أدب الثاني عشر بعد المئة

صرخة متجددة ضد الحرب

Avatar
Written by ناصر ونوس

“الأم شجاعة” لبريشت في مسرح مدينة دريسدن

“ما هو أسوأ ليس الآلام [الناجمة عن الحرب]، وإنما أن تصبح الحرب عادةً، وطريقة حياة، وأن يعيش الناس في الحرب، وأن يقبلوها ويطيلوا أمدها، وكأنها الأمر الأكثر تلاؤما مع الحياة”

برنارد دورت عن “الأم شجاعة” لبريشت

مع استمرار الحروب في العديد من البلدان المبتلاة بأنظمة الحكم الفاسدة والمفسدة في هذه الأرض، خصوصاً تلك الممتدة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، يغدو إعادة إنتاج نص مسرحي على خشبة المسرح مثل “الأم شجاعة وأبناؤها الثلاثة” لبرتولت بريشت، أمراً في غاية الأهمية. هذا ما أدركه المخرج “أرمين بيتراس” (Armin Petras) وهذا ما أنجزه في عرض رائع قدم مؤخرا على خشبة مسرح مدينة دريسدن الألمانية ضمن ربرتواره لعامي 2019- 2020.

كتب بريشت مسرحيته هذه بالتعاون مع الكاتبة والممثلة الألمانية مارغريت ستيفن خلال عامي 1938- 1939 عندما كان يعيش منفياً في السويد، مستعيداً فيها حرب الثلاثين عاماً التي دارت رحاها بين عامي 1618 و 1648 في أوروبا، وحصدت أرواح الملايين من أبناء القارة، إلى جانب ما خلفته من دمار ومجاعة وانتشار للأوبئة. والعنوان الشارح للمسرحية هو “وقائع حرب الثلاثين عاماً”. وأحداث المسرحية تدور خلال اثني عشر عاماً من هذه الحرب، تلك الممتدة بين عامي 1624 و1636. وكتبها بريشت لتكون بمثابة صرخة ضد الحرب (العالمية الثانية) التي كانت تلوح في الأفق، وكانت طبولها تقرع في أوروبا ومناطق أخرى من العالم، أو ربما كانت قد بدأت بالفعل حيث كان جيش هتلر قد اجتاح بولندا. وبالفعل فقد اعتبرت هذه المسرحية من قبل العديد من نقاد المسرح ودارسيه أهم مسرحية كتبت ضد الحرب عبر التاريخ. وأهم نص مسرحي كتب في القرن العشرين.

تعرض مسرحية بريشت قصة الأم “آنا فيرلينغ” التي لقبت بـ”الشجاعة” لتمكنها من بيع خمسين رغيف خبز رغم الحصار وتبادل القصف بالنيران قبل أن تتعفن. واللقب لا يخلو من سخرية مبطنة كما هو واضح. أو كما سيتضح مع التعرف أكثر على صفات هذه الشخصية. تجر مع أولادها الثلاثة عربتها التي تبيع فيها المأكولات والمشروبات الروحية للجنود أثناء الحرب، وتتنقل مع تنقل الجنود والمعارك، إذ إنها تتكسب من الحرب ومن استمرارها، لدرجة أنها لا تتمنى أن تنتهي. لكن في الوقت نفسه تفقد أولادها واحداً بعد الآخر بسبب هذه الحرب، ومع ذلك تعتقد أن تجارتها في هذه الحرب رابحة. من هنا قال عنها الناقد الفرنسي رولان بارت إنها “أم شجاعة عمياء” حيث لا ترى كيف أنها تخسر أبناءها واحداً بعد الآخر بسبب هذه الحرب، ولا تتعظ ولا تتعلم. تماماً كما هو الحال مع من يعتقد نفسه أنه قد انتصر، أو يحقق الانتصارات في هذه الحرب أو الحروب التي لا تنتهي في عالمنا العربي. فهو ربما يكسب هذه المعركة أو تلك، هنا أو هنالك، لكن عملياً يخسر أبناء الوطن واحداً بعد الآخر، أفراداً وجماعات. هذا عدا الدمار الشامل والآلام التي تخلفها هذه الحروب، والتي تحتاج إلى عشرات السنين كي تندمل. من هنا تكتسب هذه المسرحية أهميتها وراهنيتها، إذ تنسحب مقولتها على جميع الحروب التي تقع في كل مكان وزمان.

كان مخرج المسرحية أرمين بيتراس أميناً لتقاليد المسرح الملحمي الذي ابتكره بريشت وكتب مسرحيته هذه وفق مبادئه؛ إذ أقام فضاء مسرحياً غاية في البساطة: يدخل المشاهدون صالة المسرح ليجدوا منصة مضاءة منحدرة باتجاه الصالة، وقد استلقى فوقها الممثلون والكومبارس على هيئة جثث متناثرة كناية عن ضحايا الحرب. منصة فارغة من أي ديكور إلا من بعض الإكسسوارات والأدوات التي سيأتي بها الممثلون لاحقاً. وفي الخلفية جدار شبكي من الحديد يتسلق عليه الممثلون ويتعلقون به على هيئة جثث متناثرة فوقه، كناية أخرى عن ضحايا الحرب. لم يكن هناك أثر للعربة التي تجرها الأم، والتي اعتاد المشاهد أن يراها في الإخراجات السابقة للمسرحية. استعاض عنها المخرج في بعض المشاهد بعدد من الأغراض الموضوعة على أرضية المسرح، في الخلفية أو المنتصف، كالألبسة والأردية وزجاجات الماء أو الخمر التي تبيعها الأم للجنود. وبغية خلق جو الحرب وساحة معركة على المسرح تم طلاء أرضية المنصة بألوان ترابية تعطي إحساس أرض معفرة ومحروقة، واستخدم المخرج أصوات الانفجارات والدخان، حيث كانت هناك أجهزة في محيط المنصة تصدر هذا الدخان الذي يملأ المكان ويتكثف بعد كل انفجار يقع في عين المكان أو في الجوار. 

 كما استخدم المخرج أسلوب التعليق على الأحداث أو التمهيد لها أو الإبلاغ عنها، وتم ذلك عبر صوت كأنه خارج من مذياع، وبلكنة ليست بألمانية. وتخللت الأحداث والمشاهد (اللوحات وفق مصطلحات المسرح الملحمي) الأغاني والموسيقى الحية التي تعزفها فرقة موسيقية أمام المشاهدين. هذه الموسيقى التي وضعها ميخائيل فوكس وتوماس كورستنر وسيباستيان فوغل (Michael FuchsThomas KürstnerSebastian Vogel) كانت من أجمل مكونات العرض، بحيث تكاملت مع الأداء والإضاءة الخافتة أحياناً والظلال، لتخلق عالماً من السحر والجمال، عالم يهيم به المرء (المشاهد هنا) كالطير في الجنان… ذلك يتحقق لدقائق ويتكرر، وكأن المخرج يريد النأي بالمشاهد بعيداً عن هذه الكوارث التي يراها أمامه ليريحه قليلاً من كابوسها. 

لعبت الممثلة أورسولا فيرنر دور الأم شجاعة. وهي ممثلة مسرحية وسينمائية معروفة في ألمانيا لدى جمهور المسرح والسينما، في الستينات أو السبعينات من عمرها، لعبت الدور بكل إتقان واقتدار جراء فهمها العميق لهذه الشخصية بملامحها وصفاتها ومكنوناتها ودوافعها وأهدافها. وكذلك كان الحال مع بقية الممثلين.

“الأم شجاعة وأبناؤها الثلاثة” التي يجري تقديمها هذه الأيام على مسرح مدينة دريسدن الألمانية هي مسرحية أراد لها كاتبها برتولت بريشت أن تكون صرخة ضد الحرب، وهي كذلك بالفعل، صرخة تتجدد مع نشوب كل حرب بغض النظر عن زمانها أو مكانها.

عن الكاتب

Avatar

ناصر ونوس

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.