التهديد الصيني للخطاب الأمريكي

لـ

قطعت الشركات الأمريكية على نفسها العهد بالدفاع عن حرية التعبير مجازفةً بإغضاب الصين.

إنّ خطاب الصين البوليسي، شديد اللهجة، عن سياساتها حتى خارج حدودها، وسط قبول الشركات الأمريكية المتلهفة للمال في الصين، قد شكل تهديدًا متصاعدًا لأهم القيم الجوهرية لأمريكا، ألا وهي حرية التعبير. أصبحت الدولة الاشتراكية أكثر وأكثر عدائية في الضغط على الشركات الأجنبية لاختيار إما الرقابة الذاتية وإما التفريط في الانضمام لعالم تجاري سيصبح عما قريب الأكبرَ في العالم. انضمت مواضيع قديمة محظورة، توصف أحيانا بـ “التاءات الثلاث”: التبت والتيانانمن وتايوان، إلى أخرى جديدة يحظر الحديث عنها، منها الاحتجاجات في هونج كونج، وإساءة الصين معاملة الأقلية المسلمة.

في هذا الشهر، قامت الصين بالرد على تغريدة داريل موري- وهو المدير العام لفريق كرة السلة هيوستن روكتس- المتضامن مع احتجاجات هونج كونج عبر رسالة كان حينها في اليابان وعلى موقع إلكتروني لا يمكن الوصول إليه حتى في الصين القارية، مطالبةً بطرد السيد موري وإلغاء بث مباريات دوري كرة السلة الأمريكي. استعراض هيستري لا ينوي معاقبة اتحاد كرة السلة فحسب، بل وترهيب الشركات الأجنبية لمراقبة نفسها. (نفى متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية أن تكون الحكومة قد دعت إلى فصل السيد موري).

تكرس دساتير الصين والولايات المتحدة الأمريكية حرية التعبير، ولكن النظام الصيني الشمولي اتخذ لزمن طويل أفقا ضيقا لتلك الحرية. ولوقت طويل، قبلت الشركات الأمريكية بهذه القيود أثناء عملها في الصين. ومع ذلك، لا تسعى الصين الآن لفرض سيطرتها فيما يقال في الصين فحسب، بل وعن الصين كذلك. لو أن الأمر بيد الصين، فستقوم بمحو أي موضوع من الخطاب العالمي تتوجس فيه تعديًا للحدود.     

وللمرة الأولى منذ انتهاء الحرب الباردة، وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها في منافسة لأفكار وقيم مع دولة لها الثقل نفسه؛ لكن يوجد اختلاف هذه المرة، فالولايات المتحدة والصين تجمعهما صلات تجارية وثيقة. فحجم التبادل التجاري بين الدولتين هو الأعظم من أي دولتين في تاريخ العالم. ليس ثمة احتمالية معقولة لفك هذا الارتباط، ولا نتيجة محمودة كذلك. الضرورة الواضحة هي أن تجد الدولتان سبلا للعيش معا، كما أن التعايش يتطلب احترام فروقات الآخر. عوضاً عن ذلك؛ تشرك الصين نفسها في ثقافة إمبريالية، وهي تشجبها بنفسها أحيانا.

تصر الصين أن مصالحها الوطنية على المحك، وكذلك المصالح الوطنية للولايات المتحدة وغيرها من البلدان الحرة. وبعد أن اتخذت الصين موقفا متشددا، فقد حان الوقت بأن ترد الولايات المتحدة بالمثل. يتوجب على الولايات المتحدة والأعمال التجارية الأمريكية ألا تسترضي الرقابة في بكين، حتى لو كلف التمسك بحرية التعبير عدم الدخول إلى السوق الصيني.

ويحسب لاتحاد كرة السلة الأمريكية ثبات موقفه. فبعد أن أثارت الجولات الأولية للاعتذارات المتزلفة انتقادا واسعا في الولايات المتحدة، قال آدم سيلفر-مفوض الاتحاد- أن الدوري ملتزم بحرية التعبير، وأن اللاعبين وشخصيات أخرى في الدوري ظلوا متمسكين بحرية التعبير عن آرائهم، رغم ما عبر عنه بتداعيات مالية ” درامية نسبيا” من الخسائر التجارية في الصين. أضاف السيد سيلفر قائلا: “أردنا أن نعبر بشكل صريح، كوننا عملاً تجاريا أمريكيا، أنّ مبادئ اتحاد كرة السلة، المبادئ الأمريكية الحقة، ترافقنا أينما ذهبنا، وإحدى هذه القيم هي حرية التعبير”.   

إلا أنّ عدداً كبيرا من الشركات الأمريكية أظهرت أنّ قيمها معروضة للبيع، بل حتى إنهم لا يساومون كثيرا على السعر. في السنة الماضية، طالبت الحكومة الصينية خطوط الطيران الأجنبية بإزالة أية إشارة إلى تايوان من صفحات مواقعهم الإلكترونية؛ لأنّ الصين تنظر إلى تايوان على أنها إقليم متمرد. وتقدم الخطوط الجوية الأمريكية الأربعة المتضررة من القرار، وهي أميريكان ودلتا وهاوايان ويونايتد، نفسها للعالم على أنها مُمَثِلة للولايات المتحدة. فالعلم الأمريكي مصبوغ على طائراتها، وعليه فإنّ كل ما بداخلها أمريكي.

 وبدلاً من أن تدافع عن القيم الأمريكية، تنصاع الشركات الجوية لأوامر الصين. أحد الأمثلة الأخيرة المعبرة عن الانهزام تتضمن قيام شركة بيع الأزياء كوتش إتلاف القمصان التي تحمل عبارة “هونج كونج” بدلا من “هونج كونج، الصين”، وقيام شركة ماريوت بطرد مدير التواصل الاجتماعي في مدينة أوماها لإعجابه بتغريدة نشرتها مجموعة تدعم استقلال التبتيين.      

وبشكل متصاعد، لم تكلف الصين نفسها العناء لاستمالة الشركات العالمية، فقد انخرطت الشركات الأمريكية في مهادنات استباقية. ففي فيلم الرسوم المتحركة Abominable أو “البغيض”، الصادر عن شركة دريم ووركس التابعة لشركة البث كومكاست، تضمن أحد المشاهد خريطة للصين بشريط حدودي يضم معظم بحر الصين الجنوبي. لم تلحظ الولايات المتحدة ذلك الخط ولا حتى دول أخرى يحدها ذلك البحر بما فيها فيتنام التي سحبت الفيلم من صالات عرضها. كما قامت شبكة  ESPNالتابعة لشركة ديزني بعرض خريطة مشابهة للصين، تم بثها مؤخراً ، تُظِهر فيه ما يعرف بـ “خط النقاط التسع” في بحر الصين الجنوبي.

وبالطبع، فإنّ لدى كومكاست وديزني مطلق الحرية لمناصرة موقف الحزب الاشتراكي الصيني، ضاربين بالرأي الأمريكي والعالمي عرض الحائط في الخلاف المستمر حول حدود الصين الدولية. ولكن كل الدلائل تشير الى أنّ هذه القرارات أقل اتزاناً وأكثر ضرراً. كان هذا بمثابة إذعان الشركات لمنظور الصين للعالم. وذلك ببساطة؛ لأنه كان المسار الأقصر للمقاومة.

تحاول بعض الشركات التملص من هذه القضية بالتأكيد على تجنبهم الخوض في السياسة بالكامل. فقد قامت شركة الألعاب الإلكترونية بليزارد، التابعة للشركة المصنعة للألعاب إكتفيشن بليزارد في كاليفورنيا، بحظر أحد مستخدميها بعد هتافه: “حرروا هونج كونج، ثورة عصرنا” خلال مباراة في بطولة على الإنترنت مطلع هذا الشهر، مع مصادرة عشرة آلاف دولار من الجوائز. وقالت الشركة بعد إعادتها الأموال المصادرة وتخفيف الحظر إلى الإيقاف ستة أشهر، أنها كانت ستتخذ إجراء مشابهًا فيما لو هتف أحد اللاعبين معارضا مظاهرات هونج كونج. بينما أعلنت الشركة المنافسة رايوت للألعاب، طريقة الحظر الخاصة بها للخطاب السياسي محذرة اللاعبين بالامتناع عن الخوض في الحديث عن السياسة بما فيها احتجاجات هونج كونج. (تمتلك الشركة الصينية العملاقة تينيسنت حصة بـ ٥ ٪ من أسهم إكتيفيشن وتستحوذ على رايوت بأكملها).

تواجه الشركات ضغطا من نوع آخر على الإنترنت؛ لأنّ مراعاة الجغرافيا الطبيعية لم يعد يعتد بها معيارًا. فعبارة “عندما تكون في روما، تصرف كما يتصرف الرومان” قد فقدت بريقها. فعلى الإنترنت، يوجد كل أحد دائماً في المنزل وفي روما كذلك. ولكن هناك، أو كما ينبغي، نقطة اختلاف جوهرية بين الأعمال التجارية الأمريكية والصينية. فالشركات هي من تصنع الدولة. ومع ذلك، يفضل الرؤساء التنفيذيون النظر إلى عملياتهم على أنها متعددة الجنسيات. تختار الشركات الأميركية العمل وفقا لقوانين الولايات المتحدة وجني مزايا العيش في الولايات المتحدة، مترتبا عليهم أن يكونوا مسؤولين عن التمسك بمبادئ الولايات المتحدة. ينبغي أن تعي الشركات الأمريكية المسؤولية تجاه الاحتفاظ بالحق في التعبير الحر على مساحات الإنترنت التي تنشئها وتديرها، وإلا ستصبح طوعًا لنظام شركات ذات طابع رقابي عالمي تتلقى أوامرها من الرئيس الصيني شي جين بينغ. 

ويقول مارك زكربيرج -المؤسس والمدير التنفيذي لموقع فيس بوك والمحظور في الصين- إنه لا يمكن التسليم بطبيعة الإنترنت قائلاً: “إنّ حال الإنترنت العالمي اليوم حول العالم تحدده الشركات الأمريكية والمنصات بشكل كبير بقيم حرية تعبير قوية. ولكن لا توجد ضمانات مؤكدة لبقائها مع مرور الزمن”. 

إنّ دور فيسبوك، بوصفه مسؤولًا خاصًا عن ميدان الشعب العام، يولد جدلا مستمرا، أحدثها حول رفضه منع السياسيين من نشر أكاذيب واضحة. والجدال حول سياساته يؤكد تحديات وتناقضات التعهدات الأمريكية تجاه حرية التعبير. ومع ذلك، فإن السيد زكربيرغ، صادق بلا شك، أنّ شركته وشركات تقنية عملاقة أخرى، تشكل حارساً لحرية التعبير على الإنترنت.

إنّ مسؤولية الشركات الأمريكية تتمثل في المحافظة على هذا التعهد تجاه حرية التعبير حتى لو كلف الأمر عدم إبرام صفقات تجارية مع الصين. وهي تكلفة دفعتها جريدة نيويورك تايمز وعدد من الشركات الإعلامية الأخرى بالفعل.

ساهم الرئيس ترمب في إضعاف قدرة الشركات الأمريكية على الدفاع عن القيم الأمريكية، بما فيها حرية التعبير، بتأكيده عدم تبنيه هذه القيم وفشله في الاعتراض على مطالب الصين بحزم. في السنة الماضية، وصفت متحدثة في البيت الأبيض أوامر الصين لشركات الطيران ب “الترهات الأورويلية”، ولكن الإدارة المتعجلة لتهديد الصين بعواقب قاسية تجاه سياساتها التجارية، لم تدافع عن شركات الطيران بالتحذير من عواقب شبيهه لجهود الصين في قمع الخطاب الحر. إن أرادت الشركات الأمريكية الدفاع عن القيم الأمريكية، ينبغي أن تقف الحكومة الأمريكية إلى صفها.

في العام ٢٠٠٩، ألغت جامعة ولاية كارولاينا الشمالية زيارة الدالاي لاما، الذي تعتبره الصين عدوا للدولة. وكان التبرير المقدم من عميد الجامعة واروك اردين صريحا جداً: “الصين شريك تجاري رئيس لكارولاينا الشمالية”. ما يبدو أنّ السيد أردن قد نسيه، وغيره في مراكز السلطة الذين انزلقوا في ذلك الاتجاه، هو أنّ كارولاينا الشمالية هي أيضا شريك رئيس للصين. 

وعلى هؤلاء الذين يخافون خسارة ما قد تحصل عليه الولايات المتحدة من الصين، أن يضعوا في عين الاعتبار، أنّ الصين هي الأخرى تخاف فقدان ما تحصل عليه من الولايات المتحدة. ويتوجب على الحكومة الأمريكية دعم الشركات الأميركية بتوضيح أنّ العقوبات المتعلقة بحرية الخطاب ستُقابَل بالمثل. إنّ الرد الأمثل على التهديد الصيني بحرمان الطائرات الأميركية من الهبوط في أراضي الصين هو بمنع الطائرات الصينية من الهبوط في الولايات المتحدة.   

تستطيع أمريكا كذلك أن تقوي من شأنها عن طريق خلق قضية مشتركة مع بلدان أخرى تقدر قيمة حرية التعبير. وضعت الصين ضغوطات مشابهة على الشركة الإيطالية فيرزاتشي وعلى شركات ألمانية من بينها مرسيدس بنز وعلى شركات طيران حول العالم. 

إنّ التزام أمريكا بحقوق الإنسان، بما في ذلك حرية التعبير، يتطلب مراعاة حذرة وتسويات حازمة على الدوام، فهي تواجه الآن امتحانا قاسيا من نوع خاص، فالعالم يشاهد ويتحدث. 

لقراءة المقال الأصلي، اضغط هنا.

0 319 21 نوفمبر, 2019 الحادي عشر بعد المئة, العدد الأخير, سياسة نوفمبر 21, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.