أدب الثالث بعد المئة العدد الأخير

راوية مارتن فالزر الأخيرة.. كلما اتسعت الرؤيا ضاقت الرواية

مارتن فالز ( اثنان وتسعون سنة) هو آخر جيل الكِبار  في الأدب الألماني، وآخر أعضاء مجموعة (47)الأدبية الباقين على قيد الحياة، بعد رحيل أديب نوبل جونتر جراس سنة 2015.  وُلد فالز في 24 مارس سنة 1927، أي في العام الذي ولد فيه زميله جونتر  جراس . حصل فالزر عام 1946 على شهادة إتمام المرحلة الثانوية. ثم انقطع عن دراسته بسبب الحرب ووقوعه في الأسر.

 وفي الفترة من 1949 حتى 1957 عمل فالزر مراسلًا صحفيًا في إذاعة جنوب ألمانيا وسافر  إلى العديد من البلدان، وكتب مسرحيات إذاعية. انتمى فالزر في البداية إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، لكنه سرعان ما انفصل عنه. في سنة 1998 أثار فالزر عاصفة نقدية حينما وجّه نقدًا لاذعًا لاستخدام ما يُسمى بالهولوكوست كفزّاعة أخلاقية لاستنزاف الشعب الألماني وتخويفه. لم تحظَ أعمال فالزر في العالم العربي بالاستقبال المناسب. إذ لم تتُرجم له سوى روايتين. الأولى بعنوان جواد نافر بترجمة علي أحمد محمود، والثانية رواية رجل عاشق، نقلها إلى العربية المترجم المصري الكبير سمير جريس. 

في السنوات الأخيرة يكتب فالزر رواية كل سنة تقريبًا، وكأنها تلويحة في الهواء بعكّـاز الكتابة لـدفع أشباح الموت والملل والشيخوخة. تقول الصحف الألمانية إنّ فالزر صار  أنشط وأشدّ تحمسًا للكتابة بعد سنة 2004، وتحديدًا بعد ترك دار  زوركامب، ونشر أعماله لدى دار روفولت، إذ أصدر  منذ 2004 نحو  أربعة عشر  كتابًا. 

في حوارٍ  جديد نشره موقع Schwäbische بتاريخ 26 نوفمبر  الماضي قال فالزر:” الكتابة هي الشيء الوحيد الذي أفعله من تلقاء نفسي دون أن أضطّر  إلى فعله”. 

رواية فالزر السابقة بعنوان “وردية متأخرة” صدرت في يناير 2018، وهي رواية قصيرة أقرب إلى قصيدة نثر مُطوّلة تطغى عليها رغبة حادةٌ في السرد الموجز، مزيج من الشعر والنثر والذكريات الشخصية التي لا تخلو من هذيانات الشيوخ ونفحات إيروتيكية طيّارة لكهلٍ طاعن في السنّ يرقد في أحد المستشفيات ويُفضي باعترافات الماضي البعيد إلى ممرضة، على نحو يذكرنا، بشكلٍ أو بآخر، بأعمال ياسوناري كاواباتا، وتحديدًا روايتيّ حزن وجمال والجميلات النائمات.  قبلها بعام أصدر  رواية بعنوان “كل شيء أو رسائل إلى حبيبة مجهولة”، وهي رواية قصيرة أيضًا لا تتجاوز مئة صفحة، ومسكونة بالهواجس نفسها: دنوّ  الموت، كشف حساب مع الذات، المرأة الضائعة المجهولة. 

***

تحمل رواية فالزر الأخيرة – الصادرة قبل أسابيع قليلة – عنوان “حياة فتاة – إعلان القداسة، مُذيَّلة بتوصيف للجنس الأدبي الذي تنتمي إليه الرواية: أسطورة.

تدور أحداث الرواية القصيرة (تسعون صفحة) حول فتاة في الرابعة عشرة، اسمها زيرته تسورن تختفي فجأة، يشعر السارد أنهم، دون أن يذكر مَـن هم تحديدًا، يشتبهون بضلوعه في اختفائها. وهي البداية التي نلمس فيها بوضوح رائحة: “لا بد أن أحدهم قد افـترى على يوزيف كا”، أقصد رواية “القضية” لفرانتس كافكا، ورغبة بطلها السيد “كـا” في إعداد مذكرة الدفاع عن نفسه في قضية عُمره، وتزعق هذه الرائحة في أنوفنا إذا علمنا أنّ مارتن فالز  قد أنجز  رسالة الدكتوراه سنة 1951 في جامعة توبنجين حول الشكل الأدبي في أعمال فرانتس كافكا.  

إذن، هناك شبهة تحوم حول السارد، مدّرس اللغة الألمانية أنطون شفايجر بضلوعه في اختفاء الفتاة زيرته تسورن، وهناك أيضًا تقرير  ينبغي كتابته. 

في البداية تجدر  الإشارة إلى أن شخصية زيرته قد ظهرت بالفعل في أحد أعمال فالزر المبكّرة، وتحديدًا  في يوميات قد كتبها سنة 1961، لكنها ظهرت آنذاك بوصفها ضيف شرفٍ ذا حضور باهت، ويبدو  أنّ عود الشخصية الروائية قد طاب واستوى وعاد ليظهر  ظهورًا متوهجًا في هذه الرواية كما سنرى. 

يستهلّ فالزر روايته بالعبارة الآتية:

اختفت فتاة. أشعر أنني محل اتهام، لذلك اختفيتُ أيضاً، وها أنا ذا الآن أدوّن ما أعرفه لمجرد إثبات أنني غير ضالع في اختفائها. على الأقل لستُ مذنبًا مثلي مثل الآخرين. […]. لم لا معنى لحياتي إن لم أرها من جديد، وإن لم أعثر عليها. إن لم يكن لها مكان في هذه الدنيا، فلا مكان لوجودي في الدنيا أيضًا”.

يختفي الراوي أنطون شفايجر (تعني مفردة شفايجر في الألمانية الصامت) ليكتب عن الفتاة تقريرًا بغية إبراء ساحته (أمام مَن)؟ يـجمَعُ السارد أخبارًا كثيرة حول الفتاة المختفية، مما يعزّز الشكوك حوله، ويُلقَى القبض عليه ليودع في الحبس الاحتياطي. يكلّفون محاميًا للدفاع عنه. يحضر  المحامي ومعه “شيكولاتة” للسارد المحبوس، لكنه يلتهم الشيكولاتة التي جلبها لموكّله (ربما كما التهم المحقّقان الغامضان فطور السيد يوزيف كا في بداية رواية القضية). 

لكن الفتاة “زيرتِه تسورن” ما تلبث أن تظهر مرة أخرى لتزور  السارد. نعرف في الفصول التالية أن السيد شفايجر يستأجر حجرة لدى أسرة الفتاة (فرانتس كافكا يرسل مجددًا تحياته من حجرة “يوزيف كا” المستأجرة لدى السيدة جروباخ)، وتعطيه من وقتٍ إلى آخر قصاصات من دفتر  يومياتها. 

تختفي الفتاة مرتين ثم تعود، “والثالثة ثابتة” كما تقول الحكايات الخرافية. ففي المرة الثالثة يتحقّق الاختفاء (الصعود؟) الحقيقي؛ مما يدفع بالأب إلى اعتزامه إعلان ابنته زيرته قديسةً وفقًا للتقاليد الكنسية. لكن عملية إعلان القداسة عملية ذات إجراءات معقدة، إذ تطلب الكنيسة للاستمرار  فى الإجراءات إثبات معجزة واحدة على الأقل حدثت بشفاعة المُرشح للتطويب (إعلان القداسة)، ويتم التحقق من المعجزات على ثلاثة مستويات مختلفة، فيعقد في البداية اجتماع للجنة الخبراء. المهمّ في المعجزة هو أن تتضمّن وقائع حدثت، ولا يوجد لها أي تفسير عقليّ أو علميّ، وهو ما يحدث في رواية فالزر.

***

وِفق قراءتي يسكن جمال الرواية كلّها في يوميات زيرتِه تسورن، وكأن السارد/المؤلف يرفع شعار  جوستاف فلوبير :”مدام بوفاري هي أنا“، بمعنى أنّ فالزر حاول إسقاط رؤاه الفكرية حول الله والموت والحياة والقَدر  والألم على لسان زيرته، الفتاة القديسة. بالطبع ثمّة إسقاط، ولا يُخفي المؤلف ذلك، فالمؤلّف يتماهى مع نظرة الفتاة المراهِقة إلى العالم، لأنها تتوق  إلى مطلبٍ سامٍ نبيل يرفضه ذلك العالم، أن تفهم سبب وجودها وغاية حياتها.

تُعبِّـر  الفتاة زيرته عن نفسها من خلال تدوين يومياتها على قصاصات ورق، يُظهِرها السارد أمام أعيننا على مدار الرواية، على نحو يمكن معه بسهولة التعرّف إلى صوت مارتن فالزر صادحًا بين السطور.  

صحيح أنّ زيرته فتاة مثقفة تنكبّ على قراءة “الإخوة كارامازوف” لدوستويفسكي وفقًا لتقرير  السارد عنها، لكنّ هل في وُسع فتاة في الرابعة عشرة أن تُخرج من جعبتها هذه الأفكار؟ ثمّة حروب خفيّة يخوضها فالزر – في اعتقادي-  مفتشًا عن شيء ما وعن معنى ما، عن قضية يحاول إثباتها لنفسه، قضايا لا يُمكن التحقق منها وإثباتها إلا عبر  الفن الروائي.

تعمل الصبيّة  اليافعة جاهدة على فهم العلاقة بين نفسها والعالم، لكن فالزر لا يقدّم ذلك في صورة سردٍ منطقي متماسك له رأس وذيل، فالمشهد الروائي بأكمله يستحم في أطياف الخيال، والأرجح أن هذا هو سبب تصنيف فالزر روايته تحت خانة “أسطورة”. إذ لا تمتُّ الرواية بأي صلة إلى الواقع، لكنها بلا شك تجسيد للواقع الداخلي، وتمثيل لهيكل الحُلم. 

إشارات فالزر مرئية لمن أراد أن يرى. إذ نرى الفتاة زيرته تعيش في كنف والديْها، ويرسم فالزر صورة ساخرة للوالد جوتليب تسورن، ربما بوصفه تمثيلًا للكاتب نفسه في مرحلة مُبكرة. وهو – أي فالزر- لا يمدّنا في الوقت نفسه بأي معلومات عن أصل السارد (أنطون شفايجر) ولا وفصله، بل يُظهره بوصفه مجرد متلقٍ لقصاصات يوميات الفتاة، ومدونٍ لها، مجرّد محرر للتقرير. 

***

على مستوى البنية الروائية يتسم العمل بهيكل يتناغم فيه الشكل مع المضمون، مع أن كليهما وجهان لعملة واحدة. العمل مُكـوّن من فصول قصيرة، لا يتجاوز الفصل الواحد صفحتين على الأكثر. وبتقدّم الفصول يهجر  فالزر السرد الروائي، على اقتضابه، مُبحرًا نحو  ميناء الشِـعــر، أو الشِعر المنثور، إذ تتحول أغلب فصول الرواية، وتحديدًا اعتباراً من الفصل السابع عشر  إلى شذرات شعرية ونثرية وعبارات أشبه بالمخاطبات الإلهية (زيرته تخاطب السماء أو تضرع إليها).

ها نحن نقترب أكثر من رؤيا المؤلف. في هذه العمل ينكشف لنا أنّ رؤيا فالزر إزاء الأدب والكون والحياة صارت أرحب من أن تسعها رواية ضخمة، وكلما اتسعتْ الرؤيا ضاقت العبارة كما يقول العارف الصوفي عبد الجبار النفّري. لم يجد فالزر وقتًا للإطالة وللشرح والتحليل، لم يجد أمامه سوى الشذرات والجُمل القصيرة المكثّفة، الأليق بتقرير  ينبغي إنجازه ورفعه إلى جهة اختصاص عليا للعلم والإحاطة والبتّ بشأنه يومًا ما، تقرير  عن نفسه، وهي غاية الأدب والكتابة. 

لنقرأ الجزء الآتي من يوميات زيرته التي أعطتها للراوي أنطون شفايجر، المبيّنة لوجهة النظر السابقة: 

خصم الله هـو من يعيش بدونـه ولا يتوق إليه

طالما أنني لم أعترف بضعفي، فلستُ ضعيفًا بالفعل

يتحتم على الإنسان أن يجد مَنْ يتحدّث إليه، إلى من يصلّي إليه. الحديث إلى الله أفضل من الحديث إلى البشر.

ليست ثمّة حياة قبل الموت

أصرخُ طالبةً الرحمة، ولا أحد يصغي إليَّ

أكتبُ كي لا يعلو صوتي بالصراخ

الألم هو خزانة أنا محبوسة بداخلها  

يعرج الراقص حين يتوقّف عن الرقص

التصريح بالحب هو أنقى أنواع الحوار مع النفس

الجُمل الشفّافة ليست بليغة على الإطلاق، أفضِّلُ أن أفهم شيئًا مُبهمًا لسبب لا أعرفه

أودّ ألا أضطرّ إلى الكلام. لأن ما أفكّر به لا أستطيع قوله، بينما لا أستطيع قول ما لا أفكّر به. 

أسوء الأشياء قاطبة هو الخوف من الخوف

داخل كل إنسان سُلّم من الكلمات، سُلّم ممتد إلى الأعالي، ممتدٌ إلى ما لا نهاية. 

فقدتُ الحياة ولم أعثر  على الموت

عباراتي هي حبال منصوبةٌ فوق الهاوية

للشوقّ غاية واحدة: هي الله. لم أعد أريد معرفة شيء لا يقودني إلى الله

الحقيقة شيء فردوسيّ

في الفصل الأخير نقرأ: “لا تنشد زيرته معجزة، بل تنشد العثور على معنى لوجودها. قلتُ لها:  عليكِ البحث عن مغزى حياتك بنفسك والعثور عليه بنفسك”. قالتْ: هذا ما أريده، ثمّ ذهبتْ“.

ها نحن نلاحظ توسّل فالزر بلغة شذرية مكثفة إلى حدودها  القصوى، بل بلغ به الحد إلى أن يكتب في ختام الرواية: “لا يكمن جوهر المعجزة في وقوع حدث نادر أو مستحيل، بل يكمن في أن الله- عبر وقوع الحدث نفسه- يتكلم إلى البشر . من شأن اللغة أن تُفضي من تلقاء نفسها إلى خلق كيان شبيه بالله. الأرجح أن الله هو أطهر  كلمة وُجـِدتْ. في الله تعثر اللغة على مأواها. اللغة أسمى كيان لدينا”. وكأنّ فالزر يعود إلى إيمان مسيحيّ عميق، مُعيدًا صوغ عبارة العهد الجديد: “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله”.

بيانات الرواية: Mädchenleben oder Die Heiligsprechung

الناشر: دار روفولت

سنة النشر: 2019

عن الكاتب

Avatar

أحمد الزناتي

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.