السياحة.. بوابة الاحتلال لتهويد ما تبقى من القدس

لـ

على فتراتٍ متقاربة تعلن سلطات الاحتلال الإسرائيليِّ عن بَدء تنفيذ مشاريع تطويرية داخل حدود مدينة القدس المحتلة، سعيًا وراء تحقيق أهدافٍ معلنة متمثِّلة في تعزيز السياحة، سواءٌ لغايات ترفيهية أو ثقافية أو حتى دينية؛ إلا أن في الكواليس الخفية لتلك المشاريع التطويرية السياحيَّة غاياتٍ أخرى مرتبطة أساسًا بالأنشطة الاستيطانيَّة التهديدية التي تستهدف القدس المحتلَّة والمسجد الأقصى المبارك تحديدًا.

ويتَّخِذ الاحتلال من تلك المشاريع غطاءً للتهويد وبسط السيطرة الإسرائيليَّة على ما تبقى من مدينة القدس والمسجد الأقصى دونَ ضجَّةٍ أو اعتراضٍ، وبهدف تضليل الرأي العام العربي والإسلامي، وقطع الطريق أمام أيِّ خطوات احتجاجية قد تستنكر ما تتعرَّض له القدس على يد الاحتلال، خاصَّة أنَّ إجراءات الأخير تخالف القرارات الدولية المتعلقة بالمدينة المقدسة.

وطالب قرار صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو” في الثالث عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2016م، إسرائيلَ بإتاحة العودة إلى الوضع التاريخيِّ الذي كان قائمًا حتى أيلول من عام 2000م، ويؤكد وجوب التزام إسرائيل بصون سلامة المسجد الأقصى/ الحرم الشريف وأصالته وتراثه الثقافي، وفقًا للوضع التاريخيِّ الذي كان قائمًا، بوصفه موقعًا إسلاميًّا مقدسًا مخصصًا للعبادة، وجزءًا لا يتجزَّأ من موقعٍ للتراث العالمي الثقافي.

ويعدُّ مشروع القطار الهوائيِّ “تلفريك” من أحدث المشاريع التهويدية الإسرائيليَّة التي تنفذ بحججٍ سياحيَّة، حيث سيبتلع المشروع الجديد الذي يمتد على طولِ (1.4) كم، مساحات من الأراضي والطرقات داخل البلدة القديمة، لبناء (15) عامودًا كأساسات لمسار القطار الهوائيِّ بارتفاع (26) مترًا، وسيبدأ مساره من جبل الزيتون (شرق القدس) وصولًا إلى ساحة البراق (السور الغربي للحرم المحيط بالمسجد الأقصى).

الاحتلال رصد للمشروع الاستيطانيِّ السياحيِّ، الذي صدَّق عليه في الربع الأول من العام الجاري 2019م، نحو (200) مليون دولار، إذ سيشمل بناء (3) محطاتٍ، وستصل حمولة التلفريك لـ(73) عربة بِطاقةٍ استيعابية تصل إلى (3000) سائح في التلفريك الواحد، الأمر الذي سيسمح لعدد هائل من المستوطنين والسياح وجنود الاحتلال كذلك بالبقاء في ساحة البراق دفعةً واحدةً.

وقُبَيْلَ خروج المشروع السابق للواقع الاستيطانيِّ، نفَّذ الاحتلال عام 2016م مشروعًًا سياحيًّا يهدف إلى تهويد الجزء الشرقي من القدس وطمس معالمها التاريخيَّة الإسلاميَّة، من خلال بناء فنادق سياحيَّة وأماكن تجاريَّة على طول مسار القطار الخفيف، وقد حاول الاحتلال كالعادة تجميل صورة المشروع بادعاءات كتعزيز السياحة أو حل أزمة السكن في المنطقة التي احتلتها إسرائيل بالكامل عام 1967.

الاستهداف الإسرائيلي من بوابة السياحة للقدس والمسجد الأقصى المحتلين، لم يتوقف على ما سبق، بل بلغ ذروته عام 2017م مع إطلاق جهات إسرائيليَّة وجمعيَّات استيطانيَّة مشروعَ (القدس 5800) “Jerusalem 5800″، الذي يديره رجل الأعمال اليهودي من أصول أسترالية “كيفين بيرمستر”.

مشروع Jerusalem5800 يهدف إلى تحويل القدس المحتلة إلى مركز سياحيٍّ يقصده الزوار من مختلف دول العالم خلال (30) سنة، وكل ذلك سعيًا وراء تغيير معالم المدينة المقدسة وضرب الهُوية البصرية الذهنية للمسجد الأقصى بصفته مكانًا ورمزًا مقدَّسًا لعموم المسلمين؛ إذ سينفَّذ المشروع على (3) مراحل، وكل مرحلة تمتد لـ(10) أعوام.

ومن أهداف المشروع أيضًا، إعادة تخطيط بعض المناطق السكنية المحيطة بالقدس ببناء مشروع سياحيٍّ كبير يحقق فوائد سياحيَّة واقتصاديَّة كبيرة، لتصبح مدينة القدس إحدى أهم وجهات السياحة في العالم، يمكن أن تجذَب إليها أكثر من عشرة ملايين سائح سنويًّا.

ووفقًا لتقرير إسرائيليٍّ خاصٍّ ترجمه “المركز الفلسطيني للإعلام”؛ فإن رؤية هذا المشروع تتمثَّل في جعل القدس المحتلة “مركزًا وطنيًّا للشعب اليهودي والمركز الروحي لتوحيد الأديان”، مضيفًا: “الهدف الرئيس من هذا المشروع إعادة تشكيل مدينة القدس بعدِّها “مدينة العالم” والمرجع الروحي والسياحي والثقافي، عن طريق عدد من الخطوات العملية المطلوبة لتحقيق هذا الهدف”.

وبحسب التقرير فإن الخطة المقترحة أيضًا تشمل دعم أساليب البناء الأيديولوجي لتمكين بناء أكثر كثافة، تعتمد على استخدام حركة المرور تحت الأرض، وأنظمة وحدائق على السطح وحدائق عامة، وسوف تشمل هذه التحسينات سرعة عالية في خطِّ السكك الحديدية وشبكة واسعة من الحافلات، إضافة إلى العديد من الطرق فائقة السرعة، وإقامة مطار دولي يتيح وصول السياحة للقدس بمرونة عالية.

سباق تهويدي

بدوره قال الناشط المقدسي والخبير في شؤون القدس الدكتور جمال عمرو: إن الاحتلال بات يتعمد الإعلان عن مخططاته الاستيطانيَّة بـ”غطاء جميل” يخفي في جنباته “مضمونًا قبيحًا”، وذلك تحت غطاء مشروع سياحي مضلِّل للرأي العام الداخلي والخارجي.

وأضاف عمرو في حديثه لـ”الفلق”: “منذ إحكام الاحتلال سيطرته الكامل على مدينة القدس عام 1976م دخل في سباق مع الزمن لتهويدها، وحاليًّا يكثف الاحتلال أنشطته الاستيطانيَّة سعيًا لجعل القدس عاصمة لدولة الاحتلال، مسخِّرًا في سبيل ذلك أساليبَ تهويدية مباشرة وأخرى غير مباشرة تأتي غالبًا تحت غطاء مشروع سياحي أو ترميم بنية تحتية”.

وأضح عمرو أن المشاريع السياحيَّة الأخيرة تمنح الاحتلال مرونة أكبر في بسط سيطرته على مناطق مقدسية متعددة مرةً واحدةً، وذلك عبر تحديد مسارات المشاريع الاستيطانيَّة (النقل الجوي والتزلج الهوائي والقطار الخفيف)، وفق الأهداف التهويدية الساعية لتغيير الوجه التاريخي لمدينة القدس وإحكام السيطرة الكاملة.

وأشار عمرو إلى أن المشاريع السياحيَّة التطويريَّة باتت تنشط بكلِّ ركن من القدس المحتلة، بعضها في طور التخطيط وكثير منها في خِضمِّ الإنشاء، وجميعها تهدف إلى طمس المعالم الإسلاميَّة في مدينة القدس والتشتيت على مشهد المسجد الأقصى في أنظار الزائر للمدينة، إضافةً للسَّعي لضرب الطراز المعماري الأثري.

أخطر الأهداف التي يعمل الاحتلال على تحقيقها عبر مخططاته الاستيطانيَّة الحاملة للطابع السياحي هو تقسيم المسجد الأقصى زمانيًّا ومكانيًّا بين المسلمين واليهود على غرار المسجد الإبراهيمي في الخليل جنوب الضفة الغربية المحتلة، وتحديدًا بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القدسَ عاصمةً لدولة الاحتلال الإسرائيلي.

ما أبرز الجهات الإسرائيليَّة التي تعمل على مخططات التهويد في القدس تحت غطاء مشروع سياحي؟ حول السؤال السابق أجاب عمرو: إن المشاريع السياحيَّة تلقى دعمًا خاصًّا من جمعيات رجال الأعمال الإسرائيليين التي تنشط في الداخل والخارج، ولكن بالمجمل فإن جمعية “إلعاد” الاستيطانيَّة بمنزلة أداء رئيسة في تسريع عملية تغيير وجه المدينة وذراع الاحتلال الأقوى لتهويد المدينة المقدسة.

ولم يفُت عمرو الإشارة إلى أن نتائج تلك المشاريع السياحيَّة التهويديَّة في الأساس بدأت تظهر نتائجها باكرًا، عبر الزيادة الحادة في عدد المقتحمين المستوطنين لباحات المسجد الأقصى التي سجلت منذ بداية العام الحالي 2019م أرقامًا غير مسبوقة في تاريخ الاعتداءات الإسرائيليَّة على الأقصى المبارك.

وأمام تلك الوقائع والواقع المأساوي الذي تعيشه القدس المحتلة، تبقى الأنظار متجهة نحو الخطوات العربيَّة والإسلاميَّة اللازمة لحماية ما تبقى من المدينة المقدسة، الذي يأتي على رأسها دعم صمود المقدسيين في وجه المحاولات الإسرائيليَّة الحثيثة لتهجيرهم خارج القدس وسلب ممتلكاتهم منهم لتحويلها لمشاريع استيطانيَّة.

0 541 08 ديسمبر, 2019 الثاني عشر بعد المئة, سياسة ديسمبر 8, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.