كرنفال الكتابة لخميس قلم

لـ

يذهب جيرار جينات إلى أن العنوان هو أحد أهم عتبات النص، وكرنفال الكتابة هو عنوان كتاب لمجموعة نصوص متفرقة بين الشعرية والنثرية للشاعر العماني خميس قلم، لكن ما المعنى الذي أراده الكاتب من اختياره لهذا العنوان؟، فالكرنفال في أصله احتفال ديني قديم يأتي بعد فترة الصوم التي تمتد من أول يناير إلى الثاني من فبراير، وهذا الاحتفال هو عبارة عن شكل تمثيلي يحمل خلاله الفرح والرقص والألوان ولبس الأقنعة، ويُذكر أن هذه الاحتفالية تعلقت بالمجتمعات الزراعية إمارة على التحرر من سجن الشتاء وإعلان عودة النور والحرية.

 ويرى باختين أن الكرنفال هو بمثابة المشهد المسرحي من غير أطوار ومحددات داخل المسرح، والكل فيه مشاركون، فهو تعبير جماعي عن حس جماعي، كما أن هذا التعبير الجماعي المشترك يتم فيه تجاوز كل القيود الاجتماعية والأخلاقية والدينية الموروثة، ويلبس الجميع الأقنعة لتمحى كل الألقاب والمراتب الاجتماعية أثناء الممارسة الكرنفالية، فهو دعوة للخروج من الثابت إلى المتغير، وتعتبر جوليا كريستيفيا الكرنفال بممارساته هو عالم اللانظام، وعالم اللا نظام في الكتابة هو فوضى النص التي تقود إلى لذة الانتظار والدهشة، فيذهب خميس في تقسيم  كتابه “كرنفال الكتابة” إلى سبعة أقسام؛ يستلهمها من الطبيعة الفينمولوجية للكرنفال كما سيظر لنا في العرض الآتي:

صخب الألوان

يوحي عنوان هذا القسم إلى حضور صارخ لألوان كثيرة من الممارسات الحياتية والعلاقات الاجتماعية، فهو يشرح تأملاته التي يستلهمها من حركة الحياة الاعتيادية، فنصا أمومة واقتحام يظهران عمق العلاقة الأسرية لدى الكاتب؛ فالأمومة كما يقول “لن يكبر أطفالنا إلا إذا تركناهم للمسافات”، وفي نص يسارية يرى أن أي شيء في الوجود ما لم يدخل في معاملات البشر التي هي في الغالب مشبعة بالجشع والوحشية؛ فهو ما يزال طاهرًا “يدي اليسرى طاهرة، يدي اليسرى لا تصافح البشر”، وكذلك في النصوص “تشاكل وبراءة ورثاء قط وعمش وشواء”.

 ونجد من ضمن هذه المجموعة النصوص الذاتية ورسائل الأصدقاء، فمثلا في نص “بصيرة أعمى” يمتلئ الكاتب بالقلق والاسئلة بفعل ما تلقيه العتمة والعزلة في قلبه، وفي نصّي “إلى أين، لا تفكر في الآلات” تحقيق لدعوة الإصغاء لصوت الوجود المختزل في صوت الموسيقى ويشدد قائلا “هي لا تكذب، هي لا تكذب”، كما يتميز نص كليات بأن كل جملة فيه تبدأ بكلمة “كل” الشمولية إلى أن اختتم النص بتوقيع الحقيقة المخبوءة في الكلمة حيث يقول “كل جزء كل”، وهو يؤكد أن الشمولية موجودة حتى في الأشياء البسيطة، ونصوص هذا القسم متباينة في المواضيع وأشكال الكتابة، إذ ينتقل الكاتب بين الشعر والنثر وبأشكال مختلفة، فيحقق أحد مطالب هذا الاحتفال الكرنفالي في أشكال الكتابة.

مهرج بلا أنف:

يجعل الكاتب نصوص هذا القسم للسخرية من الأوضاع السياسية التي عاشها وكان جزءا منها، وهو يعنونه بـ”مهرج بلا أنف” إشارة إلى أن لعبة السياسة الحاصلة هي لعبة “تهريج” ومعيبة “بلا أنف”، ويبدأ فيه بنص اعتذار ساخرا من أولائك الحساد الذين يرونه يعلو في سلم مواجهة الفساد، ثم ينتقل للتحدث عن معاني الاعتصامات والثورة في نصي “لذة، المعتصمون”، كما أنه يستحضر بعض الأحوال الداخلية في نصوص “المتسول، والمناضل ذو العينين، والأسد العجوز، ويحدث في مسقط  بل في مسقط يحدث، وحوار إلكتروني”، إذ نجد في هذه النصوص تعبيرًا عن جشع بعض رجالات المناصب والسلطة، وفي الطرف الآخر فقراء لا يجدون لقمتهم وهم يعيشون قرب أثرياء البلد، كما نرى ذلك في نص “يحدث في مسقط بل في مسقط يحدث”، حيث يقول: “الأم تجلس كل ليلة أمام محطة البترول تبيع شعر بناتها”، ويتحقق في هذا القسم البوح عن حس جماعي مبكوت تجاه الممارسات السياسية الحاصلة كما يفعل ممثلو الكرنفال أثناء الاحتفال.

إيماضات

الوميض هو سفر قصير للضوء لا يتعدى الثانية، وهو كما يريد الكاتب لمحة ذكرى لأيام قلائل ما زالت تعتنقها الذاكرة، يحاول الكاتب هنا أن ينقل تجربته الإنسانية التي عاشها بين أفياء الاسكندرية واسطنبول، تلك الذكريات المتضاربة بين الحقيقة والخيال بأسلوب سردي شائق، فهو يقول في النص الثاني من هذه المجموعة “الذاكرة ماكرة والخيال قواد”؛ تحقيقًا لمعنى الوميض المتجلي في الذاكرة، وهو في إحدى شُرفات الإسكندرية، أما النص الأخير في هذه المجموعة وهو “سطوة المكان” يظهر أن لهذه السطوة شاعرية أكبر من القصيدة، حيث يقول في خاتمة النص “أراد الشاعر أن يقول قصيدته التي لم تأت”، وتتقاطع هذه المجموعة مع الحالة الكرنفالية في كونها بوحًا لممارسات حياتية مكبوتة لديه لكنها ما زالت موجودة بالذاكرة، فأراد أن يضعها في مثل هذه الإيماضات.

شريط لقبعة

يخصص الكاتب كل نصوص هذه القسم للحديث عن الحب والغزل وقضاياه منطلقا من رؤاه وتجاربه، إذ يتمنى في نص “أمنية” الحب الخالص ولو من عفريته، وينطلق معبرا في أغلب نصوص هذا القسم عن نار الحب والشوق للمحبوب، ففي نص ظلك وجهي يقول: “هذا القلب كلب بين يديك مدرب على الوفاء لرائحتك”، أما في نص “الوسواسة” فيعرج الكاتب إلى الحب المقتول باسم عادات المجتمع، وينعت أفراد المجتمع بأنهم ليسوا سوى متفرجين “لا تستنجدي بي فأنا مجرد متفرج على مسرح العرائس”، وهو في هذه المجموعة يحاول التحرر من القيود الاجتماعية التي يفرضها عليه مجتمعه، كما يسمح الكرنفال لممثليه التحرر في ممارستهم الاحتفالية.

إيقاع

اشتغل الكاتب في هذا القسم على الإيقاع في كل نصوصه، فهي شعرية بإيقاعات منوعة تُصعّد من حدة الموضوع المطروح، فمثلا في نص تقاسيم على وتر العزلة يصعّد حالة العزلة “واكمدي..مسجون يا روحي مسجون..في خربة جسدي”، كما نرى الاشتغال على شكل جديد في الكتابة، وهي تعميق المعنى كلما اقتربنا من الصورة أكثر كما هو واضح في نص “هي” حيث يقول: “هي نجمة.. هي نجمة أفلت..هي نجمة أفلت لتصحو..هي نجمة أفلت لتصحو في حقولي..هي نجمة أفلت لتصحو في حقولي وردة..”، ويظهر لنا أن الاشتغال بزيادة كلمة أو كلمتين لتأخذ الجملة معنى جديدا لا يتنافى مع المعنى السابق، والإيقاع هو تعبير عن الموسيقى والرقص خلال الاحتفال، لذا نجد أن الكاتب عرج على وضع إيقاعات مختلفة لموضوعات متباينة من خلال الأشكال الكتابية لتشكل مظهرا حركيا احتفاليا في الداخل.

ثياب السخرية

يمكن أن نصنف نصوص هذه المجموعة بأنها قصص قصيرة جيدا، وقد ألبس فيها الكاتب شخصياته “دهمان، دهمانة” ثياب السخرية من المجتمع الذي يعيشه، كون هذا المجتمع يدعي المثالية في كل شيء، فمثلا في نص قوامة الذي يذهب فيه إلى تقييد المرأة من كل حرياتها معللا بأنها تحتاج إلى محرم، وكذا نص خمول الذي يظهر فيه دهمان أنه بحاجة إلى راحة من ممارسة الراحة ساخرا من مجتمع ينغمس في الراحة ويدعي التطور والرقي، وهكذا بقية نصوص هذه المجموعة، فالكاتب في هذا القسم يمارس ما يتطلبه الكرنفال من سخرية من الواقع المحيط خلف شخصياته، فهو يتحرر من القيود ليعري مجتمعه.

أدخنة تتسامى

الدخان هو عبارة عن بقايا احتراق تعلو للسماء، هكذا أراد الكاتب أن يخبرنا عن بقايا تجارب إنسانية ما زالت تحتفظ بالعظمة، نجد أن معظم نصوص هذا القسم تشرح بأسلوب سردي جميل نتائج أحداث سابقة على بقايا حياة الإنسان، فنص إرادة الأرض كان يمضي بالقارئ إلى مدى عمق مرارة فقد الأب، الذي ما يزال حاضرا في كل لحظة حياتية، ويمثل الفرح الناقص “أيتها الأرض خذي كل هؤلاء المحبين وأعيدي لي أبي”، وأيضا يتضح دخان هذه التجارب جليا في نص منطق الذي تنصح فيه الأم ولدها قائلة “يا ولدي أفعل أي شيء إلا أن تكذب أو تسرق”، حتى تجده يوما ما وقد كبر يمارس الرذيلة معللا أن أمه نهته عن شيئين فقط في الحياة، كل هذه التجارب التي نرى نتائجها تتصاعد بعد نضجها واحتراقها كانت حاضرة أيضا في بقية نصوص هذا المجموعة، وهنا يعمد الكاتب إلى التعبير عن حس جماعي مكبوت لدى مجتمعه كما هو واضح من النصوص، والكرنفال لا يضع ضوابط في طريقة التعبير أثناء طقس الاحتفال فهو يخرج الأنا المتغيرة المكبوتة التي هي نقيضة للأنا الثابتة الظاهرة.

المراجع:

  • عون، سفيان. “الزمان الميتاروائي والتمرد سردا سحر الحكاية في رواية الكرنفال.” كتابات معاصرة، حزيران 2005.
  • الغزيل، سليم داود.”الكرنفالية ..الاحتفالية في الروائي نموذج ميخائيل باختين.” كتابات معاصرة، آذار 2002.
0 310 13 أكتوبر, 2019 أدب, العاشر بعد المئة, العدد الأخير أكتوبر 13, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.