نبذة عن التصوف العماني

لـ

شُغِل المسلمون بالتصوف دهراً، ولا يزالون مشغولين به، وما ذلك إلا لأنه يغذي الوجدان الإنساني ويشبع حاجة النفس، وبمقدار بُعده التاريخي وانتشاره الواسع وتأثيره العميق؛ اختلفوا فيه كثيراً، حتى لكأنهم لم يتفقوا حول شيء من عناصره، وهو بذلك يحكي طبيعة النفس الإنسانية القائمة على التعدد والتنوع. ومع ذلك أضع هنا مقاربة مختصرة لمفهوم التصوف، التي أراها أجمع لما قيل فيه، وأقرب لطبيعته وغايته.

التصوف.. ليس حكراً على الفكر الإسلامي، بل هو حالة إنسانية عامة، نابعة من نفخة الروح الإلهية التي تلبّس بها الخَلْق الأول للإنسان، فجعلته موصولاً بالله، يقرّ بوجوده، فيناجيه في صلوات وخلواته، ويشعر بتجلياته وألطافه، فالتصوف هو الدين الذي لا تطلع عليه إلا النفس وحدها، ولا يمكن التعبير عنه بألفاظ اللغة وتراكيبها، ولذلك وصف التصوف بالغموض، وما هو بالغموض وإنما هو التواصل الحر بين المخلوق وخالقه. ولذلك فعموم البشر لهم تصوفهم، وإنما يختلف تجلي تصوف كل إنسان بحسب الوضع الاجتماعي الذي يعيشه، أو الدين الظاهر الذي يتعبد به، وتختلف كثيراً الطرق؛ لكن تبقى الحقيقة واحدة.

فالتصوف إذاً.. هو التواصل والاتصال بين الإنسان وخالقه عبر تلك الروح التي نفخها فيه، وهو ينقسم إلى قسمين أساسيين:

– السلوك.. وهو المجاهدة التي يقوم بها الإنسان لأجل الوصول إلى الله، وذلك بالتخلي عن كدورات الدنيا والزهد في متعها، والتحلي بالأخلاق الفاضلة كالصدق والصبر، وهي ما عرفت بالمقامات كالتوبة والورع والزهد والفقر والصبر والتوكل والرضا، وهي الطريق عند المتصوفة.

– العرفان.. وهو الحالة التي يتصل فيها الإنسان بالله، وما يظهر له من الكشف والإلهام والتجلي والعلم اللدني والرؤى المنامية والجذب والعشق الإلهي، وهذه تسمى الأحوال، وعبرها تنكشف له الحقيقة، فإن كان لله وحي عبر ظاهر الشريعة من خلال أنبيائه، فهو له أيضاً تجلٍ وإلهام عبر الحقيقة، والصوفي لا يتم له وصوله إلى الله حتى يجمع بين ظاهر الشريعة وباطن الحقيقة.

وقد اشتغل العمانيون بالتصوف بمختلف مذاهبهم، إلا أن ما دوّن من أدبياته هو من خلال المدرسة الإباضية، وقد اختلف فقهاء هذه المدرسة في التصوف؛ ما بين رافض له ومتقبل، ومع أن دراسة التصوف العماني ما تزال بكراً إلا أنه يمكن الوقوف على مساره عبر المحطات الآتية:

– الإشارات الأولى التي جاءت عن جابر بن زيد الأزدي (ت: 93هـ/712م)، وهي الفترة البكر التي تولّد عنها التصوف من خلال أحد رموزه وهو الحسن البصري (ت:110هـ/728م) صديق جابر بن زيد.

– أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي (حي:361هـ/972م)، واشتغل بتحرير مفهوم الإلهام، أحد أهم عناصر العرفان، وهو ما أعطى التصوف العماني خصائصه.

– محمد بن أحمد الشجبي (ق:5هـ/11م) من خلال كتابه «مراهم القلوب في مناجاة المحبوب»، الذي اقترب فيه كثيراً من التصوف العام لدى المسلمين.

– المدرسة البونبهانية؛ وتنسب لأبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي (ت:1237هـ/1822م)، وقد اهتمت هذه المدرسة عبر فقهائها وأدبائها بأدبيات التصوف كثيراً، فألّفوا الكتب وقالوا القصائد الطوال فيه، حتى تصور الكثيرون أنه لم يوجد التصوف في عمان إلا لدى علماء هذه المدرسة. ومن أشهر علمائها: جاعد بن خميس الخروصي؛ وله «قصيدة حياة المهج» وشرحها، وابنه ناصر (ت:1263هـ/1847م)، وهو الذي شرح التصوف، وأهم كتبه في ذلك «إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك»، وسعيد بن خلفان الخليلي (ت:1287هـ/1870م)، وله قصائد في التصوف ضمن ديوانه، وأبو مسلم ناصر بن سالم الرواحي (ت:1339هـ/1921م)، وهو أحد الشعراء العرب الكبار، ومعظم ديوانه في التصوف؛ سلوكاً وعرفاناً.

وأما أهم خصائص التصوف العماني التي أسس لها أبو سعيد الكدمي، وسار عليها عموم التصوف الإباضي؛ فهي:

1. ألّا يخالف القرآن، وذلك لأن الوحي النبوي والإلهام الصوفي كلاهما من الله، والله لا يتناقض في قوله وفعله.

2. ألّا يخالف مقتضيات العقل، بل الإلهام يقع فيه، والقلب ذاته ينبغي أن يتقيّد بمنطقه، بعكس عموم التصوف الذي يؤكد على أنه تجربة قلبية لا دخل للعقل فيها.

3. ألّا يأخذ شكل الطرقية، وإنما يظل تجربة فردية، ولذلك لا تجد فيه السماع والرقص ودروشة حلقات الذكر، ولا تجد فيه التراتبية في سلّم التصوف المعهود، من التلميذ المريد حتى الشيخ الولي.

1 1126 29 ديسمبر, 2019 الثاني عشر بعد المئة, ثقافة وفكر ديسمبر 29, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.