السعودية لن تشنّ هجومًا على إيران .. لكنها ستستأجر آخرين للقيام بالمهمة

لـ


نسرين مالك، صحيفة الجارديان البريطانية ، 22  سبتمبر 2019.

الولايات المتحدة تنطلي عليها الخدعة بأنها يجب أن تنقذ حليفتها في الشرق الأوسط، وفي الحقيقة فإن السعوديين دائما يستدعون الآخرين للقتال بدلًا منهم.

هناك نكتة قديمة تُحكى في الشرق الأوسط عن استنكاف المملكة العربية السعودية عن خوض حروبها بنفسها، والنكتة تقول إنّ “السعودية ستحارب حتى آخر جنديٍّ باكستانيٍّ”، في إشارة إلى الجنود الباكستانيين الذين طالما كانوا سندًا للجيش السعودي. ولكنّ النكتة لم تقتصر على الجنود الباكستانيين؛  بل امتدت لتشمل الجنود السودانيين الذين انضموا حديثا للقوات البرية السعودية، وفي الحقيقة فإن المملكة العربية السعودية معتادة على شراء العمالة التي تعدّها وضيعة وخادمة لمواطنيها، وقد امتدت هذه الفلسفة لتشمل جيشها أيضا.
ستجد دوما -هنا أو هناك- دولة فقيرة مستعدة لإرسال مواطنيها ليكونوا وقودًا لحربٍ في مكان آخر، ومن هنا فإنّ العدوان على اليمن بقيادة السعودية – الذي يُطلقُ عليه أحيانًا اسماً فخمًا وهو “التحالف العربي” – والذي يضمّ مقاتلين من بعض دول الخليج الموالية للسعودية، يضمّ أيضا قواتٍ من كُلٍّ من مصر والأردن والمغرب، بالإضافة إلى جنود سودانيين أطفال، والذين في حالة موتهم ستعوض عائلاتهم بمبلغ سخي. وعند سؤال بعض الجنود السودانيين العائدين من اليمن عن الحرب تحت قيادة السعوديين، ذكروا بأن القادة العسكريين السعوديين يشعرون أنهم أكبر قيمةً من أن يقتربوا كثيرا من الخطوط الأمامية للحرب، وأنهم كانوا يُعطوْن تعليمات عشوائية بالهاتف للمقاتلين المستأجرين، ويدفعونهم نحو عمليات القتال. وفي حالة وقوع عمليات مفاجئة وخطرة، يُسْقِطُ سلاح جو التحالف ببساطة قنابل من طائرات تحلقُ على ارتفاعات عالية؛ مما يضاعف عدد القتلى المدنيين. إذن،  هكذا يقاتل السعوديون، من أبعد مكان ممكن؛ بينما يدفعون الآخرين للموت.

الأمر المحير – في ضوء الهجمات الأخيرة على منشأتي نفط سعوديتين – هو استبعاد وقوع حرب بين السعودية وإيران؛ ذلك أن السعودية “لا تخوض حروبًا” بل تستأجر وكلاء، وتعتمد على سذاجة الولايات المتحدة التي صدقت الكذبة القائلة إنّ السعودية هي التي تحافظ على الهدوء في المنطقة، وإنّ أي تهديد عليها يقوض استقرار المنطقة.
تتهم الولايات المتحدة والسعودية إيران مرارًا وتكرارًا بأنها وراء الهجمات التي تبنتها حركة الحوثيين اليمنية، وهي حركة محسوبةٌ على إيران تخوض حربًا ضدّ التحالف العسكري بقيادة السعودية في الحرب الأهلية الدائرة في اليمن. وقد أعلن البنتاجون أنه سيرسل إلى السعودية مئاتٍ من الجنود الأمريكان، بالإضافة إلى دفاعات جوية وصاروخية في خطوة دفاعية. وبناء على تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فإنّ السعودية كانت أكبر دولة استوردت السلاح في العالم ما بين عام ٢٠١٤ وعام ٢٠١٨، والسؤال هنا: لماذا تحتاج دولة تملك هذا الكم من السلاح إلى مساعدة؟

في عام ٢٠١٨، زودت الولايات المتحدة السعودية بـ ( ٨٨٪؜ ) من حجم مشتريات السعودية من الأسلحة، وبنهاية عام ٢٠١٨، اشترت السعودية (١٢٪؜ ) من مبيعات  الأسلحة في العالم، وهذا يوضح أنها ليست بحاجة إلى  دفعة جديدة من الأسلحة الأمريكية لصد هجمات الطائرات المسيرة.
إذن، هذه الدولة التي لا تخوض أي حرب سوى حملة عسكرية واحدة في اليمن، والتي يبدو أنها معرضة للهجوم في أي لحظة،  وفي حاجة مستمرة للحماية.
ترا ما الذي تفعله بهذه الأسلحة كلها؟

إنَّ السرّ يكمن في شراء الأسلحة وليس في استعمالها، فشراء أسلحة بملايين الدولارات يوثق علاقات الرياض مع حلفائها من الدول الغربية التي تصدر لها الأسلحة، والتي في المقابل تغضّ الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان والاغتيالات وعمليات الخطف التي ترتكبها السعودية ، كلُّ هذا بسبب المال. إن السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية تدور بأكملها حول استعمال ثروتها من أجل شراء الأصدقاء،  وضمان الصمت عن جرائمها.

تلعب السعودية على مخاوف الولايات المتحدة بشأن إيران، ولذلك فإن واشنطن تحرص دائما على ضمان جاهزية حارسها في المنطقة لأي طارئ، وهذا ما أشارت إليه تغريدة ترمب عقب الهجوم بالطائرات المسيرة. وفي الوقت نفسه، تواصل السعودية زعزعة استقرار المنطقة بالتدخل في الشؤون الداخلية لدولٍ عربية، وبتزويد الديكتاتوريين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالأسلحة، وبشنّ حملات تضليل وترهيب في وسائل التواصل الاجتماعي، حتى إنَّ موقع تويتر شن حملة ضد حسابات سعودية الأسبوع الفائت. ومع كل هذا، ما زالت السعودية يُنظرُ إليها أنها تلك الدولة البريئة المعرضة للهجوم، وكذلك الحصن المنيع ضد الفوضى في الشرق الأوسط. ولذلك؛ وبسبب ميول السعودية العدواني الشديد، ولأنها تدرك أنها لن تحاسب على تبعات أفعالها المشاكسة، فإنها حاليًا متورطة في صراع متزايد مع إيران وقطر واليمن، وتدعم الأنظمة العسكرية في السودان ومصر، وتتدخل بطريقة فوضوية في لبنان، وتستمر في دعم المتعصبين مذهبيا في كل أنحاء العالم، ومع ذلك تفلت من العقاب.
لن تخوض السعودية حربًا مع إيران، ولكن قد تخوضها الولايات المتحدة نيابة عنها. وفي الوقت نفسه، تستمرّ السعودية كما كانت دومًا بدور المحرض المدلل البعيد عن العقاب في الشرق الأوسط.

0 436 20 أكتوبر, 2019 العاشر بعد المئة, العدد الأخير, سياسة أكتوبر 20, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.