إضاءاتٌ بُعَيدَ الانتخاباتِ

لـ

كان من قدر الله عليّ أن أكون قريبًا من موضوع انتخابات الشورى؛ فقد تابعته، وقرأت طرفًا عنه، وكنت قريبًا من برامج بعض المترشّحين بالولاية؛ بل تابعت بشغف برامج المترشّحين من خارج الولاية، وبغضِّ النظر عن رأيي في المجلس وقناعتي عنه، وعما قدّمه ويقدمه، إلا أن لديّ بعض الإضاءات التي أزعم أهميّتها، والتي تشمل الأطياف جميعا.

الإضاءة الأولى: إلى المترشِّح الفائز:

قد وفّقك الله؛ لتصبح عضوّا في مجلسٍ بارزٍ له وزنه وقيمته؛ فاحمدِ الله أن شرّفك؛ ثم تذكر أنه تكليف سيسألك الله-تعالى-عنه؛ لأنه في حكم الأمانة التي قال الله عنها في محكم كتابه: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)، وليكن نصب عينك خدمة هذا الوطن الجليل، والسعي في تطبيق برنامجك الذي ناديت به، ثم تذكّر أن ثمة ملفات كثيرة ينتظر الناس منك المطالبة بها، والبحث عن حلٍّ لها، والإلحاح في عرضها على المجلس؛ ومن أبرزها قضية الباحثين عن عمل؛ القضية التي أرّقت الرأي العام، وأقضّت مضاجع أصحابها؛ فهذا دورك الذي يُنتظر، لا أن تكون مجرد شخص جالسٍ على كرسيّ الشورى لا يُهمّه سوى مصلحته. ومن القضايا اجتثاث مواطن الفساد أيًّا كان موضعها، بدءًا بنفسك. والقضايا كثيرة! 

الإضاءة الثانية: إلى المترشِّح الذي لم يَفُز:

عليك أن تعلم أنك وإن خسرت الفوز بالشورى بالمقاييس الرسمية؛ إلا أنك كسبت نفسك حين لم تغرِ أحدًا بأيِّ شيء مقابل انتخابك، وإن كنت اقترفت شيئًا من ذلك، وتلطخّت به؛ فقد خسرت نفسك قبل خسارة الناس، وبادر للمتاب؛ فإن العمر قصير، وتذكر أن (كل صغير وكبير مستطر)، ثم إنّك قد شغلت نفسك والناس فيما مضى من أيامٍ بالشورى، وبحرصِك على الوطن، وببرنامجك الانتخابيّ؛ فهل انتهى الأمر بعد عدم فوزك؟ إن كنت صادقًا فيما زعمت؛ فإن الوطن أمامك، والوقت عندك؛ فأرِنا من نفسك خيرًا؛ لأنه ليس من شروط العمل لخدمة الوطن أن تكون عضوًا في المجلس، بل هو باقٍ ما بقي الوطن؛ فواصل طريقك، وانطلق؛ فإن الوطن ينتظرك. 

الإضاءة الثالثة: إلى المرشِّح الذي فاز مرشَّحُه: 

ها قد كنت سببًا في إيصال مرشَّحك لمجلس الشورى، فهل انتهى دورك؟ كلا؛ فإنه الآن بدأ، كن معه عونًا وسندًا لخدمة المجتمع، ومكافحة الفساد، ولا تدّخر وسعًا في أن تفيده بأيِّ مقترح، ولا تتخلَّ عنه؛ فإنه الآن أحوج ما يكون إليك فيه، ولا تحسبنّ دورك منتهيًا ببلوغه المجلس، بل أمامك متابعة ومساءلة، وانتقاد ومحاسبة، سله عن وعوده التي أمّلها مرشِّحيه، أكان صادقًا فيما وعد، أم تنصل من وعوده، وزعمه؟ بل الأمر يتعدى بك إلى أن تحاسبه عن أيّ تقصيرٍ، سواء تعرّض له في برنامجه، أم لا، ومنها أن تتابعه في اختصاصات عضو الشورى، أكان لها مطبقًا، أم اشتغل بنفسه ومصالحه، وبأمور لا عَلاقة لها بالشورى وصلاحيّاته؟

الإضاءة الرابعة: إلى المرشِّح الذي لم يَفُز مرشَّحُه:

إياك أن (تجلد) الناس ليل نهار؛ لأنهم لم يختاروا مرشَّحك الذي لم يفز، وقد كنت قبلُ تنادي بحرية الاختيار، وضرورة الانتخاب عن قناعة، فلم لم يرشِّحوا مرشَّحك-ورشَّحوا كُفئًا غيره- قلبت لهم ظهر المجن، وانقلبت عليها عتابا وتوبيخا. وخلاصة الأمر أنك إن كنت اصطفيتَ مرشَّحك باقتناع-وهو مستحق لذلك- فاحمد الله على كلّ حال؛ فإنك ما اخترته-من بين المترشحين- لأجل غرضٍ شخصيّ، بل لمصلحة وطن، وحسبك شرفًا نيتك التي صحبَتك وأنت باذل جهدك لترشيحه؛ وإن كنت رشحتَه مقابل ما تجده من إغراء ماديّ؛ فإنك بذلت جهدك فيما لا طائل من ورائه، لا دنيا ولا أخرى، وقد خسرت على كل حال؛ فبئس الصنيع صنيعك!

الإضاءة الخامسة: إلى العازف عن التصويت:

قد ارتكبت بفعلك خطأً؛ فإنما عليك ترشيح الكفء، وإن رأيت عدم الكفاءة في جميع المتقدّمين، فرشّح أفضل الموجودين، فإن رأيتَ أن لا فضل فيهم جميعا-وهذا بعيد- فاختر أبعدهم عن الفساد، وإن لم ترَ منه كبير إنجاز، ولا سابق فضل. أما أن لا ترشح أحدًا، ثمّ تكون سببًا في فوز فاسد، أو غير مستحق، ثم تنادي-وقد رأيت أمارات فساده- رافعًا صوتك تنتقده وتذمّه، وتتبرأ من صنيعه، وأنه لا يمثّلك؛ فإنما على نفسها جنت براقش! فأين كنت حين فتحت لك الدولة بابها، وأعطت لصوتك قيمة، ولرأيك مزيّة؟

الإضاءة السادسة: إلى المجتمع عمومًا:

ها قد بذلت جهدك في فوز المستحقّ؛ فأنت على خيرٍ، بقيت عليك مسؤولية المتابعة والمحاسبة؛ فإن المرء بنفسه ضعيف، وبإخوانه قوي، وإن كنت عونا في وصول غير المستحق فلتراجع حساباتك، ولتتذكر أننا نريد في بلدنا عمان شخصًا قويا، تكمن قوته في مراقبة الله، والحرص على الوطن، ومطالبِ شعبه ومواطنيه، وقد جرّب الناس غير المستحق، فهل أجدى نفعًا، وقدم المرجوّ منه؟ واجبُ الوقت معرفة مواطن الخير وتعزيزها، ورؤية جوانب الخلل وإصلاحها. لِنبتعدْ عن المبالغة في المدح والثناء؛ فإن الوطن ينتظر منا محاسبة المسيء على خطئه كما انتظر مكافأة المحسن على إحسانه، النجاح عزيز، ويحتاج إلى مكاشفة ومصارحة، فلنكن للوطن حماة، ولمبادئه العليا بناة.

1 745 03 نوفمبر, 2019 الحادي عشر بعد المئة, العدد الأخير, سياسة نوفمبر 3, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.