الخيال هو كل شيء

لـ

لا أعرف كيف أكتب، وهو أمر يبعث على الأسف، لأنني أكتب بغرض كسب العيش؛ بل إني لا أعرف أيضًا كيف أكسب عيشي. إذ يُطالب الكُتاب دائمًا بالكتابة حول موضوع الكتابة، ولا سيما حين يصدر لهم كتاب جديد، نُطَالب دائمًا بإجراء مقابلات لنشرح كيف نجحنا في تحقيق ذلك. بل إننا نُدرّس الكتابة الإبداعية كما بدأت أفعل مؤخرًا؛ انطلاقًا من رغبة الطلاب في مقاربة موضوع الكتابة الإبداعية. أقول لهم في البداية، ليس لديّ ما أقدمه إليكم. لا أعرف شيئًا، لا تنظروا إليَّ. 

ألّفتُ ستة كتب حتى الآن، وبدلًا من تيسّر الأمر، صار موضوع الكتابة أشد تعقيدًا حتى اقترب من تخوم العبث. ليست لدي فكرة حقيقة عما أقوم به. فجميع القرارات التي يبدو أنني خلصتُ إليها بخصوص الحبكة والشخصيات الروائية وأين تبدأ وأين تتوقف لم تكن قرارات على الإطلاق؛ بل كانت مجرد حلول مؤقتة. كان حجم الكتاب يتناقص شيئًا فشيئًا تحت تأثير الأمل. وحينما شرعتُ في إبعاد قلمي عن الاختزال والشطب، أبعدتُ الكتاب عن مكتبي لأرى ما سيفعله الآخرون بالكتاب. بقيتُ أنتظر مسكونًا برعبٍ هائل من أحكام الآخرين؛ لأنها كانت تبدو لي أحكامًا – إيجابية كانت أو سلبية- مجحفة، والسبب أنها متصلة بأشياء لا دخل لي فيها، أشياء وقعتْ لي دون تدخل مني. كان الأمر أشبه بإنسان أصيب في حادث سيارة، فيستقبله جمهور حاشد حاملًا بطاقات نتيجة المباراة. 

الواضح أن شيئًا ما يقع لي. كنتُ قد نجحتُ في تأليف كتاب كل بضعة أعوام. لا أنكر أنني كنتُ على دراية ببعض الأشياء، وكانت لديَّ معرفة بمسألة الانتظار حتى اللحظات الأخيرة قبل أن أخطّ أي كلمة على الأوراق، أقصد تلك اللحظات الأخيرة قبل أن تغادرني الفكرة إلى الأبد، أعرف كيف أستبعدُ الفقرات التي تبدو لي- بعد انقضاء فترة – مُقحَمة، ودخيلة وزائفة. كنتُ أعرف أن ينبغي لي أن أضع نفسي داخل الحكاية، ليس بالمعنى الحرفيّ طبعًا، ولكن بالمعنى الانفعالي. 

كنتُ في حاجة إلى إبداء اهتمام بما أكتب، سواء أكان اهتمامًا بالشخصيات وما تنشد الوصول إليه، أو اهتمامًا بالطريقة التي تحسّ بها الشخصيات أو تخبر بها هذا العالم. 

أعلم أنّ مهمتي في الكتابة هي أن أخلق منظورًا ما، أصدَّره إلى القارئ. كما أنني أعلم أنه في سبيل تحقيق ذلك، ينبغي لي أن أخاطر  بكل شيء في مخاطرة غامضة.

أعلم أنني أرتكب غلطة كبيرة إن لم ينفطر قلبي أثناء تأليف الكتاب. لستُ متأكدًا تمامًا من معنى ذلك، لكني متأكد من كيفية شعوري بذلك. 

لا أضطلع بمهمة الباحث؛ مع أنني ألفتُ رواية تدور حول محقّقي شرطة من مدينة لندن، إذ إن ذلك العمل لا يخلو من حماقة ونزق؛ لأنني لم أكن أعلم كيف يقضي محققو الشرطة أيامهم؛ لذلك انطلقتُ من بعض التخمينات. افترضتُ أنه ينبغي لهم معاينة الأشياء وتفحصها، حاولتُ تخيّل كيف يبدو الأمر، شاهدتُ الأفلام والحلقات التليفزيونية التي تشاهدونها، قرأت روايات الإثارة الرخيصة التي تقرؤونها. كنتُ أعلم أن كل شيء محض خيال. كل شيء في المطلق. عملية البحث ما هي إلا عملية خيال بطيئة الوتيرة، عملية يؤديها الكاتب ليطمأن بها نفسَه، وأنا أشعر بالنفور من شعور الطمأنينة.

أحب الكتابة انطلاقًا من شعورٍ بالارتباك، ومن شعورٍ بالذعر، شعور بأن كل شيء يقترب من الانهيار التام، أريد معانقة الخيال في كل شيء. وأنا أقصد ما أقول: كل شيء محض خيال. 

فأنت حينما تسرد قصّة حياتكَ، وما جرى في يومك، فإنكَ تُعدّل وتنقّح وتنسج مجموعة من التجارب والأحداث العشوائية، فمحادثاتكَ خيال، وأصدقاؤك والمقرّبون منك هم شخصيات نسجتها من وحي خيالك، ومساجلاتك الجدلية معهم هي أشبه بمحاورات مع محرّرك الأدبي، يطلبون منكَ شيئًا، وتطلبُ منهم شيئًا، من فضلك أعِد كتابة ذلك. 

لديكَ تصور حول الطريقة التي تسير  بها الأمور، وتفرضها على ذاكراتك، وهكذا فأنت تفكّر بالطريقة نفسها التي أفكّر  بها، فتعايش شيئًا قابلًا للوصف والتصوير. إن ما نعيشه بالفعل، وما نخبره بالفعل عبر حواسّنا وأعصابنا هو فوضى بالغة وسخيفة وجميلة.

لذلك أحبّ دائمًا الاستماع إلى من لا وقت لديهم لقراءة الخيال، إلى مَنْ يقتصرون على قراءة السيرة الذاتية والكتب العلمية المبّسطة. أحبّ الاستماع إلى من يتحدث عن موت الرواية، والاستماع إلى محاضرات تتناول تفاهة الخيال، وتفاهة اختلاق الأحداث، كما لو أننا جميعًا لا نفعل ذلك على مدار اليوم، بل على مدار حياتنا. 

يمنحنا الخيال كل شيء، يمنحنا الخيالُ الذاكرة، وفهم الأشياء، يمنحنا الرؤية الثاقبة؛ بل يمنحنا حياتنا نفسها. إننا  نستخدم ملكَة الخيال لنشعر بالتغيير وبالحزن والأمل والحب، نستخدم الخيال كي نُخبِر بعضنا عن أنفسنا، والواضح أننا نعرف جميعًا كيف نفعل ذلك. 

————————————————————————————————–

  • المقال منشور على صفحات جريدة نيويوركير  الأمريكية بتاريخ 8 أغسطس 2012، ومؤلفه هو الروائي الأيرلندي كيث ريدجواي، من موالي2 أكتوبر 1965 في مجينة دبلن،  وهو حائز على عدة جوائز محلية ودولية.
0 159 01 ديسمبر, 2019 أدب, الثاني عشر بعد المئة, العدد الأخير ديسمبر 1, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.