الكتاب الذي يقرأ نفسه

لـ

قراءة في كتاب (لغة الخلق)

“نحن جزء من انفجار لم ينته بعد”

ص٢١٥

كتاب: لغة الخلق

تأليف: عبدالله المعمري

نشر: وزارة التراث والثقافة، دار الفرقد دمشق

ط١: ٢٠١٨م

الكتاب الذي يجمع جدة الموضوع والالتزام المنهجي واحترام الموضوع ورشاقة الأسلوب خليق بأن يحظى باحترام قرائه، ولعل هذا الاحترام أحد الأسباب التي أكسبت هذا الكتاب بجدارة جائزة الكتاب الفكري للعام ٢٠١٩ في جوائز جمعية الكتاب العمانية، التي أعلنت في نوفمبر الماضي، فالكتاب رحلة ثرية بالتشويق والتوتر والخشية من النهاية التي عكست كل التوقعات التي حرص مؤلف الكتاب على إثارتها، عمدًا لربما، وهو الأمر الذي يكتشفه القارئ نهاية الكتاب، أو لعل رحلة كل قارئ لهذا الكتاب هي نفسها رحلة مؤلف الكتاب أثناء العمل.

يذكر الكاتب بكل شفافية منذ السطور الأولى في عمله أن كتابه كان متجهًا جهة أخرى بعيدة نوعًا ما: (لم يكن في نيتي أن أكتبه، كانت الخطة أن يكون كتابًا عن اللغة البشرية) ص٩، ومن المستغرب أن يخطط المرء لكتابة كتاب فيجد نفسه يكتب كتابًا آخر، هذا في الحالة النظرية، لكن في الواقع التطبيقي للحقائق طرقها السرية الخاصة التي تنتصر، ولعل هذا ما يبرر ظاهرة بدت لي بارزة في نص الكتاب وهي أنه يكرر تعريف نفسه: “هذا الكتاب يحاول وضع إطار عام لتعريف الإنسان، ينطلق منه كل من يريد أن يدرس الظواهر البشرية، هذا الكتاب يحاول باختصار رسم صورة الشجرة، من أجل أن تبدو البذور واضحة ومفهومة” ص٩، هذا هو الرهان الذي يضعه كتاب لغة الخلق للقارئ، أنه في نهاية الرحلة القرائية سيتمكن من فهم وإدراك البذور (الحية).

لكن كما أسلفت يعاود النص تذكيرنا بغاياته، فما تكاد تمر صفحة على قوله السابق حتى نجده يؤكده بطريقة أخرى: “في هذا الكتاب ستتكشف لك مقدمات صنع الإنسان.” ص١١، ثم مرة أخرى في الصفحة التالية: “في نهاية الكتاب ستصبح ظاهرة الحياة جلية المعالم.” ص١٢، ثم يستعرض الأسئلة التي سيحاول الإجابة عليها، لكنه ما يكاد ينطلق حتى يثير الشكوك في نفسه وفي نفس القارئ بقوله: “إن كتابًا صغيرًا يدعي إجابة جميع هذه الأسئلة يثير الشك، لكن إن لم تجد الإجابات المباشرة فيه فمن المؤكد أنه سيوفر لك المبادئ العامة التي توصلك إلى الإجابة.” ص١٢، فإن افترضنا أن كل ذلك طبيعي في مقدمة الكتاب، بل ومن واجب مقدمة أي كتاب أن توضح غايات الكتاب، فإن الغريب أن تظل غاية الكتاب تشغل النص طويلًا أبعد من المقدمة: “المحصلة في النهاية هي إعادة تعريف الإنسان، وسنقترب أكثر من ذواتنا، لننتفع بذلك في فهم الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية وتدبير شؤوننا وفق الطرق الأكثر نجاعة.” ص٧٩، ومرة أخرى ص٢٣٥: “غايتنا تعريف الإنسان على نحو إحيائى.”، ثم يكرر قوله ص٢٨٥: “هذا الكتاب لا ينوي سرد التفاصيل بقدر ما يهدف إلى وضع القدم على الطريق.”، ومجددًا ص٢٩١: “هذا الكتاب رحلة مختصرة أيما اختصار حول الإنسان في ارتباطه بالكائنات الحية عمومًا والحيوان خصوصًا.”

هل كان الكتاب الآخر، كتاب الخطة، كتاب اللغة، ملحًّا إلى درجة أن هذا الكتاب يعيد التعريف بنفسه وغايته كي يستطيع تمييز نفسه عن الكتاب الآخر؟ خاصة أن شبح ذلك الكتاب يسكن حتى في عنوان هذا الكتاب (لغة الخلق)، أم نحن أمام نص يقرأ نفسه بنفسه، كتاب يمارس فعل القراءة الذاتية؟

إذا اكتفينا بتلك القراءة فإن في كل تلك التعريفات التي أوردها الكتاب لنفسه قراءة كافية وافية فعلًا بما هو كتاب لغة الخلق، وهو هذا الكتاب الذي يحاول عبر رحلة علمية وجمالية تنطلق من هيكل الحوت بمتحف التاريخ الطبيعي في الخوير تقديم تصور متكامل عن تكوين جسد الإنسان، وإذا كانت خطة الكتاب الذي لم يظهر، وربما يكون التالي لمؤلفه، هو البحث في اللغة البشرية، فإنه في هذا الكتاب تناول لغة الخلق فعلًا، اللغة الجسدية، لغة المفاصل والعظام والخلايا والجينات الوراثية، وإن ألزم نفسه في بعض الفصول بما لا يلزم خاصة الفصل الثاني حين استطرد في تتبع تاريخ الفلك، لكنه استطاع ببراعة تقريب موضوع الكتاب إلى قارئه، وبشكل ما غير بعيد عن خطته في تبيان لغة الخلق أو ما يسميها الكتاب: “لغة الحياة على الأرض” ص٢٩١، بأساليب جميلة ومبسطة خاصة حين يشرح الخلية ص١٤٨، في رحلة أقل ما يقال فيها أنها ممتعة، خاصة حين تساقطت فروض الانتفاخ العلمي والزهو الأكاديمي البالية لصالح حقيقة علمية أثبتتها آخر البحوث وأدركها الإنسان القديم بحدسه وقصصه، أو بلغة الكتاب: “إنها لمفارقة كبيرة أن يصل العلم إلى نتيجة يعارض بها تلك الفلسفات العقلية التي ترفع الإنسان جاعلة الحيوان مجرد آلة متحركة وإن تشابهت الأسس والأهداف ويوافق ما وصلت إليه أنماط التفكير الأرواحي لدى الأناس الأول” ص٢٩٢.

لا شك أن كتاب لغة الخلق جهد كبير مشكور لكاتبه تميز بلغة سهلة وأسلوب شبه قصصي وتشويقي وشروحات تفصيلية مبسطة، ورسومات مخصصة أنجزها المهندس عبدالملك المسكري لإيضاح بعض المفاهيم العلمية الغامضة، مع اعتماده آخر المراجع المتخصصة في الأحياء، ويشكل إضافة حقيقية للمكتبة العربية على ندرة كتب الأحياء والكتب العلمية المعاصرة عمومًا في مكتبتنا العربية، فكيف بكتاب كتب بالعربية بلغة معاصرة لعموم القارئ العربي، يذكرنا أسلوبه بأسلوب الكتب العالمية لتقريب المادة العلمية المعقدة في الفيزياء والفلك والكيمياء والأحياء للقارئ العام، لذلك هو كتاب جدير بكل حفاوة وتقدير من عموم قراء العربية

0 525 23 ديسمبر, 2019 الثاني عشر بعد المئة, ثقافة وفكر ديسمبر 23, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.