إلى اختيار رئيس تربط بينه وبين آخر في منصب حساس علاقات عائلية ليشغل منصب رئيس المجلس؟ ألا يطعن هذا التصرف من الأعضاء في نزاهتهم وصدقهم وتعهداتهم للمجتمع بحماية المصلحة العامة؟

1 4917 06 أكتوبر, 2019 أدب, العاشر بعد المئة, العدد الأخير أكتوبر 6, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.