أدب الطفل في عُمان … تحديات الحاضر وسؤال المستقبل

لـ

يعدّ أدب الطفل من الأجنـــاس الأدبية المهمة التي تلعب دورًا في تنشئة الأجــــيال وتربيتها، 

وتطوير مهاراتها وتثقيفها، وقد لوحظ في السنوات الأخيرة الإقبال المتزايد عليها كمًا وكيفًا؛ بل وصرنا نشهد تقنيات جديدة تعزز بها واقع الطبع والنشر من قبيل الكتاب الصوتي والكتب المصحوبة بالقرص المدمج، كذلك الكتب الإلكترونية، التي مع أنها تزاحم الكتاب الورقي إلا أننا صرنا نلاحظ الاهتمام المتزايد كذلك بالرسومات المصاحبة للقصص بحثا عن جمالية أكثر، فضلا عن بعض المجلات المختصة بأدب الطفل مع قلتها. 

وبالحديث عن عالمنا العربي، يعاني هذا الجنس الأدبي من عدة عراقيل، باستثناء بعض التجارب القليلة الناجحة.  فدور النشر العربية تعزو إقبالها على طبع القصص المترجمة لقلة الكتاب والرسامين العرب؛ بينما يشتكي الكتاب أنفسهم من قلة دور النشر المهتمة، أو من طريقة تعاملها مع المؤلف. 

وحديثنا عن العالم العربي يجرنا بصورة أخرى إلى تسليط الضوء عن أدب الطفل في سلطنة عمان بوصفها جزءًا من منظومة خليجية عربية ثقافية، هذه التجربة الفتية التي انطلقت في سلطنة عمان سنة 1989 حسب الدكتورة العمانية فاطمة بنت أنور اللواتي.

من خلال هذا الاستطلاع الذي أجريناه مع شرائح ثقافية متعددة كل حسب تجربته، سواء كانوا كتابا أو إعلاميين أو رسامين أو ناشرين في عُمان، حاولنا إضاءة بعض التجارب التي ما تزال تراهن رغم كل شيء.

أدب الطفل في عمان بدأ مرحلة ازدهار ووفرة

وقد كانت البداية مع د. وفاء الشامسي، وهي أكاديمية عمانية، وكاتبة متخصصة في مجال أدب الطفل والناشئة، وقد سألناها عن بداياتها في الكتابة للأطفال، فقالت: “كانت البداية مع كتابة أغان وأناشيد للأطفال، ثم المسرح، ومع استمرار القراءة والمطالعة والالتقاء بأعلام أدب الطفل، وحضور مختلف الفعاليات والبرامج داخل السلطنة وخارجها؛ توجهت إلى كتابة قصة الطفل مع الاحتفاظ بكتابة الشعر والمسرح في المجال نفسه.

دخلت قصتي الأولى “عزوز يفتقد ماما” في الكتالوج العالمي لأدب الطفل، وجارٍ ترجمتها للغات عدّة، وبعدها حصلت على المركز الأول على مستوى الوطن العربي في سلسلة الكتب الثقافية التابعة لمكتب التربية العربي لعام 2016، ثم زاد الإنتاج القصصي بناء على وجود ناشرين وأصدقاء وقفوا إلى جانبي ودعموني في هذا الجانب.

ومن خلال مشاركاتي الإقليمية والدولية في تقديم مختلف الورش التفاعلية والتدريبية والالتقاء بالأطفال داخل السلطنة وخارجها؛ فإنني استطعت تلمّس حاجاتهم أكثر، ومن ثم تأليف قصص مثل سلسلة قصص جدي وجدتي وأنا، وهي مجموعة تناقش أمراض كبار السن الأشهر، وتعرضها للأطفال في أسلوب قصصي ميسّر وشائق”.

وبخصوص طرق اختيارها لناشر مناسب متخصص تضيف: “عندما تتوسع دائرة المعارف بالعاملين والمتخصصين في مجال أدب الطفل؛ فإن هذا يسهّل عليك الحصول على ناشر جيد، خصوصاً وأن بعض دور النشر هي من تبادر بالتواصل معك كي تكون ضمن قائمة الكتّاب الذين يكتبون باسمها.

وفيما يتعلق بالكاتب الصاعد؛ فإن هناك أمورًا كثيرة توجهه في مجال النشر، وأهمها على الإطلاق الفائدة الشخصية التي سيجنيها نظير التعاقد مع دار النشر، وما إذا كان سيحصل على حقوقه كاملة، أم لا، سواء من الناحية المادية، أو المعنوية”.

أما عن رأيها حول مدى مساهمة الفعاليات الثقافية المتنوعة سواء ملتقيات أو ورشات أو ندوات في إبراز وخلق كتاب وكاتبات جدد، وما تخلقه المجلات المتخصصة في أدب الطفل من تنافس، فتقول: “وفرة الفعاليات والبرامج الثقافية الموجهة للأقلام الشابة في مجال كتابة أدب الطفل مهمة جداً شرط أن تنفذ من قبل متخصصين في هذا المجال، ومتمرّسين أكاديمياً وفنياً.

وبالنتيجة فإن توافر هذه المناشط يعزز من صقل المواهب وتدريبها وتمكينها في هذا المجال، ولا أقول بأن جميع البرامج ذات جودة عالية، ولكن على الأقل توجد أسماء متحققة تستطيع تقديم تجربة فريدة من نوعها في مجال التدريب والتأهيل في الكتابة للطفل. 

مجلات الأطفال تتكامل في دورها مع الكتب الموجّهة للطفل سواء القصصية أو المسرحية أو الفنية وغيرها من أنواع المعارف التي نأمل أن يكون النشر فيها متوافقا مع حجم الطلب عليها من قبل الأطفال وأولياء أمورهم.

المجلة بتنوّع أبوابها وموضوعاتها تعمل على جذب الطفل، وهذا شيء مهم يربط الطفل لاحقاً بالكتاب والتعلّق به. ونحن في سلطنة عمان لدينا مجلة مرشد للأطفال، وهي متنوعة وذات أبواب هادفة وماتعة، إضافة إلى مجلة الشرطي الصغير وإن كانت متخصصة إلا أنها ذات أبواب مفيدة وشائقة، وهناك محاولات لبعض المجلات الإلكترونية وجميعها يصبّ في مصلحة الطفل، خصوصًا أن الأطفال لديهم ميول متنوعة، ومختلفة، ومن ثمّ فإن المجلات والكتب ووفرتها ترضي هذه الميول وتحقق الهدف العام الذي تطمح جميعها إليه”.

وعن رهانها باعتبارها كاتبة أدب للطفل في عمان، فتقول: “أدب الطفل في عمان بدأ مرحلة ازدهار ووفرة، وهو يقف منافساً لأي إنتاج أدبي طفلي على مستوى الوطن العربي، وفوز عائشة الحارثي بجائزة اتصالات في عام 2018 في فئة أفضل عمل قصصي، وفوزي من قبل في مسابقة سلسلة الكتب الثقافية على مستوى الوطن العربي 2016؛ يؤكد أن الكتّاب العمانيين موجودون في الصفوف الأولى ضمن قائمة كتّاب أدب الطفل.

ختاماً فإني استشهد بما قاله نجيب الكيلاني عن اندفاع البعض إلى امتهان الكتابة للطفل وللناشئ، إذ يقول: إنّ الذين يندفعون إلى الكتابة للطفل، دون إداركٍ لعظم المسؤولية، مثلهم كمثل الذي يقتحم حقل ألغام، ولا يعرف الممرّات الآمنة التي يستطيع اجتيازها بسلام، ولا أظن العقلاء يرتكبون هذه الحماقة القاتلة”.

تغذية خيال الأطفال يسهم في تطوير ملكات الابتكار لديهم

أما فهد بن عامر السعدي، وهو مترجم وناشر عماني في أدب الطفل، فيقول عن بداياته في مجال أدب الأطفال: “كانت بدايتي عام ٢٠١٣م عندما كنت أرغب بالحصول على قصص من أدب الطفل العالمي يراعي خصوصية المجتمع، ولا تسبب ترجمته شوشرة ذهنية الأطفال البريئة برموز ثقافية غربية عليه، وبداية لذلك قمت بترجمة ونشر رواية ساحر أوز العجيب، بعدها توالت الإصدارات التي قمت بترجمتها ونشرها حتى وصلت اليوم إلى ٢٦ إصدارًا.

أهم الأعمال التي قمت بترجمتها ونشرها هي سلسلة فرانك بوم ساحر أوز العجيب، ومغامرات بلاد أوز العجيبة، ورائعة كنيث جراهام نسمات الرياح على أشجار الصفصاف، ورائعة هيو لوفتن قصة الطبيب ابن قصير، وسلسلة الكاتبة البريطانية هيلين بيتركس للأطفال”.

وعن طرق اشتغاله بصفته مترجما وناشرا في الوقت نفسه: “في الحقيقة أنا المترجم والناشر معا، فدور النشر معنا في السلطنة قليلة، ولا تهتم كثيرا بأدب الأطفال في العادة؛ لذا اضطررت إلى تأسيس مكتبة صغيرة تدعى (مكتبة البطريق) لنشر أعمالي داخل السلطنة، ولا أنشر خارج السلطنة حاليا”.

بخصوص رأيه حول مدى مساهمة الفعاليات الثقافية المتنوعة سواء ملتقيات أو ورشات أو ندوات في إبراز وخلق كتاب وكاتبات جدد، وما تخلقه المجلات المتخصصة في أدب الطفل من تنافس يضيف: “لهذه الأنشطة دور فعال في إنشاء مجتمع مهتم بأدب الطفل، وهي تسهم في ظهور كتاب وقراء جدد، وهذا أمر معايش، فكلما كثرت الفعاليات المتخصصة في أدب الطفل ظهرت إصدارات وإبداعات جديدة.

من وجهة نظري المتواضعة، مجلات أدب الطفل ترفد المجتمع بمساحة جديدة للإبداع والتشويق والتربية. فالطفل الذي يقرأ مجلات الطفل يكون أكثر تقبلا لقصص الأطفال وكل مجالات أدب الطفل المتنوعة”.

وعن رهانه باعتباره مترجما وناشرا لأدب الطفل في عمان يقول: “اهتمام الأسرة ووعيها بأهمية أدب الطفل في تنمية مهارات الطفل الإبداعية وانتشار هذا الوعي بين طبقات المجتمع العماني، بالإضافة إلى التشجيع الرسمي ودعمه في المدارس الحكومية عبر إطلاق المبادرات القرائية وإثراء المكتبة المدرسية والبرامج التثقيفية العامة في التلفاز، كل هذه الأمور تتطور ببطء، ورهاني عليها أنها ستقفز خطوات كبيرة للأمام في قابل الأيام.

لدي كلمة أخيرة لرب الأسرة: إن اهتمامك بطفلك لا يقتصر على توفير الأشياء الأساسية، ولكن يجب أن يصل إلى الجانب الثقافي الأدبي، فتغذية خيال الأطفال يسهم في تطوير ملكة الإبداع والابتكار لديهم فاحرص على أن يكون لطفلك نصيب منها”.

المجلات لا تشكل منافسا بل تدعم دور الكتاب وتكمله

وتحدثنا إلى ميثاء بنت خلفان بن محمد المنذرية،  وهي مشرفة مكتبة هيا نقرأ الخيرية (جمعية دار العطاء(،ومقدمة فقرة الحكواتي في برنامج علم ومرح بقناة عمان العامة، وهي أيضا حكواتية ومقدمة ورش قصصية وكتابية، فأخبرتنا عن بداياتها أنها : “كانت من خلال ورشة عن كيفية تقديم الورش الكتابية للأطفال قدمتها الكاتبة أزهار أحمد للمهتمين، ثم من خلال المبادرات القرائية التطوعية، بالإضافة إلى طبيعة عملي بوصفي معلمةً لرياض أطفال، فاهتممت بجانب أدب الطفل، وبدأ ذلك يكبر أكثر وأكثر”.

وفيما يتعلق بعثورها على ناشر مناسب متخصص تقول: “أبحث عن الناشر أو دار نشر (كوني قارئة – ولست كاتبة) من خلال معرض الكتاب والتعرف على دور النشر، وأيضا من خلال المعارف والأصدقاء والمهتمين في مجال أدب الطفل، وأخيرا من خلال التواصل الاجتماعي كالفيس بوك مثلا، وأكثر من ذلك بالتعرف على المؤلفين الآخرين والرسامين وأصحاب دور نشر وأصحاب تجارب”. 

أما عن رأيها حول مدى مساهمة الفعاليات الثقافية المتنوعة سواء ملتقيات أو ورشات أو ندوات في إبراز وخلق كتاب وكاتبات جدد، وما تخلقه المجلات المتخصصة في أدب الطفل من تنافس؛ فتقول: “الفعاليات مهمة إلى حد كبير جدا، فاللقاء المباشر بالمهتمين يختصر الوقت والمسافات في تبادل الخبرات والأفكار. أما المجلات فلا تشكل منافسا؛ بل تدعم وتكمل دور الكتاب، المجلة تحفز على الاستمرارية في إنتاج ما يحتاجه الطفل بشكل مستمر؛ سواء أكانت أسبوعية أو شهرية دون انقطاع؛ عكس الكتاب؛ إذ لا يوجد التزام في التوقيت والمواضيع”.

وعن رهانها ككاتبة أدب طفل وحكواتية، تقول: “أراهن على الانفتاح والتوسع في هذا المجال، وأراهن أيضا للوصول إلى المنافسات العالمية في الفترات القادمة إن لم تكن قريبة جدا فهي قريبة ، فوجود أجيال مختلفة ربما يصل إلى جيلين أو ثلاث يساعد على التنوع في الإصدارات، كما أن سهولة التواصل الخارجي والعالمي من خلال المؤتمرات والندوات والمعارض والتواصل الاجتماعي ، والاهتمام ايضا – وإن كان يحتاج المزيد من الاهتمام – بهذا الجانب من خلال الجهات التعليمية (الفنية / والأدبية) كلها عوامل تساعد على الإبداع ودور المؤسسات والمراكز الثقافية.

التعاون بين المؤسسات الحكومية والخاصة والإعلام والمختصين بهذا الجانب يخلق فرقا كبيرا، وواسعا “.

مجلات الأطفال يجب أن تكون شائقة وجاذبة 

وحدثتنا د.فاطمة بنت أنور اللواتية، قاصة وناشرة عمانية في أدب الطفل، عن بداياتها، فتقول : “ابتداء من عام 1989 اتخذت عددًا من الخطوات لدعم أدب الطفل؛ إذ تبنت اللجنة الوطنية لرعاية الطفولة طباعة قصتين للأطفال تحت عنوان “سلسلة قصص الأطفال العمانية” للكاتبتين طاهرة بنت عبد الخالق اللواتية، وفاطمة بنت أنور اللواتية. وقام كل من الأستاذ صالح بن ناصر العريمي والأستاذة عائشة الريامية بدور كبير في نشر القصص. وساهمت الفنانة مريم الحسنية في إعداد رسومات القصص بطريقة تتناسب مع خصائص الأطفال. وتواصل الاهتمام بأدب الطفل، ففي مهرجان الطفولة الثاني لعام 1991 تم عرض أول مسرحية للطفل تحت عنوان “يوم المحبة والتعاون” من تأليف فاطمة بنت أنور اللواتية وإخراج عبد الكريم علي جواد، وكانت الأغاني من تأليف الأستاذ صالح حسين اليافعي. ومما ميز تلك الفترة بشكل لافت هو الاهتمام بمستوى المواد التي طرحت. هذه الإسهامات والجهد -سواء في مجال القصة أو المسرح أو الرسومات، وكذلك أغاني الأطفال- تكاملت مع الشعر الموجه للطفل الذي بزغ في تلك الفترة.

وعن طرق اشتغالها ككاتبة وناشرة في الوقت نفسه، تقول: “سابقا كنت أتواصل مع دور نشر؛ إلا أنني الآن صرت صاحبة دار نشر، فلا أحتاج إلى ناشر. إلا أن بعض دور النشر تطلب مني أحيانا أن أسلمها قصة أو إصدارًا، ويحدث ذلك نادرا”. 

وبخصوص رأيها حول مدى مساهمة الفعاليات الثقافية المتنوعة سواء ملتقيات أو ورشات أو ندوات في إبراز وخلق كتاب وكاتبات جدد، وما تخلقه المجلات المتخصصة في أدب الطفل من تنافس يضيف: “جميع الفعاليات وفي كل المجالات تسهم بشكل كبير في صقل الأدب وزيادة التواصل بين الكتاب والأدباء وتبادل الخبرات.. إلا أنها يجب أن تكون وفق رؤية ومنهجية وإلا فإن عائدها لا يكون بالشكل المطلوب. 

بالنسبة للمجلات أظن أنها لا تشكل إطارا تنافسيا لكتب أدب الطفل لعدد من الأسباب: 

أولا إن القصص المعروضة في المجلات تكون سريعة وخفيفة وفي مساحة ضيقة. ثانيا: معظم من يكتب في مجلات الأطفال من الكتاب المبتدئين، أو ممن يكثرون الكتابة وهي بالنسبة لهم مهنة ولا يهمهم مستوى ما يكتبون. كما أن مجلات الأطفال من المفترض أن تكون لها جاذبية بالنسبة للطفل، خصوصا أنها تحاول أن تستوعب مراحل عمرية متعددة أكثر من كتب الأطفال. 

وللمجلات والكتب مسار مختلف، فمن الصعب المقارنة بينهما، وإنما يجب النظر إليهما بوصفهما مكملين لبعضهما بعضا”. 

وعن رهانها باعتبارها كاتبة وناشرة لأدب الطفل في عمان: “نحن نعمل في مجال أدب الأطفال في عمان منذ الثمانينيات، ومع الأسف لا أرى أن أدب الطفل في عمان له رؤية أو خطة معينة كما حال جميع الدول العربية. فلا يوجد حتى على مستوى مؤسسات أدب الطفال في العالم العربي أية خطة للنمو به. هناك تقدم في مجال الرسم لكن ما يزال محتوى الأدب المكتوب ضعيفا جدا”.

حضارة عُمان وتنوعها الثقافي مادة دسمة للإبداع الأدبي للطفل

وسألنا أحمد الراشدي، وهو باحث متخصص في أدب الناشئة وحكواتي وصاحب مبادرة “القرية القارئة” التي أسسها سنة 2010 إلى الآن، عن البدايات، فقال: “كانت بدايتي من خلال ابنتي التي كلما كبرت طلبت مني أن أحكي لها حكايات، وجدتني لا أملك رصيدا مهما منها، أما بداية وعيي الأكبر فقد تشكلت عندما نسبت لي ابنتي وصار الناس ينادونني باسمها، تساءلت حينها عن دوري تجاهها كأب، هل الأمر يقتصر على توفير الملابس لها والرعاية والتغذية أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى أشياء أخرى أهم وأعمق. ثم بدأت رحلة التعرف على أدب الطفل من خلال معرض مسقط الدولي للكتاب سنة 2007، وبدأت الاشتغال مع بعض دور النشر كجدار المنهل الأردنية. من هناك بدأت بتتبع جديد الإصدارات، لأؤسس بعدها مبادرة “القرية القارئة” بولاية سمائل، وتحديدا قريتي وادي قري، أغلب دور النشر المختصة بأدب الطفل دعمتني بإصداراتها عندما علمت بالمبادرة. 

وعن طرق اشتغاله حكواتيًا ومتخصصًا وصاحب مبادرة يقول: “لست كاتبا، ولم أنشر إلى الآن أي قصة أو إصدار، لكن تجربتي تظل قوية مع زملائي داخل عمان وخارجها، إذ إنني كنت أسجل ملاحظاتهم وشكاياتهم عما يجدونه في التعامل مع بعض دور النشر خصوصا ما يتعلق بضعف التواصل مع المؤلف. بالنسبة لي هناك تجربة متميزة ساهمت فيها مع دار النحلة الصغيرة التي أسستها المبدعة التونسية إيناس سباعي سنة 2014 بدبي، وقد عملت معها محررًا للنصوص، استطعنا خلال ثلاث سنوات أن نخلق تواصلا متميزا مع العديد من الكاتبات والكتاب في مختلف مراحل الطبع والنشر.

وبخصوص رأيه حول مدى مساهمة الفعاليات الثقافية المتنوعة سواء ملتقيات أو ورشات أو ندوات في إبراز وخلق كتاب وكاتبات جدد، وما تخلقه المجلات المتخصصة في أدب الطفل من تنافس يضيف: “للفعاليات الثقافية المختلفة ومنها الورشات دور مفصلي وتاريخي وفاعل في حركة تطور أدب الطفل في عمان خاصة، ونذكر العديد من الفعاليات المهمة مثلا: مبادرة القراءة  نور وبصيرة، التي كان يديرها مجموعة من الكتاب والتي أطلقت مبادرة كتابي صديقي سنة 2012/2013، حيث التقت 700 طفل عماني، وزارت سبع ولايات، خالقة بذلك قاعدة مهمة وكبيرة من القراء الأطفال، كذلك برنامج القارئ الصغير الذي أسسه القاص والروائي العماني سليمان المعمري، كذلك مبادرة مدينتي تقرأ التي نظمت بمدينة الرستاق سنة 2010.

أما بخصوص المجلات فتظل عنصرا مهما للقارئ الطفل والكاتب معا، إذ تشكل وجبة سريعة للعنصر الأول، بينما هي منفذ ومتنفس للعنصر الثاني أي الكاتب فيما يخص نشر إبداعاته، وهنا نستحضر تجربة مجلة ماجد التي لا أحد ينكر التأثير الذي أحدثته في جيل كبير منهما، أما عمانيا فأغلب المجلات المهتمة بأدب الطفل تبقى متعثرة؛ إذ نذكر مجلة مرشد التي تشتغل مع عدم توفر ميزانية مهمة لها، تمكنها من الطبع الأنيق وتضمن لها تعويض الكتاب المساهمين.

وعن رهانه يحدثنا أحمد الراشدي: “كنت قارئا لأدب الكبار من روايات وقصص، وقد راهنت على الكتاب العمانيين في جل ما قرأته، إذ نجد أسماء عمانية مهمة تنافس في جوانب المشهد الإبداعي العربي، لكن أدب الطفل بدأ متأخرا في عمان كما ذكرتم في المقدمة، ومع ذلك كانت انطلاقة مرتبطة بوعي كبير ومعرفة واسعة بأدب الطفل العالمي. ففوز ابتهاج محمد الحارثي عن قصتها “أنا وماء” أعطى دفعة للأدب العماني الخاص بأدب الطفل، إضافة إلى أسماء عديدة فازت بجوائز مهمة وعديدة في هذا الجنس الأدبي الأمر الذي صنع أثرا كبيرا، كذلك في مجال الرسم نذكر على سبيل المثال الرسامة العمانية مريم القمشوعي.

تاريخ وحضارة سلطنة عمان إضافة إلى التنوع الثقافي هي عناصر تشكل مادة دسمة للإبداع، وتوظيف ذلك من خلال أدب الطفل، شأننا في ذلك شأن الأدب الصيني أو الياباني سيمكننا من صنع جمال إبداعي للطفل.  

تنوع قوالب أدب الطفل يعطي مساحة أوسع للإبداع.. وللطفل الاختيار

والتقينا غدير صالح، كاتبة أدب طفل ومعلمة لغة عربية، فأخبرتنا عن بداياتها، فتقول: “تجربتي في أدب الطفل في البداية لم يكن مخططًا لها كثيرا؛ فقد دخلت إلى هذا العالم وأنا لا أعلم شيئا غير اسمه (أدب الطفل) وقُدّر أن طبعت إصداري المتواضع (الفليفلات) بعمر ١٨، ولم يكن هذا الإصدار وقتها ناضجا كفاية لقلة نضوجي المعرفي الخاص بهذا الأدب. لاحقا بعد سنوات تعلمت وفهمت أكثر ما هو أدب الطفل بالاحتكاك بكتابه العرب والاطلاع على بعض النصوص العلمية المتصلة به، ولا أعطي هذا الأمر الجانب الأول لبداية نضوجي، بل هو التأثر بالقصص الأدبية التي كتبها من هم أكبر مني؛ فكانت القراءة معلما ومدرسا تعلمت منه فطبعت قصتي (صياح الديكة) وهي القصة الحقيقية التي قد أكون عبرتُ بها إلى أدب الطفل. فتعلقت بأدب الطفل وأحببته كثيرًا، واكتشفت أني كنت أحبه منذ فترة طويلة دون أن أعرف. وقد كتبتُ وسأظل أكتبُ بعيدًا عن العالم المادي والشهرة، فحمل رسالة للطفل هي مهمة كل فرد باستطاعته الإبداع، ويجب علينا أن نحملها على أكتافنا وظهورنا”.

وعن رأيها بخصوص التعامل مع الناشر: “لم يكن سهلا إقناع دور النشر بجدارة قصصك لطباعتها، وهذا ليس لعدم نضجها؛ بل لأن لكل دار نشر سياسة ورؤية مختلفة تقبل النصوص وفقًا عليها، وقد تتعارض أيضا تلك الرؤية معك أنت باعتبارك كاتبا، وهنا صعوبة أخرى تجعلك تكافح أكثر. 

أما تنوع قوالب أدب الطفل فيعطي مساحة أوسع للإبداع وللمتلقي الطفل للاختيار، ولكل قالب أدبي فنه المختلف الذي لا يتعارض مع الآخر مثل القصة وسيناريو المجلات والشعر … فلكل عنصر طريقة خاصة مميزة في الكتابة والتذوق ولا يأكل أحدٌ الآخر. 

أتمنى حقًا أن تتسع الساحة العمانية مع الوقت أكثر وأكثر بإبداعات شابة رائدة، ومن واجب الكبار دعم الصغار دون تحيز وبقلب نقيّ”.

0 469 17 نوفمبر, 2019 أدب, الحادي عشر بعد المئة, العدد الأخير نوفمبر 17, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.