إعادة التسمية الجغرافية geographical renaming

لـ

 هذا هو المصطلح المتعارف عليه في عملية تغيير تسميات الأماكن.  ولدراسة تاريخ وأصول أسماء الأماكن والمواقع الجغرافية نحن بحاجة إلى دراسة علم Toponymic المتخصص في دراسة أسماء الأماكن وتاريخها وأصولها، وهو فرع من علم أشمل متخصص في دراسة الأصول التاريخية للأسماء هو onomastic. للأسف لا توجد دراسات عربية كافية في هذا المجال عدا بعض الاجتهادات المتعلقة بفلسطين ودور الاحتلال في تغيير التسميات العربية للمناطق في عملية أطلق عليها اسم “التهويد”. وهنالك بالطبع مشروع معجم الدوحة التاريخي الذي ما يزال يخطو خطواته الأولى، وأمامه درب طويل لتتبع التطور اللفظي للكلمة ومعانيها واستخداماتها عبر السنين.

 وقد تغيرت أسماء العديد من الأماكن في العالم على مر التاريخ. لأسباب عديدة أهمها:

١- تغيير بسبب احتلال خارجي لبلد معين. ومن الأمثلة على ذلك:

– تهويد أسماء المدن والقرى في فلسطين: فقبل الاحتلال الصهيوني لم يكن هناك سوى ٥٠ اسما عبريًا. أما اليوم فالتهويد شمل ٩٠٪ من أسماء المواقع الفلسطينية. أمثلة: بئر السبع = بئير شيبع ، عكا = عكو ، الخضيري = حديرة وغيرها الكثير.

  • –      سيلان تغير اسمها إلى (سيريلانكا) بعد أن استقلت عن البريطانيين في ١٩٤٨. قامت سيريلانكا بتغيير اسم (سيلان) لأنه كان مرتبطًا بالاحتلال البرتغالي. كلمة (سيريلانكا) مشتقة من لغة التاميل التي تعني جزيرة. بعض المنتجات لم تتغير علاماتها التجارية ( كالشاي السيلاني) فهي علامة عالمية يرتبط اسمها بالجودة العالية؛ لهذا لم يتم فرض التغيير عليه بل إبقاؤه حفاظاً على رتبتها بوصفها رابع دولة منتجة للشاي، التي يشكل فيها ١٥٪ من إجمالي دخلها المحلي، وتقدر قيمة الشاي السلياني في السوق العالمي بـ  ( ٧٠٠ مليون دولار ).
  • العديد من الأماكن في الهند التي قام المستعمر البريطاني بتسميتها تم تغييرها لأسماء هندية مثل: Kingsway أصبحت Rajpath و Queensway أصبحت Janpath و King Edward Road أصبح Maulana Azad Road

٢- تغيير بسبب ثورة أو أيدولوجية جديدة تريد نسف أي علاقة بالتي قبلها. ومن الأمثلة على ذلك:

في روسيا مدينة Stalingrad التي تغيرت بعد موت ستالين في ١٩٥٣ إلى Volgograd. وكذلك Leningrad تغيرت إلى اسمها الأصلي St Petersburg بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.  samara سمارا في روسيا تغيرت في الاتحاد السوفيتي إلى Kuibyshev ثم أعيدت تسميتها إلى سمارا في عام ١٩٩١.

٣- تغيير كتابة بعض الأماكن مع مرور الزمن واختلاف نطقها بين اللغات و اللهجات، ومن الأمثلة على ذلك:

– مسقط / مسكد / مسكت ( أو Muskat to Muscat ) .

– الفاسقة في صحار: يقول بعض سكانها بأنها في الأصل ألف ساقية؛ إذ تنقل الرواية عن وقوع معركة ووجود الكثير من النساء يسقين الجرحى؛ فسميت ألف ساقية. وتحرّف اللفظ مع الوقت لتصبح الفاسقة. 

–  قرنبيا موقع تاريخي في سوريا: تذكر المصادر أن اسمه في الأصل( مقر الأنبياء) وتغير مع مرور الوقت إلى قرنبيا

  – طوكيو Tokyo تذكر في المصادر بأسماء مختلفة  Tokei و Tokei.

٤- تغيير أسماء الأماكن بإعادة أسمائها القديمة الأصلية:

 تقوم الهند أكثر من أي دولة أخرى بعملية تغيير مستمرة لأسماء المدن. فهي تسعى لإعادة التسميات الأصلية. وبدأت عملية التغيير هذه بعد استقلالها من الحكم البريطاني. فقد قامت بتغيير أكثر من ١٠٠ اسم، فعلى سبيل المثال: مدراس Madras   إلى تشيناي Chennai. ولكن الهند لست بصدد تغيير اسماء المدن بعد الاحتلال البريطاني، بل حتى اسماء المدن التي تغيرت بعد الحكم الإسلامي كمدينة الله أباد   Allahabad  إلى Prayagraj  حيث كانت مركزًا مهمًا للديانة الهندوسية. وزادت عملية التغيير بعد تولي اليمين الهندوسي وحصوله على الأغلبية.

كما تقوم طاجكستان بالمثل؛ إذ قام رئيسها في ٢٠١٦ بإرسال قائمة بأسماء عدد من القرى والمقاطعات التي يريد تغيير أسماءها ذات الأصول غير الطاجكية أو الفارسية كالأسماء العربية لتحل محلها أسماء أصلية تعكس هوية المنطقة. وقد ذكر موقع  the diplomat أنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي استقلت الكثير من البلدان وسط آسيا، وقد كانت تحمل أسماء من اختيار النظام السوفييتي، غير أنها بعد الاستقلال بدأت في موجة تغيير جذرية، فلم تكتفِ بتغيير أسماء المناطق التي أسماها السوفييت؛ بل حتى الأسماء التي تتشابه مع غيرها من البدان المجاورة في موجة للقطيعة حتى مع الجيران الذين تجمعهم بهم ثقافة وتاريخ مشترك، وهذا الأمر لا يعكس سوى مدى انعزال هذه الأنظمة وهوسها النرجسي.

من المهم الإشارة إلى أن إعادة البحث في الأصول القديمة لأسماء الأماكن ومحاولة إحيائها هي سمة للبلدان التي عانت حقباً طويلة ومتعاقبة من الاستعمار الأجنبي، فتكون هذه ردة فعل طبيعية ولكن قد يراها الغالبية مبالغا فيها كما هو الحال مع الهند و طاجكستان، حيث أصبح التغيير جائراً لا يراعي حقوق فئات في مجتمعهم (كمسلمي الهند) و ينسف تاريخ وثقافة مشتركة بينه وبين دول الجوار كطاجيكستان.

5- تغيير أسماء بعض الأماكن لأسباب تسويقية تجارية (حالات نادرة) ومن الأمثلة على ذلك: 

– برنامج إذاعي مشهور في الخمسينات يدعى Truth or consequence قال إنه سينظم برنامجه في قرية تسمي نفسها باسم البرنامج بمناسبة مرور ١٠ أعوام على إطلاقه، وبالفعل قامت منطقة Hot Springs في New Mexico  بتغير اسمها إلى اسم هذا البرنامج!

  • –      في تكساس الأمريكية قرية Clark تم تغييرها إلى Dish في ٢٠٠٥ بعد عرض شركة تبيع صحون الستالايت (الدش) مقابل أن تمنح كل سكان القرية اشتراكًا مجانيًا لمدة ١٠ سنوات.

6- تغيير أسماء البلدان بأسماء الملوك والحكام أو حتى بأسماء القبائل ذات النفوذ:

وهناك عدة أمثلة عربية وعالمية لتغيير أسماء بلدان بأكملها على اسم من حكمها، ومن الأمثلة على ذلك:

 -السعودية (سميت باسم محمد بن سعود المؤسس الأول) والفلبين (سميت باسم الملك الإسباني فيليب الثاني).

أما على مستوى المدن، فالأمثلة كثيرة:

  • في عمان لدينا مدينة السلطان قابوس
  • الأسكندرية في مصر
  • مدينة الشيخ زايد في مصر
  • الإسماعيلية في مصر
  • بندر عباس في إيران

7- التغيير بسبب دلالات محرجة ومعاني مذمومة:

في العصر الحالي من النادر تغيير تسميات هذه الأماكن مهما كانت معانيها، إذ تعتبر من مناطق الجذب السياحي، وتميزها يكمن في غرابة أسمائها، وفي حالات نادرة يتم التغيير بعد إجراء تصويت على مستوى المنطقة.

– ومن الأمثلى على ذلك،  تغيير اسم قرية في أمريكا تحمل اسم Gay Head إلى Aquinnah التي تعني (الأرض أسفل التلة). التغيير تم في عام ١٩٩٧ بعد تصويت حصل على ٧٩ صوتًا مع التغيير مقابل ٢١ صوتًا ضد التغيير.

في المقابل نجد في أمريكا عشرات الأمكنة بأسماء غريبه مثل Boring التي تعني الممل أو الدجاجة Chicken أو ممشى الكلب Dog walk وغيرها الكثير، مثل هذه التسميات يندر تغييرها مع سوء معناها ودلالتها إلا في حالات نادرة وبعد تصويت سكان المنطقة وإجماعهم.

كيفية تغيير تسميات الأمكنة حول العالم

  • في حالة مطالبة الأهالي بالتغيير: يتم التصويت العام وفرز المؤيدين والمعارضين لتغيير الاسم، وهذه العملية تجرى في معظم الدول الديموقراطية.
  • في حالة مطالبة رؤساء الأحزاب – كما هو الحال في الهند- يتم رفع مقترح، وتتم الموافقة عليه من قبل مجلس المدينة.

– في البلدان العربية لم يتغير الأمر كثيرا ًعن القصص التاريخية، إذ قد يمر الخليفة أو الملك ويأمر بتغيير اسم مكان معين ذي معنى مذموم، وهذا الأمر لم يسنه النبي وحده؛ بل قام به الزعماء العرب قبل الإسلام. كما يتم التغيير بمطالبات بعض الأهالي كذلك، ولكن دون إجراء تصويت يمكنه تحديد أعداد من هم مع التغيير، ومن هم ضد التغيير.

الجذور التاريخية الإسلامية في تغيير الأسماء 

إن القارئ للسنة النبوية ليجد الكثير من القصص التي تتعلق بتغيير أسماء الأماكن والبشر كذلك. فقد سن النبي – عليه الصلاة والسلام- سنة في هذا. إذ قام بتغيير أسماء عدد كبير من الناس، وكذلك قام بتغيير تسميات عدد من الأماكن الجغرافية. ما يميز إعادة التسميات المحمدية أنه يبدل المعنى المذموم أو المنحوس بمعنى يجلب الفأل الحسن.

١- تغيير النبي لأسماء بعض الشخصيات:

  • عاصية بنت عمر بن الخطاب غيّر اسمها النبي فسماها (جميلة)
  • امرأة تدعى غيرة، غير اسمها النبي فسماها (مسرة)
  • عنبة أم صبيح بن سعيد النجاشي (جارية عائشة) غير اسمها النبي فسماها (عنقودة)

– قليل بن الصلت بن معد بن يكرب الكندي غير اسمه النبي فسماه (كثير بن الصلت)

٢- تغيير أسماء بعض الأمكنة:

– تغيير النبي لاسم (يثرب) إلى (المدينة ) بسبب معنى يثرب ودلالته الأقرب للفساد.

  • كما ورد في الحديث مرور النبي – عليه الصلاة و السلام- بأرض اسمها (عقرة أو عفرة) فسماها ( خضرة ) تفاؤلاً .
  • وإلى جانب ذلك، غيّر اسم موقع: (عفوة) فسماه النبي ( حضوة).

الأسماء تاريخ وهوية:

كما رأينا فإن الأسماء تتغير لأسباب عديدة؛ غير أن القوة الأبرز والأوسع في تغيير الأسماء تمتلكها ” السلطة”. ومع ذلك نلاحظ تفاوت بين البلدان فيما يتعلق بتغيير الأسماء؛ فهناك من يعي بأن الأسماء جزء من هوية المكان لهذا تغيير اسم منطقة ما ليس بالأمر السهل، وهناك جهات تقنن هذا الأمر قدر الإمكان، كما أن هناك جهات تقوم بحصر أي تغيير في الأسماء الجغرافية كالجمعية الأمريكية للأسماء American Name society ، التي تحصر كل ما له علاقه بالأسماء، وتربطها بأصولها والتغييرات التي طرأت عليها، كما أنها تصدر مجلة محكمة تحتوي دراسات في علم الأسماء onomastics. لا يحظى هذا النوع من الدراسات في البلدان العربية والأفريقية بالاهتمام؛ مما ساهم في فقد جزء كبير من ذاكرة الأماكن وأسمائها. كما ساهم هذا التهاون في أمر تغيير الأسماء إلى ممارسة التغيير الجائر الذي نال من أسماء الأماكن لأسباب تجميلية لا أكثر، فنسفت كل ما ارتبط بهذا الاسم من تاريخ. فعلى سبيل المثال: لو تغير اسم حلة الدلاليل في مسقط إلى اسم آخر، فهذا التغيير لن يمس الاسم فقط بل سيمس تاريخ المكان الذي حصل على اسمه ربما من وجود ( الدلاليل = جمع دلال – السمسار )، وتجمعهم في تلك المنطقة في حقبة معينة من التاريخ. وكذلك حلة المدبغة في مسقط قد تكون سميت لوجود مدبغة في ذلك الموقع أو لسبب آخر يستحق الدراسة قبل النسف. ونلاحظ أن الاسم هنا ليس مجرد اسم، ولكنه مصدر لمعلومة تاريخية قد يدلنا على مهن مارسها سكان المكان أو على مميزات طبيعية تفرد بها هذا المكان عن غيره.

بعد هذا العرض العام للأسباب التي يتغير بسببها اسم المكان، ولأهمية اسم المكان وعلاقته بتاريخ  المكان وهويته، سيكون المقال القادم مخصصًا عن تغيير أسماء الأماكن في السلطنة.

المراجع:

Bjorson,Karin. Genocide and Gross Human Rights Violations: In Comparative Perspective. 1st ed. Transaction Publishers. 1998.

https://www.telegraph.co.uk/news/worldnews/asia/srilanka/8237353/Sri-Lanka-to-remove-all-references-to-Ceylon.html

https://www.bbc.com/news/blogs-trending-47652680

https://thediplomat.com/2016/02/tajikistan-wastes-time-renaming-towns/

https://www.telegraph.co.uk/travel/destinations/north-america/united-states/articles/Ten-towns-that-changed-their-name/

https://www.asianage.com/opinion/oped/201018/the-politics-of-renaming.html

  • معجم لسان العرب. ابن منظور
  • معجم البلدان. ياقوت الحموي
  • أسد الغابة. ابن الأثير
  • المواقع الجغرافية في فلسطين – الأسماء العربية و التسميات العربية. شكري عراف.
0 420 12 أكتوبر, 2019 العاشر بعد المئة, العدد الأخير, ثقافة وفكر أكتوبر 12, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.