انحناءة لـ”ولد البلد”

لـ

استطاع المخرج الذي ينحني للممثلين أولًا وللجمهور تاليًا، أن يحيي ثلاث ليال مسقطية بمسرحية غنية قريبة من مشاعر الجمهور تعبر عن هموم الشارع وتستعرضها على يد كوكبة من أجيال الممثلين العمانيين قدموا لنا مسرحية ممتعة على مدى أكثر من ساعتين ونصف دون أن ينتاب الحضور أقل بوادر التململ، على ما في ذلك من إجهاد لطاقم المسرحية وللممثلين، لكن غاية الفن تستحق كل جهد الفنان.

قدم لنا مالك المسلماني مخرجًا وكاتبًا مسرحيًا، ومنتجًا في الوقت نفسه، بأسلوبه الكوميدي مسرحية ملأت الليل بالضحكات حد الدموع، مع التزام حقيقي بالكوميديا الحقة التي تتناول الواقع وقضاياه، لا التي تهرج على حساب الواقع، في مسرحية عدّها البعض جريئة في الطرح، مقارنة بما وقر في الأذهان من حدود المسموح والممنوع عند الرقابة العمانية، فكانت فصول المسرحية ملأى بكوميديا من العيار الثقيل، واستطاعت استثمار إمكانياتها الفنية لإنتاج مسرحية متكاملة أحيت هيبة المسرح بعد طول ترقب، لتواكب هذه الحركة كل الحراك المسرحي النشط الذي أعاد للمسرح صيته وحضوره الجماهيري بجهود عدد من الشباب الخلّص الذين لم يتخلوا عن المسرح رغم سنين الأزمات والانقطاعات، والمنافسات القائمة، خاصة الإلكترونية التي تضاف للسينما والتلفزيون، لكن مع ذلك استطاعت المسرحية أن تجذب جمهورها العماني من كل حدب وصوب، حتى من خارج المدينة ومن أطراف البلاد القصية.

لعل أهم ما ميز مسرحية ولد البلد هو النص المتقن المحبوك في قالب فني، فالنص المسرحي هو خشبة الخشبة، فجاء النص قويًا حيويًا واستطاع أن يستلهم أصداء وخوالج الرأي العام، على ما في ذلك من صعوبة، مع أن مراد الفن دومًا هو أن يحمل أصداء الناس ويعيدها إليهم في قالب فني، يستطيعون التعامل معه والتعاطي والفهم والإدراك، وقد استطاع نص المسرحية أن ينقل هموم الناس وأفكارهم ويجسدها ممثلة على المسرح، في عمل فني أظنه الأقرب ملامسة لهموم الواقع العماني المعاصر، حيث حضرنا لوحات من هموم الشارع التي تقال بصوت المسرح الصداح، وفي الوقت نفسه استطاع النص أن يأخذ درجة إضافية عبر تعرية الرأي العام أمام نفسه وتوجيه أصابعه الناقدة إليه كذلك، بذلك يتحقق تمكين الرأي العام ليس فقط من الحكم على نفسه بنفسه، بل ومن السخرية من نفسه بنفسه، وفي ذلك ما فيه من علاج ناجع لكثير من أمراض الذات، خاصة تضخم الأنا الأجوف، فما أكثر ما يحمل المسرح لنا والفن من شفاء وعافية.

اعتمد نص المسرحية في رسائله الضمنية ورمزياته الفنية الاسمية واللونية والتعبيرية على رسالة نبيلة، فيها ما فيها من السمو والرفعة والسعي لإيقاظ الضمائر في زمن بيع الضمائر، فجاءت المسرحية نكزة للضمائر المتثاقلة من كثرة الطعام والشراب والملهيات عما يحل بها، وعن السيد الحقيقي الذي تبيع من أجله نفسها، وعما سيلحق بالإنسان ووطنه إن هو استمرأ الانجراف مع تيار ملذاته الزائلة الزائفة وترك مبادئه وأخلاقه وتراثه وأمانة أهله وأجداده.

نهضت المسرحية تمثيلًا على أكتاف النجمة القوية المخضرمة فخرية خميس التي كانت سيدة فصول المسرحية وعلى ظهر الممثل البارع المتعدد المواهب عبد الحكيم الصالحي، إضافة للممثلين المخضرمين الذين كان حضورهم دفعة قوية للعمل كالنجم صالح زعل الذي تميز بأدائه وحضوره المحترم، والممثل المشاكس الفعال جمعة هيكل الذي ظن البعض أنه كثير الخروج عن النص فيما رأى آخرون أن ذلك الخروج متعمد في النص، مع الممثل عبد الغفور البلوشي الذي يعود بعد عقد وأكثر للمسرح، كل ذلك مع حيوية وقوة حضور جيل الممثلين الشاب، كالممثل الحيوي سامي البوصافي (التاجر)، و(الصياد) المتألق قحطان الحسني، و(الضمائر الحية) كالمؤثر قاسم الريامي والمتميز الصلت السيابي، والمحلقة أنغام المطروشية، مع كوكبة الاستعراض من الشباب الذين كانوا فاكهة المسرحية برقصاتهم وأغانيهم، التي لحنها الملحن الأردني وليد الهشيم. وكل الجنود المجهولين خلف الكواليس كبدر النبهاني وغيره. مسرحية ولد البلد لا شك من المسرحيات التي تبقى في الذاكرة، لأنها راهنت على الصدق وعلى البساطة الفنية دونما تعقيد أو تقعير، فجاءت مسرحية سلسة غير متكلفة وبسيطة تقترب من الصغير قبل الكبير، وإن شابها بعض الطول وحبذا لو كانت أقصر قليلًا، فكل التحية لطاقم المسرحية ولأهل المسرح عمومًا، الذين أعادوا للمسرح تلك الروح التي تصقل العرض المسرحي حتى يرى المجتمع صورته ممثلة ومتجسدة أمامه بكل وضوح فني، ولا شك أن الاعتكاف على الفن كان تعبيرًا عن انحناء القلب في محراب الفن، قبل أن يجعلنا المخرج ننحني معه ليلة العرض لممثلي الفن وجمهوره.

0 974 16 أكتوبر, 2019 أدب, العاشر بعد المئة, العدد الأخير أكتوبر 16, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.