آن شيرلي: شخصيّة حيّة

لـ

هي فتاة هيفاء بشعرٍ أحمر، علامة روحٍ وثّابة متفجّرة، تعرف لها انطلاقا كالنهر الجرّار، إن حدّه الشيء أزاحه، أو وجد دونه الطريق.

 ولها من الخيال سحره، ومن التعبير رونقه، وفي عينيها الرماديتين نظرة ساطعة لا تكاد تقع على شيء إلا وجدت فيه جمالا أو بعضا من معاني الجمال، كأنما الأشياء لا تأتيها إلا في معرض التفكّر والتخيّل؛ فترى في تفاصيلها الصغيرة، جمالها الكبير، وما ذلك إلا من أثر روحها الوثّابة التي تضاعف معاني الأشياء في النفس، فتجد العادي جميلا، والجميل أجمل، والأجمل كما لو أنه شيء نزل من السماء.

وحيثما ذهبت حملت معها نفسًا ما تزال في إحساس الطفولة فتجعل تندهش اندهاش الأطفال كلما صادفهم جديد الحياة، وتقع الأشياء من نفسها موقع الإكبار، فهاهنا تجدها وقد ران عليها سكون خاشع أمام شجرة كرزٍ عبياء*، وهاهناك تراها ساجيةً تسكب من وحي روحها، مادة الخيال تلقاء بحيرة متلألئة المياه، ثم من هاهنا وهاهناك، تنثال أشكال وألوان وأصوات من بديع هذا الخيال. وربّما وجدتها غائبة في عناقٍ مع شجرة في خميلة، أو حديثٍ مع زهرة عند نافذة، فيدركك من نظراتها شعور بروعة الحياة في طبيعتها وبما يزيده الخيال عليها، ويباغتك منها أول ما يباغتك الانبهار بروحها، كأنها شعلة هي أبدًا في اتّقاد، وليس في قانونها إلا الازدياد.

تلك هي “آن شيرلي”، رائعة الروائية الكندية لوسي مود مونتجمري.

***

يبلغ الأدب من القوة أن يبتدع شخصيات من حبر على ورق، ثم يروح يُعْمِل فيها سحره، فتصير كأنما هي حقيقةٌ، عاشت على هذه الأرض، وخبرت من أطوارها، ثم مضت وخلّفت وراءها مسيرة جديرة بالقراءة، هي عند عامة الناس: روايات مُختلقة لا طائل تحتها، وعند القارئ المولع: تجارب ودروس وإحساسٌ بالحياة.

وما قط لاحت للقارئ شخصيات تنبض فيها الحياة، إلا وتحركت في صدره أحاسيس، وأخلدت نفسه إليها مفتونةً مسحورة، ومن هذه الأحاسيس تكتسب الشخصيات بقاءها حيّة، ومنها تستمد مادة الخلود، ولا أحسب أن أبرز شخصيات الروايات المعروفة بقيت حية حتى يومنا، إلا لأنها أثارت ووافقت معانيَ في نفوس آلاف وآلاف من القرّاء، فاستخلصت منها حياتها، وكُتِبَ لها أن تخلد.

وعندي أن “آن شيرلي” إحدى هذه الشخصيات، وهي صورة ممتازة للإقبال على الحياة بقلبٍ متفائل، ونفسٍ توّاقة، وروحٍ تجد في العمل حلاوة، وقد تراها تجتهد ولا تجد، وتروم ولا يكون لها ما تحب، فلا تجدها رغم كل ذلك، تستوطئ التقاعس أو تستكين للفشل، وحسبها المحاولة زيادةً في نفسها وتحقيقًا لذاتها. 

ولخيالها لدي من إجلال، ما لإقبالها على الحياة من إعجاب. لَكَأنها تجد سلوى دائمة في هذا الخيال عن كل مصاب. وإن من أكثر ما يجعلها محببةً، حيّةً، قريبةً إلى النفس، هو تدرّجها في مراحل الحياة على مسمعٍ ومرأى من القارئ، فيعرفها طفلة تلهو يرى فيها لهوهُ الطفولي، ثم يألفها فتاةً تدرج في الحياة وتكبر معها الهموم كما كبرت معه، ولا تزال تطوي مرحلة وتبدأ أخرى، ولا يزال هو في إحساس متصل بكل ذلك، إذ ليس ما يجعلها حيّة عنده هو رؤيتها تكبر وحسب، ولكن الإحساس بها تكبر.

أي آن شيرلي:

ما أجملكِ فتاةً تلوح في عينيها نظرة كنجوم السماء!

ما أجملكِ حبرًا على ورق يَفْهق بروح الحياة!

_________________
* عبياء: أي مرتدية عباءة، وهي تدل على الشجرة المورقة.

2 470 09 ديسمبر, 2019 أدب, الثاني عشر بعد المئة ديسمبر 9, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.