كتاب “شرق أوسط جديد” الصيغة الأقدم لعناوين “صفقة القرن”

لـ

   لاحقا لاتفاقية أوسلو – الموقعة عام 1993 – التي كانت بمثابة إعلان مبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الفلسطيني لـ ” الضفة الغربية ” وغزة بعد الانسحاب الإسرائيلي منهما، جاء ما يعرف بـ ” اتفاق غزة – أريحا”، الذي تضمّن محددات تفصيلية لطبيعة هذا الحكم. في ظل هذه الأجواء السياسية التي تعد محطة مهمة من محطات المحادثات الفلسطينية – الإسرائيلية من جهة، ومن مجمل التفاصيل المرتبطة بما كان يعرف بـ “الصراع العربي – الإسرائيلي “، أصدر شيمون بيريز كتابا تحت عنوان ” الشرق الأوسط الجديد “. ولاقى الكتاب منذ صدوره انتشارا واسعا على المستوى العالمي، وترجم أيضا إلى العديد من اللغات. فأقبل على مطالعته السياسيون وصنّاع القرار، وأجرت مراكز البحث والتفكير قراءات معمقة حوله، ناهيك عن الاهتمام الواسع الذي قوبل به على مستوى الرأي العام، الغربي على وجه الخصوص. فصورة الرجل في أذهان الغرب مرتبطة بالموضوعية بدرجة كبيرة، إضافة إلى أنه صاحب تجربة طويلة في المجالين العسكري والسياسي، وكان مشاركا في كثير من الأحداث المفصلية على صعيد عموم الصراع العربي – الإسرائيلي، ناهيك أنه كان، وبحكم موقعه وزيرًا للخارجية في حكومة الكيان الإسرائيلي، المسؤول المباشر عن ملف التفاوض مع الفلسطينيين في مرحلة التوقيع على معاهدة أوسلو.

   هذا الانطباع السائد في أذهان الغرب، إضافة للسيرة التي لم تنقطع لحظة واحدة عن المشاركة في الأحداث وكذلك صناعتها، كانت جميعها عناصر محفزة كي يقبل كثيرون على قراءة الكتاب لمعرفة ماذا يريد الرجل أن يقوله، وتلمس الرؤى التي يتوقعها لمستقبل المنطقة، خاصة أن الدعاية التي رافقت الكتاب، كانت تتعامل مع الإصدار باعتباره خطة سلام عملية يمكن تطبيقها على مراحل، إضافة إلى أن السياسة الإسرائيلية تعاملت معه باعتباره أقرب ما يكون إلى الوثيقة الرسمية التي تترجم على نحو دقيق موقف فريق مهم ومؤثر، له تصوراته وأولوياته المنتظمة في هذا الكيان، فريق مؤمن بأن المراحل الواردة في المشروع المقترح يمكن البدء في تنفيذها بصورة منتظمة ووفق نسق تراتبي وصولا إلى مرحلة إعادة تشكيل الشرق الأوسط بصورة توافقية مع كافة الأطراف الرسمية في المنطقة، يكون لإسرائيل في كافة المراحل الانتقالية وصولا إلى الوضع النهائي دور القيادة والمتحكم بالمسار العام للخطة، وصولا إلى مرحلة يعم فيها السلام. غير أن المتتبع لتفاصيل هذه الخطة ومسارها المنتظم، سيدرك أثناء قراءة متأنية للكتاب، وعلى نحو لا لبس فيه ولا غموض، كمّية السم التي دسها الرجل من خلال الوعود والأحلام المعسولة التي أطلقها، وهو الجانب الذي تسعى هذه القراءة إلى إظهار بعض ملامح هذا الدسّ.

   الكتاب، بنسخته المترجمة للعربية، صادر في عام 1994 عن ” الأهلية ” للنشر والتوزيع في عمّان، ويقع في 230 صفحة، ومقسّم إلى أربعة عشر عنوانا. يمكن اعتبار العناوين الثلاثة الأولى من الكتاب توطئة تاريخية وسياسية لحالة الصراع العربي – الإسرائيلي وصولا إلى لحظة توقيع معاهدة أوسلو، فيما تضمنت العناوين اللاحقة تفصيلا لواقع مستقبلي، جوهر فكرته أن شرق أوسط جديد هو في طور التشكل، وأول مراحل تكوين هذا المستقبل هو البناء على معاهدة أوسلو، تليها سلسلة خطوات وإجراءات عملية وصولا إلى مرحلة تصبح فيها المنطقة “المشرق العربي ودول الخليج العربي” وحدة متكاملة وفق الأولويات الآتية: اقتصادية، وأمنية، وسياسية، وأنّ تجاوز هذه المرحلة لن يكون نتيجة جهد إسرائيلي صرف؛ فالنظام الرسمي العربي في المنطقة سيكون داعما ومساندا للتصورات والرؤى التي تقودها تل أبيب، سواء كان هذا الدعم بالرضى أو بالإكراه، إلا أن الصيغة الأكثر واقعية وفق نظر بيريز تكمن في ” إجبار العرب على سلام، مقابل المساهمة في تطوير القطاعات الاقتصادية والتكنولوجية كمحفزات لقبول إسرائيل”، بمعنى أن تصبح إسرائيل كيانا طبيعيا ضمن الأسرة الإقليمية.

     ويرى بيريز أن هناك جملة من المعيقات والتحديات أمام عملية الانتقال التاريخية هذه، وهي تحديات حقيقية لا يمكن بحال التقليل من شأنها، وعليه تغدو من مصلحة كافة الدول، الكارهة أو الراغبة في المشروع الإسرائيلي، بذل جهد وتعاون حقيقيين في سبيل التغلب على هذه الصعاب التي تتمثل فيما أسماه بـ ” النهضة الإسلامية “الساعية إلى إقامة “جمهورية إسلامية أوتوقراطية مستبدة”. ويرى في هذه ” الصحوة ” كما أسماها في كتابه، حالة تهدد السلام والأمن في المنطقة، وأنها تخلف الخطر الشيوعي على مستوى تهديد الأمن والسلم العالميين، وبذا يرى أن الحركة الإسلامية، في مرحلة ما بعد اتفاقية أوسلو، التحدي الأكبر الذي لا يواجه إسرائيل وحدها، وإنما سائر الأنظمة العربية، ومن ثم فإن تعاونت إسرائيل والأنظمة العربية في مواجهة هذا التحدي، فستصبح مسألة معلقًا بها مصير الطرفين ومستقبلهما في الوقت نفسه.

   شرح المؤلف في فصلين متتابعين طبيعة هذه الأخطار والتحديات، وأن هناك قوى في الإقليم  ستعمل على إجهاض المشروع من خلال استهداف الأمن القومي لإسرائيل أولا، إضافة إلى استهداف الأمن الإقليمي. على مستوى الأمن القومي لإسرائيل، ينطلق بيريز في تناوله للموضوع من شرح التبدلات العميقة التي أصابت الإستراتيجية العسكرية التقليدية في الصميم، حيث لم تعد عناصر مثل ” الوقت، المساحة، كمية السلاح” مظاهر حاسمة في أي مواجهة عسكرية،  وبذا تكون التكنولوجيا المعاصرة قد تمكنت من خلخلة هذه الأركان وهزها على نحو عميق. فالصواريخ التي يمكن إطلاقها من نقطة ما، لتصيب هدفا في نقطة أخرى –  وبغض النظر عن مداها – أربكت من الناحية العملية الثوابت العسكرية التقليدية وسخرت منها. وبذا أخذ مفهوم  ” العمق الاستراتيجي” بالتلاشي  تدريجيا، وغدا بلا معنى، ولذلك فإن تغيرا ما على المستوى السياسي والأمني ينبغي أن يواكب هذا التطور.

    ولمواجهة هذا التبدل، أو الانقلاب في المعادلة العسكرية، بات من الضروري أن تعيد إسرائيل ترتيب أولوياتها، وأول خطوة في هذا الاتجاه تلزم إسرائيل التقليل من ” قيمة ” المناطق المحتلة. وهذه عبارة مفخخة، قد تفهم للوهلة الأولى باعتبارها إشارة سياسية بانسحاب إسرائيل وتخليها عن هذه الأراضي؛ إلا أن المعنى الحقيقي لهذه الكلمة يقضي بأن إسرائيل لن تتنازل عن أي مساحة من الأرض إلا بعد تأكدها التام أن هذه الأرض قد أفرغت بالكامل من أي عنصر من عناصر التهديد لها. وعمليا فإن هذا هو واقع الأراضي الفلسطينية الواقعة تحت إشراف السلطة الفلسطينية، مناطق مفرغة بالكامل من مظاهر القوة العسكرية، إضافة أن هذه الأراضي مساحة مستباحة لجيش الاحتلال، الذي بمقدوره الدخول وقتما شاء إلى هذه الأراضي وتنفيذ عمليات اعتقال أو اغتيال لرموز مقاومة، ثم الانسحاب بصورة آمنة. ومن مظاهر تعزيز الأمن القومي لإسرائيل التي أكد عليها الكتاب، إقامة ” نظام إقليمي للرقابة والرصد”. وإنشاء ” تشكيلات عسكرية قادرة على الرد” إضافة إلى إنشاء تحالف إقليمي له سلطة توجيه الضربات، باعتبار أن هذا التحالف هو الضامن لإنقاذ ” الشرق الأوسط من اللقاء المميت بين القوة النووية والإسلام “. بمعنى أن مظاهر القوة العسكرية في عدد من الدول المجاورة للكيان، ستسخر بالكامل لضمان أمن إسرائيل. علما بأن هذه صيغة ليست جديدة أو مبتكرة، وهي امتداد لنسق تاريخي توافقي بين إسرائيل وجوارها العربي، إلا أن ما يميزه وفق طرح بيريز، أنه يأتي في سياق أمن المنطقة والإقليم.

   ومع إسهابه وشرحه التفصيلي في ذكر الخطر النووي الذي يهدد المنطقة، والمخاطر التي تحاصر مستقبل المنطقة بسبب احتمالية امتلاك قوى محلية نماذج من أسلحة التدمير الشامل، إلا أنه لم يتناول، ولو بإشارة خفية، المخاطر الإقليمية الناجمة عن امتلاك إسرائيل أسلحة نووية وأسلحة غير تقليدية. 

   وفيما يخص ” الأمن الإقليمي “، فيرى أن أساسه ينبغي أن يكون مبنيا على مبدأ “جمع المعلومات”  وليس على مبدأ الأمن الجماعي، بمعنى أن طبيعة المرحلة المقبلة تقتضي أن يكون الدور الأكبر لفاعلية المجهود الاستخباراتي، بالاعتماد على أنظمة متطورة للتجسس وجمع المعلومات، إضافة لتبادلها ونقلها إلى ” كافة الأطراف”. والتأكيد على كلمة “كافة” يوحي أنه لن يكون في المرحلة المتخيلة بذهن بيريز، وهو يضع تصوراته قبل عشرين عاما، أن يكون في الفترة المقبلة نظام سياسي غير متوافق مع المشروع الإسرائيلي، وأن كلا الطرفين متفاهمان ومتعاونان معا بهدف تتبع القوى المعارضة للصيغة التي تقترحها إسرائيل للشكل النهائي الذي ستستقر عليه المنطقة. وما من شك أن معظمنا تناهى إلى علمه عبر مختلف وسائل الإعلام، وجود حالة من التنسيق وتبادل المعلومات الاستخبارية وبصورة منتظمة بين دول في الخليج العربي، مثل دولة الإمارات والسعودية مع إسرائيل، وأكدت تقارير عديدة أن مسألة التقارب الاستخباراتي هي في اتساع مطرد وتكاد تشمل معظم دول المنطقة. فالكل يتقاسم  معلوماته مع إسرائيل، حتى باتت هذه الأخيرة تمتلك قاعدة بيانات هي الأضخم على مستوى المنطقة.

   هذه أبرز التحديات المفترضة لخطة بيريز، أما جوهر نظريته في الأدوات والوسائل التي يمكن من خلالها استبدال الشرق الأوسط القديم بآخر جديد، فيكمن في ضرورة ” الانتقال من اقتصاد صراع، إلى اقتصاد سلام. وحصر المصادر لتطوير بنى تحتية تلائم العصر الجديد من السلام “.    وهذه الفكرة تحديدا مستوحاة من تجربة القارة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، عندما توصل الأوروبيون لحقيقة أن أفضل وسيلة لمنع تكرار هذه التجربة، تكمن في انخراطهم جميعا في علاقات ومصالح اقتصادية مشتركة، والعمل جميعا على تعزيز هذه العلاقات وتنامي المصالح، وبذا تتضاءل فرص نشوب حرب مرة أخرى. وإذا كان بيريز قد استلهم بنودًا مشروعة من وحي التجربة الأوروبية؛ إلا أنه استبعد الجزء الأهم منها، وهو مبدأ التشاركية. فحيثما صرفت نظرك بين أسطر الكتاب لن تجد إلا إصرارا على احتكار إسرائيل وتفردها في الإمساك بزمام الفعل الاقتصادي والأمني، وهذه مسألة يمكن الاستدلال عليها بأكثر من موطن في الفصول السبعة اللاحقة من الكتاب.

   في هذه الفصول وضح بيريز أدوات التفكير الجديدة وأساليبها، التي يمكن من خلالها الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام، وعرض أبرز المشاريع التي يمكن من خلالها تحقيق هذا الهدف، التي من أبرزها: مشاريع مشتركة في مجالات المياه والزراعة وإدارة الصحراء، وهذه قطاعات روج الكتاب لها في أكثر من مكان باعتبار أن الخبرة الإسرائيلية هي الأقدر، وأنه لا يضاهيها أي من الخبرات الموازية في المنطقة، وأن كيانه يمتلك “مزية نسبية، في استخدام الأبحاث الأساسية والتطبيقية، في الزراعة والتصحر… ” كما أن لديها تجارب ناجحة في العديد من دول المنطقة، التي تربطها بإسرائيل علاقات دبلوماسية، إضافة إلى تلك التي لا تربطها مثل هذه العلاقة، ومن ثم فإن كل ما هو مطلوب لإتمام هذا الملف إكمال معاهد الأبحاث الإسرائيلية دورها في المنطقة ولكن بصورة علنية، ومزيد من التوسع والانتشار.

   وأسهب صاحب الكتاب في الحديث عن البنية التحتية للنقل، سواء من خلال تحديث أو إنشاء طرق برية جديدة، تساهم في انسياب عملية التنقل وكذلك نقل البضائع. وهذه العملية تتطلب كذلك تطوير الموانئ وإنشاء المزيد منها، وافتتاح المزيد من المناطق الحرة، وإعطاء أهمية خاصة لإعادة تشغيل خطوط السكك الحديدية وتطويرها، وإنشاء شبكات جديدة تربط إسرائيل بدول المنطقة كافة. وفي المؤتمر الدولي لشؤون المواصلات الذي عقد قبل عام في مسقط، كشف وزير المواصلات الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، عن وجود خطة تحت عنوان “سكة حديد السلام” وهي شبكة ممتدة، تربط إسرائيل مع دول الخليج العربي مرورا بالأردن. ولا داعي هنا لإعادة الفكرة ذاتها التي كان أكد عليها بيريز عند حديثه عن قطاعات المياه والري والزراعة، كذلك الحال بالنسبة للمؤسسات التي ستتولى الإشراف وإدارة حركة المطارات والموانئ والطرق المقترحة، باعتبارها خاضعة لإدارة إسرائيلية بالدرجة الأولى.

   كما توسع الكتاب وهو يشرح على نحو تأملي متفائل، حالة الرواج والنهضة الاقتصادية التي ستعمّ المنطقة بعد إنجاز هذه المشاريع. وفي مقدمتها بالطبع انتعاش الحركة السياحية التي ستُفتح أمامها الأبواب دون ضوابط أو معيقات.

   أما العنصر الأهم لإتمام هذه المشاريع الطموحة فيكمن في البحث عن مصادر تمويل لها. ولتجاوز هذه المعضلة، ينطلق بيريز من فكرة أن السلام لا يمكن أن يتحقق من خلال جهد سياسي فحسب، وإنما ينبغي أن توازيه، أو تسبقه، معالجات اقتصادية عميقة باعتبار أن التأزيم ومظاهر التشدد هي بالأساس نتاج مشاكل وأزمات اقتصادية واجتماعية، أكثر من كونها نتاج موقف سياسي،  وعليه ينبغي النظر إلى الإقليم والتعامل معه باعتباره إقليما اقتصاديا بالدرجة الأولى. وحتى يتمكن الجميع من بلوغ مرحلة السلم وتعم الفائدة، ينبغي ” الانتقال من اقتصاد صراع إلى اقتصاد سلام” وهذا يتطلب إقامة مشاريع اقتصادية كبيرة، وأن مصادر تمويلها يمكن جمعها من مصادر ذاتية، حيث تضطلع الدول المنتجة للنفط بالإسهام بنسبة مئوية محددة لتمويل هذه المشاريع، إضافة إلى تلقي الدعم والمساعدات من الاتحاد الأوروبي واليابان والبنك الدولي، والشكل الثالث للتمويل يكمن في العروض التي تقدمها الشركات العالمية العملاقة، التي ستبادر إلى هذا التمويل بشكل حماسي نظرا للأرباح التي ستجنيها لاحقا من هذه المشاريع. وبالطبع لم يغفل بيريز، كعادته مع كل طرح، التذكير بأن قنوات التمويل المالي وكذلك ترتيب أولويات تنفيذ المشاريع جميعها، ينبغي أن تمر عبر المنافذ والقنوات الإسرائيلية. وأحد أوجه التطبيق العملي الراهن لهذا كله، نجده في الإعلان السعودي عن مخطط “نيوم”، وهو مشروع مدينة ذكية ضخمة بتكلفة 500 مليار دولار، وتشمل أوجه الاستثمار مجالات: السياحة والترفيه، المياه، الزراعة، الطاقة، المواصلات… وتتولى الحكومة السعودية تمويل جزء من هذا المشروع وبمساهمة مستثمرين محليين وعالميين.

   والصيغة التي اقترحها بيريز لمشاركة مستثمرين دوليين في مشاريع ضخمة بالمنطقة، أن تكون ضمن ما يعرف اصطلاحا بـ “الكونسورتيوم” وهي صيغة تعاقدية تتجاوز كافة القوانين والتشريعات المحلية. ومن نماذجها الحية في هذه الآونة، إقرار الحكومة الأردنية التعاقد مع شركة أمريكية – وهمية – ضمن ما يعرف باتفاقية الغاز، وهي اتفاقية تتضمن تزويد الأردن بمادة الغاز “الإسرائيلي” – الذي هو بالأصل مورد منهوب من الأراضي الفلسطينية-، وبأسعار مرتفعة مقارنة بأسعار هذه المادة في السوق العالمي. ومؤخرا لم يسمح لمجلس النواب الأردني، ومن خلال قرار قضائي، التصويت على الاتفاقية باعتبارها ليست ضمن صلاحياته. وهناك تجارب عالمية عديدة أثبتت بمجموعها عدم جدوى مثل هذه الصيغة من التعاقد بين الحكومات وشركات عالمية كبرى، حيث ترتفع نسبة المخاطر، بسبب أن الجهة المتعاقد معها ليس لها صفة اعتبارية.

   اللافت أن بيريز ذكر في كتابه كافة أشكال المشاريع التي يمكن تنفيذها في المستقبل، غير أنه غفل عن قطاع بالغ الأهمية، والأرجح أنه أغفله عامدا، وهو قطاع الصناعة. فلم تصدر عن كتابه، ولو إشارة بسيطة عن موضع أو مكانة هذا القطاع في مستقبل المنطقة، بخلاف تفصيله الدقيق وإحاطته المسهبة في تناول سائر القطاعات. وهذا الإهمال المتعمد في تناول هذا القطاع يتلاقى عمليا مع مبدأ هو في صميم الطرح الإيديولوجي للفكر الصهيوني، القاضي بضرورة أن تبقى المنطقة العربية في حالة تخلف صناعي، والحيلولة دون أن تبلغ شعوب المنطقة مرحلة الصناعة التكنولوجية المتطورة، فهذا المجال ينبغي أن يبقى محتكرا على دولة إسرائيل وحدها.

   نقطة أخرى تسترعي الانتباه والتوقف عندها قليلا، تلك المرتبطة بالنفط. فبالرغم من  حيوية هذا المورد واعتباره بمثابة العامود الفقري لاقتصاد المنطقة، والقادر على النهوض وإنجاز جزء غير يسير من المشاريع المقترحة، ومع ذلك فإن بيريز لم يتناول هذا المورد سوى ثلاث مرات وعلى نحو عابر يكاد يكون عرضيا. حتى الفصول التي تناول من خلالها الأهمية الإستراتيجية للمنطقة، فإنه أغفل ذكر النفط ودوره. أذكر أن التبرير الذي كان محل قبول لدى الكثيرين لاستبعاد مؤلف الكتاب لهذه النقطة تحديدا لحظة صدوره، أن بيريز لم تكن لديه رغبة أن يكون كتابه سببا لإحراج قادة الخليج وزعاماته من خلال الحديث عن دور مستقبلي لأوطانهم في دعم وتمويل مخطط يفضي إلى سيطرة إسرائيل على المنطقة بالكامل، واكتمال المخطط الصهيوني التوسعي، خصوصا والحديث هنا عن فترة مطلع التسعينيات، حيث ما زالت الأفكار المرتبطة بالمقاومة ورفض التطبيع هي السائدة، ولا يوجد في الساحة طرح مناقض، له حججه ومبرراته كما هو حاصل الآن. غير أن جميع من قرأ الكتاب في تلك الفترة، كان مدركا على نحو كامل أن دور النفط في مخطط الشرق الأوسط الجديد سيكون الأبرز.

   الملاحظة الأخيرة بخصوص هذا الكتاب ” الخطة ” – وهي ذات صلة بمسألة الإغفال عن عمد لقضايا حيوية في علاقات دول الإقليم بعضها ببعض – أن بيريز أغفل أو كاد يغفل تماما الدور الأمريكي في المنطقة  سواء عند اكتمال مقترحه، أو أثناء تنفيذ مشاريعه المتعددة، كما أنه لم يأت على ذكر الإدارة الأمريكية عند تناوله مسائل متعلقة بالمساعدات ومصادر التمويل، ويمكن الاستنتاج من هذا الاستبعاد، أنه ومنذ تسعينيات القرن الماضي، كانت هناك نظرة استشرافية توافقية تفضي أن الولايات المتحدة ستغادر المنطقة بصورة تدريجية، وأن هذا الانسحاب يتناسب طرديا، فكلما أخذت المصالح الأميركية في المنطقة بالتراجع والانكماش، فإن الوجود الأمريكي يأخذ أشكالا متعددة من الانسحاب التدريجي في مقدار التأثير،  وبذا تغدو مهمة تعبئة هذا الفراغ مسؤولية إسرائيل بالدرجة الأولى. ومواقف تخلي الولايات المتحدة عن بعض أصدقائها التاريخيين في المنطقة واضحة للجميع ولا تحتاج لكثير تفصيل، كما أن مسارعة هؤلاء الأصدقاء إلى إسرائيل    واعتمادها بديلا توافقيا مكان الولايات المتحدة، مشهدية حاضرة على نحو يومي.

   يرى البعض أن اللحظة الصهيونية في المنطقة هذا أوانها، وموعد قطافها، غير أنها رؤية قاصرة وضعيفة، أو بمعنى أكثر دقة رؤية ممزوجة من مكوني الأماني والأوهام، حيث ما زال هناك واقع حقيقي وليس افتراضيا، عمل ويعمل ليس فقط على تأجيل هذه اللحظة وإنما على إفشال كافة عناصر ومقومات المخطط الصهيوني التوسعي، القاضي بتحقيق حلم دولة إسرائيل الكبرى. نجد بعض ملامح هذا الواقع في الخاصرة الجنوبية الغربية لأرض شبه الجزيرة العربية وفي ثغر بالزاوية الشمالية الغربية للهلال الخصيب.  

0 670 16 أكتوبر, 2019 العاشر بعد المئة, العدد الأخير, سياسة أكتوبر 16, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.