ما بعد العرس الانتخابي!

لـ

         تعدّ اللغة المستخدمة في خطاب ما داخل حقل تداولي هي الفارق الذي يؤشر على مستوى الوعي، وهذا يستدعي الاقتراب من الخطاب المستخدم بين الأطراف الفاعلة منذ الإعلان عن قوائم المترشحين؛ لفهم الصورة وتشكيل خارطة مكتملة عن الأوضاع الشعبية وعلاقتها بالديمقراطية بوصفها مفردة يكثر تداولها في الأوساط العمانية مؤخرا؛ ومن ثَمّ يجلعنا ذلك نستعيد قضايا القبائلية والمال الأسود والعمل الاجتماعي في كسب الأصوات الدافعة للحصول على مقعد يُشبع حالة الاستهواء للوجاهة الاجتماعية باسم الوطنية والمصلحة العامة لدى المترشح؛ مما يحيلنا على ضرورة تصنيف الأصوات الناخبة التي لا أظن أنها تجاوزت (60%) على أبعد تقدير، والأصوات المحجمة عن التصويت على الرغم من وجودها في سجلات الناخب العماني؛ وهذا الإحجام له دلالات عدة من بينها شكلية مجلس الشورى وعدم قدرته في الفترات السابقة على مواكبة الطموحات الشعبية أمام أهم قضاياها كالفساد، وتنظيم الإدارة العامة، والتنمية، والتنويع الاقتصاد، وهدر رأس المال البشري؛ لا سيما وأن هذا التراجع  قد ازدادت حدته في ظل رئاسة للمجلس خلال الفترتين السابعة والثامنة لا تستوعب معنى العمل البرلماني وأدواته وتحولت إلى علاقات عامة، ومن المتوقع استمرار هذا الركود البرلماني في الفترة التاسعة كما تشير الأوضاع الحالية بكل إفرازاتها.

         إن قراءة مستوى الوعي للشعوب وقبولها لقيم الديمقراطية من عدمه وفقا للادعاءات تستدعي ازدواج الفعل السلطوي؛ فحتى ندّعي أن الشعب غير قادر على استيعاب مستويات الديمقراطية والمشاركة السياسية الفعلية علينا أن نُغرقَها في المتخيلات الشعبية والأوهام كالقبلية وغيرها؛ بمعنى أن تأجيل وصول قطار الوعي كفيلٌ بعدم مواجهة الوهم والوعي الزائف؛ وهذا هو الضامن الفعلي الذي يُفسح لسلطة الدولة المجال لترسيخ عدم الصلاحية للديمقراطية؛ لتنطق الشعوب بذاتها أنها ترفض الديمقراطية والمشاركة السياسية؛ لأنها تؤدي إلى آثار جانبية؛ لا سيما وأن في القوى الشعبية أصواتا قادرة على بث الرفض الشعبي وتوزيعه؛ بحيث تحمل الشعوب معاول الهدم لطموحاتها بذاتها، وهذا يجعل توليد مصطلحات أو مفردات تعبّر بطريقة ما عن حالات رفض الديمقراطية حتى لا تنعتق الشعوب من دوائر القبلية إلى دوائر المدنية والمواطنة؛ مثل اللحمة الوطنية، والخصوصية، والهوية والسمت العماني وغيرها، فيشتغل التيار الشعبي المعاكس الذي يتمثل في السواد الأعظم من الكتل البشرية مقابل النخب الواعية، وهذا ما حدث أثناء عرض الرؤى الانتخابية وبث الوعي الديمقراطي؛ فبثَّت الكتلُ الدينية والشعبية التي تدعي امتلاك الفضيلة والأخلاق شعاراتها التي تشتغل على الوعي المعاكس لكسب رهان “المسابقة” أو ماراثون الشورى.

         ونلاحظ في السياق ذاته الصناعة الإعلامية الخاصة والحكومية في انتقاء من يدير خطاب الوعي المعاكس فهناك مذيعٌ مختص ليس ثقافيا في المجال السياسي، ولكنه مختص في تصميم لغة البرنامج وأفكاره بما يتناسب والوضع الشعبي المراد تداوله؛ ففي خضم فعاليات العرس الانتخابي، تظهر مفردات “السمت العماني”، وأخلاق السبلة العمانية التي تتحكم في لغة الخطاب السياسي، وتوزيع الأدوار؛ فيظهر الإعلامي بوصفه “النبي” الذي أرسل شاهدا ومبشرا ونذيرا على الوعي وإدارة الخطاب؛ إلى درجة أنه يصنع الأسئلة بذاته، ويوحي بالإجابة بنفسه، ويستكملها غالبا، فيتحول الضيف في بوتقات هذه البرامج إما إلى مردد للأفكار ذاتها، أو مكبوح جماح لسانه في ظل سياجات السمت العماني الذي يطبقه الإعلامي بحذافيره في كل مستويات الإعلام الحكومي وغير الحكومي، وهذا ما يجعل “الخطاب” إنتاجا تسيطر عليه القوى الإعلامية المعبِّرة عن رأي السلطة، أو المعبرة عن أهواء الإعلامي للوصول إلى منصبٍ أو حظوة يلفت بممارساته الانتباه على الرغم من انسحاب الأسماع عن الاهتمام بمثل هذا الإنتاج الفج الذي لا يتوافق مع “جيل الأغبياء” وفقا لتعبير أحد المنتمين إلى التيارات الدينية؛ خلاصة القول: إن تقطير خطاب الوعي، وضمان السيطرة عليه بخلق خطابات مضادة هو الضامن الوحيد لعدم تطبيق المشاركة السياسة؛ وهذا يذكرني بقول للرئيس (ابن سينا، 2019) عندما وضع كتابه منطق المشرقين: “وما جمعنا هذا الكتاب لنظهره إلا لأنفسنا – أعني الذين يقومون منا مقام أنفسنا – وأما العامة من مزاولي هذا الشأن فقد أعطيناهم في كتاب الشفاء ما هو كثير لهم وفوق حاجتهم”، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشعوب العربية فإن الشكليات الديمقراطية أو الأعراس الانتخابية والاحتفاء بها كاف لوعيهم؛ لأن الديمقراطية الحقيقية هي جرعة زائدة قد تؤدي إلى حالة غير محمودة؛ لذلك فإن الإرهاصات بين يدي العرس الانتخابي كافية للإحساس بنشوة الديمقراطية الشعبوية لا سيما إن ترجمت إلى المسيرات والأهازيج الشعبية والاستدارة على المآدب احتفاء بوصول مرشح القبيلة إلى المنصة الشرفية.

         أشارت حنة (أرندت، 2016: 31) إلى مسألة لا بد من استحضارها في سياق العرس الانتخابي؛ إذ تظهر الشخوص الفاعلة في المشهد الدرامي العام بفعل حركة الجماهير وتقلباتها بشرط حركة الشخص ذاته في المشهد نفسه؛ وعند اعتبار المشهد برنامجا سرديا فإن الفعل الجماهيري ثابت، بينما الشخوص الفاعلة في حركة دائبة؛ فالجمهور يضخِّم في كل عرس انتخابي شخصا دخل المشهد لتوه؛ فإذا انتهى الشخص وخرج من المشهد لم يكن له ذكر، استعدادا لدخول شخص آخر، ولهذا الطابع الزائل صلة بتقلب الجماهير المأثور وبالمجد الذي يوكل إظهاره إليها، بل إن ذلك ليجد تفسيره في الهاجس التوتاليتاري بالحركة الدائمة: فالتشكيلات التوتاليتارية لا تلبث في السلطة أو في دائرة العرس الانتخابي إلا بمقدار ما تظل في حركة، وبمقدار ما تدفع كل ما يحيط بها إلى الحركة أو العرس؛ كما يتمثل في مناسبات ما بعد الفوز في الانتخابات؛ على أن تأمل اللغة في خضم المشهد الاجتماعي ضروري كما أسلفت لفهم درجة الوعي والغايات الشعبية الناخبة للعضو الذي يحظى ببقعة الضوء داخل الأعراس الانتخابية؛ فهذه الجماهير تمزج بين المفردات مزجا لا يمكنه أن ينبئ عن وعي حقيقي للمشاركة السياسية؛ فلغة الدولة الحديثة وفصل السلطات والمؤسسات تختلف عن لغة القبيلة والوعظ الديني كما هو واضح عند عبدالجبار (الرفاعي، 2019)، وهذا يجعلنا نقر بوجود أزمة في الوعي والثقافة أدت إلى ممارسات لا علاقة لها بالبرلمانات إن قريبا وإن بعيدا.

         ولفهم الصورة الكلية لمجلس الشورى في المتخيل الشعبي، والسياسي في السلطنة؛ لا بد من استحضار تصورات وجودية؛ يتمثل الأول في تصور السلطة التنفيذية والسيادية للمجلس بوصفه برلمانا، باعتبار أنه لا وجود لحدود فاصلة بين سيادة الدولة والسلطة التنفيذية في الممارسات العمانية، ويأتي هذا التصور في درجة التشريعات أو الصلاحيات الممنوحة للمجلس، فالشعب في الأدب السياسي هو مصدر السلطات، ولكنه في التجربة العمانية هو المتلقي للسلطة متمثلة في الصلاحيات والأدوات الرقابية البرلمانية، فضلا عن اللوائح التنظيمية للمجلس؛ فالمجلس مُنحت له صلاحياته وفقا للمرسوم السلطاني (99/ 2011)، وهذا يعني أن للمجلس وجودا تصوريا خاصا في المتخيل السياسي لسلطة الدولة أو مجلس الوزراء، وقد تشكلت هذه الصورة ابتداء من المرسوم السلطاني (84/ 1981) بشأن اختيار أعضاء المجلس الاستشاري للدولة، إذ يتشكل المتخيل من الديباجة: “استمرارا لسياستنا في إعداد المواطنين للمشاركة بالرأي فيما تبذله الحكومة من جهود في سبيل تنفيذ خططها الرامية إلى دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وتحقيقا للتوسع المطرد في هذه المشاركة من خلال التعاون الوثيق بين القطاعين الحكومي والأهلي” وانتهاء بالمرسوم (99/ 2011) (الزدجالي، 2013).

         يتعزز هذا التصور من عبر ملاحظة العلاقة الجدلية والقلقة بين السلطة التنفيذية والبرلمانية؛ فكل ممارسات الحكومة حيال صلاحيات المجلس التي منحت له تعدّ في نطاق هذا التصور أو المتخيل السياسي ولا تخرج عنه؛ باعتبار أن المجلس كائن لا يخلو في علاقته مع الحكومة من التوجُّس والقلق في المعترك السياسي بحيث يمكن أن يؤدي إلى تعطيل الأدوات عبر سلسلة معقدة من الإجراءات أهمها ما حدث في الفترتين السابعة والثامنة من وجود رئاسة منتخبة تماثل الرئاسة المعينة وتدافع عن عدم تفعيل الأدوات عوض الدفاع عنها؛ فالعقل السياسي أو عقل السلطة هو المنتج الفعلي للوجود المُصَورَن أو الساكن للمجلس؛ لينشط عبر علاقة التصور الأول بالتصور الثاني متمثلا في الأداء الفعلي للبرلمان الذي يَنتج من متخيل مجموع أعضاء المجلس عن الذات البرلمانية؛ فهو أداء ممنوح لا يشتغل في مساحة الحرية البرلمانية على الرغم من وجود المادة (58) مكررا (22) التي نصّت على أنه “لا تجوز مؤاخذة عضو مجلس الدولة أو مجلس الشورى عما يبديه أمام المجلس أو لجانه من آراء أو أقوال في الأمور التي تدخل في اختصاص المجلس” فإن الممارسة الفعلية للعمليات البرلمانية منوطة بمسألة “التمكين” وإعادة بناء التصور في المتخيل السياسي، وحجم الصلاحيات الممنوحة؛ فهو في واقعه يكاد يكون سلطة تابعة للسلطة التنفيذية؛ مما يستدعي إعادة هيكلة العلاقات بين السلطتين.

         إن صورة “العضو البرلماني” ينبع من المتخيل السياسي بوصفه مسارا يجعل العضو دائم الإحساس بأنه موظف حكومي يتمتع بدرجة من الوجاهة الاجتماعية من جهة، وهو تحت رقابة الجهات السيادية في الدولة من جهة ثانية، وتاليا فإن الحركة البرلمانية الفعلية تتأثر بفعل التصورات السابقة وتنتج عضوا برلمانيا يعاني من شخصية مزدوجة؛ يُقبل بالوجه الأول على السلطة التنفيذية، ويستهدف العضو غالبا بهذا الوجه درجة من الرضا مقبولة، ولكنه وجهٌ لا يمكن تفسيره تفسيرا واضحا إلا عبر التكهنات التي تشكل التصورات السابقة، أما الوجه الثاني للشخصية البرلمانية فإنه يظهر في العلن؛ إما في الممارسة البرلمانية البسيطة التي ينبغي أن تظهر على شكل تقارير دورية أو نهائية أخفيت في الدورة الثامنة، وإما في الممارسات الاجتماعية التي لا علاقة لها بالأداء البرلماني يستغل بها العضو درجة انخفاض الوعي لاستمالة المجتمع مستقبلا بإعادة ترشيحه.

         إن البنية السياسية التي تحيط بالبرلمان العماني وأعضائه والمتخيلات الاجتماعية العامة وما أفرزت من صورة في الذاكرة الجمعية هي التي جعلت الناخب ناخبا نوعيا ينتمي إلى الفئة ذاتها التي تخدم تلك التصورات في حين يغيب الناخب الذي يمكن أن يعول عليه في إعادة رسم المسار مستقبلا؛ لذا لا يتعدى العمل البرلماني لكثير من الأعضاء من تخليص المعاملات، والخدمات الفردية والبلدية والاجتماعية، ورعاية الاحتفالات؛ لأن انعدام الجو الديمقراطي الحقيقي، أو التعبير عن الفكر والمواقف، والركون إلى القناعات البدائية، والقوالب اليقينية اللاهوتية، والعلاقات القبلية داخل المؤسسات السياسية التي تظهر في شكل التكتلات والاحتفاءات الشعبية، والخوف من الفكر المختلف كل ذلك جعل الأمور تتشابك، وتعرقل مسارات التنمية؛ ففي هذا الجو الملتبس الذي يغلب عليه الآني والطارئ والشكلي فإن الوعي يتأخر (منيف، 2007) فينزلق البرلماني داخل منعطفات الوعي الزائف، والتزييف السياسي إلى مربعات التعاطف واصطياد المصالح الخاصة.

         وإذا كانت التكتلات (اللوبيات) في العمل السياسي عيب في السلطة التنفيذية على الرغم من وجودها؛ فإن التكتلات البرلمانية ضرورية لا سيما عندما تشكل الاتجاهات الثقافية البرلمانية للعضو؛ لدفع الأدوات البرلمانية إلى التفعيل، وتلك سمة تظهر في ملامح التشريع البرلماني لمجلس الشورى؛ فغياب التكتل البرلماني، أو وجود القوى المؤثرة سلبا على اتجاهاتها أدى إلى تراجع الأدوات؛ لا سيما عند ضعف الرئاسة وقدرة السلطة التنفيذية على الضغط عليها وتغيير اتجاهاتها.

أعلل النفس بالآمال أرقبها….. 

0 737 03 نوفمبر, 2019 الحادي عشر بعد المئة, العدد الأخير, سياسة نوفمبر 3, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.