الثالث بعد المئة ثقافة وفكر

أنت تحفةٌ فنيةٌ عبر تطبيق للذكاء الاصطناعي

نُشر هذا المقال تحت عنوان: تطبيق الذكاء الاصطناعي هذا يجعلك تبدو كتحفة فنية، بينما يعلمك شيئا حول تحيزه [1]

“إن عدم قدرة الذكاء الاصطناعي على إعادة إنتاج ابتساماتنا تعلمنا درسا ما” يقول مطوروه.

نماذج من اللوحات التي أنتجها الذكاء الاصطناعي

أطلق الباحثون موقعًا على الويب يتيح لك تحميل صورة شخصية ورؤيتها تتحول إلى لوحة كلاسيكية، بفضل الذكاء الاصطناعي. في غضون ثوان، يمكنك أن تصبح موضوع لوحة لفان جوخ أو رامبرانت أو تيتيان. إنه أمر رائع للغاية، وقد حظيتُ بالكثير من المتعة أثناء التجول في الموقع.

كان هذا هو الحال إلى أن تعطل الموقع نتيجة حركة المرور الضارية. انتشر هذا الموقع – الذي ينتج لوحات فنية مستخدما أسلوب الذكاء الاصطناعي المعروف بشبكة المقارنة التوليدية generative adversarial network – انتشارا هائلا. من السهل تخمين السبب، فقدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج الفنون قد أسرت خيال الجمهور بالفعل (حتى إن لوحة أُنتجتها الآلة بيعت بمبلغ 432,500 دولار في المزاد العلني). فما بالك بإنتاج لوحات فنية نحن موضوعها، بالطبع سنقابل ذلك بحماس أكبر. 

ليست قدرة “الذكاء الاصطناعي المنتج للوحات الشخصية (البوتريت)  AI Portraits” على تحويلي إلى سيدة راقية من عصر النهضة (هاي أنا لا أمانع ذلك) – ليست قدرتها على ذلك هي ما أسرتني فحسب، ولكن أيضًا الأساس المنطقي الذي قدمه الباحثون لإنشاء الموقع في المقام الأول. إنهم يريدون منا سبر الطرق التي يزحف بها التحيز البشري إلى الذكاء الاصطناعي – بما في ذلك هذا الذي وضعوه للتو في متناول أيدينا.

استنادا إلى MIT-IBM Watson AI Lab ، استخدم الباحثون 45000 لوحة لتدريب النموذج. شملت مجموعة البيانات هذه لوحات ابتداء بعصر النهضة وحتى الفن المعاصر، لكن تركيزها كان على الأعمال الأوروبية في القرن الخامس عشر.

“هذا النوع من رسم اللوحات يتبع التقاليد الفنية الغربية” يكتب المطورون على موقعهم “إن تدريب نماذجنا على مجموعة بيانات بهذا التحيز القوي يقودنا إلى التفكير في أهمية عدالة الذكاء الاصطناعي.”

يلفت الباحثون انتباهنا إلى حقيقة أنه بالرغم من قدرة أداة الذكاء الاصطناعي على إعادة تشكيل صورنا الشخصية محولة إياها إلى لوحة جميلة، إلا أنه نوع واحد من الجمال. هذه الأداة  – على سبيل المثال –  لا تستخدم أسلوب اللوحات الهندية المنمنمة، لأنها ببساطة لم تتمرن على الأعمال الفنية الهندية. لن يتمخض الذكاء الاصطناعي الذي يتم تمرينه باستخدام الفن الأوروبي، إلا عن لوحات منحازة نحو الأساليب الأوروبية.

نماذج من اللوحات الشخصية الزيتية، الألوان المائية، وأسلوب الرسم بالحبر الذي أنتجته أداة الذكاء الاصطناعي AI Portraits

كل اللوحات المنتجة، لوحات لا تسمح لنا بالابتسام، كما يشرح المطورون:

إننا ندعوك لتجربة الأداة كوسيلة لاستكشاف تحيز النموذج. حاول – على سبيل المثال – الابتسام أو الضحك في الصورة التي تُدخلها. ماذا تلاحظ؟ ألا ينتج النموذج لوحة تفتقد البسمة أو الضحكة؟ نادراً ما يرسم أساتذة الفن وجوها مبتسمة؛ فالبسمة والضحكة كانت تُربط عادةً بنوع فني هزلي، كما أن عرض تعبير بيّنٍ مثل الابتسام يمكن أن يُحرّف الوجه المرسوم. إن عدم قدرة الذكاء الاصطناعي على إعادة إنتاج ابتساماتنا يعلمنا شيئًا ما عن تاريخ الفن. لكنه يوضح أيضًا مبدأ التحيز الرئيسي في الذكاء الاصطناعي “إذا كانت المدخلات منحازة فالمخرجات منحازة”، هذا يعني أن ما ينتجه نظام الذكاء الاصطناعي في الحقيقة منوط بالبيانات التي نغذيه بها. بمعنى آخر، الذكاء الاصطناعي – بطريقة ما – ليس “موضوعيًا”.

هذه حقيقة لم يستوعبها الكثيرون بعد، يعود ذلك – إلى حد بعيد – لكون منتجي ومسوقي أنظمة صناعة القرار الخوارزمية، يقدمونها بوصفها أدوات يمكن أن تساعدنا في اتخاذ خيارات أكثر إنصافا.

مشكلة التحيز الخوازمي

وإذن، فقد أصبحنا مدركين بأن حلم الذكاء الاصطناعي غير المنحاز ليس سوى وهم، فقد رأينا المثال تلو الآخر حول حقيقة أن التحيز الخوازمي يدمر حياة الناس.

فمثلا، توقفت شركة أمازون عن استخدام نظام توظيف تبين أنه يحابي الرجال على النساء عند النظر إلى سيرهم الذاتية. خلص باحثون إلى أن الخوارزمية المستخدمة في المحاكم أكثر تساهلاً تجاه البيض مقارنة بالسود. وجدت دراسة أن خوارزميات الرهن العقاري منحازة ضد المقترضين اللاتينيين والأفارقة. تم تعليق حسابات سائقي أوبر المتحولين جنسيا لأن نظام التعرف على الوجوه الخاص بالشركة سيئ في التعرف على وجوه الأشخاص الذين يمرون بعملية التحول. هذا بالإضافة إلى ثلاثة أنظمة أخرى للتعرف على الوجوه، ثبت أن هامش الخطأ بها عند التعرف على الأشخاص الملونين أعلى مقارنة بالبيض.

والمزيد المزيد من الأمثلة التي ترسم لنا صورة قاتمة عن الوضع. لكن هل يمكننا إصلاحه يا تُرى؟

صناع التكنولوجيا على دراية بأن التحيز البشري يمكن أن يتسرب إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي. بعض الشركات – مثل IBM – أصدرت “عدة لمقاومة التحيز debiasing toolkits” لمعالجة المشكلة. تقوم مثل هذه الأدوات بفحص الأنظمة بحثا عن التحيز، إنها تفحص – على سبيل المثال – البيانات التي يُدرب عليها النظام، ثم تعدلها لإنتاج نظام أكثر إنصافا.

لكن مقاومة التحيز تقنيا والعدالة ليسا الأمر نفسه؛ لأن هذه التقنيات يمكن أن تؤدي – في بعض الحالات – إلى ضرر اجتماعي يفوق المشكلة التي تحاول معالجتها. على سبيل المثال، نظرًا إلى أن تقنية التعرف على الوجوه تُستخدم الآن في أنظمة المراقبة، التي تستهدف بشكل غير متناسب الأشخاص الملونين، قد لا يكون من الجيد تعزيز قدرتها على التعرف على السود.

لهذا السبب أجادل بأننا بحاجة لحماية قانونية جديدة تقينا من الذكاء الاصطناعي المتحيز، ولهذا صُغتُ  وثيقة حقوق خوارزمية بمساعدة عشرة خبراء في الذكاء الاصطناعي. تتضمن مطالبة بالشفافية، والإذن بالقبول، وآليات إصلاح وإشراف مستقل على الأنظمة الخوارزمية التي ثبت عدم إنصافها.

لكن – إن كنا واقعيين – فأمر كهذا قد يستغرق بعض الوقت قبل أن تستوعبه الشركات، ناهيك عن إدراجه بصفته نصًا قانونيًا. في غضون ذلك، أعتقد أن من المهم بالنسبة لنا أن نكون على وعي تام بالمخاطر المقترنة بالذكاء الاصطناعي.

موقع تسلية يحول صورنا الشخصية إلى لوحات رائعة لن يحقق لنا ما نسعى إليه، مع ذلك ولأنه ممتع ومسلٍ يمكنه أن يكون أداة تعليمية فعالة للغاية.


[1] https://www.vox.com/future-perfect/2019/7/25/20708589/ai-portraits-art-bias-classical-painting

عن الكاتب

Avatar

نوف السعيدي

كاتبة عمانية

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.