إيران تنجو من فكي جورج كينان

لـ

 نقلت وكالة فرانس برس في 8 كانون الثاني/يناير الجاري عن وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر أن الضربة الأميركية التي قتلت القيادي بالحرس الثوري الإيراني وقائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني أعادت المصداقية لتحذيرات الولايات المتحدة لطهران لتحجيم نفسها عسكريًا، وأضاف إسبر “أعتقد أننا استعدنا مستوى مِن الردع معهم”، وجاء رأي بعض المعلقين الإسرائيليين أن قرار دونالد ترامب خطوة جريئة أصابت أحد أهم أركان النظام الإيراني وأعادت “زمام المبادرة” إلى الولايات المتحدة.

إن مفهومي “الردع الاستباقي” الأمريكي و”المبادرة العسكرية” الإسرائيلي يرتبطان باستراتيجيات الحرب الباردة خلال حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي شكلت الولايات المتحدة الأمريكية أحد أقطابها إلى أن انتهت الحرب بانهيار القطب الآخر السوفييتي 1991، وهذا ما يجعل العودة لدفاتر الحرب الباردة للتعرف على المنهجية الأمريكية أمرًا يكتسب أهمية متجددة، خصوصًا أن إدارة ترامب لا تنتهج جديدًا عن منهج الاشتباك الأمامي؛ ظنًا منها أن هذا يعزز أرباحها التي فقدت في المنطقة الشرق أوسطية خلال إدارة باراك أوباما. ونضيف أن الأحداث الأخيرة مِن ضربات أمريكية وإسرائيلية على قواعد قوات تابعة لإيران في كُل مِن سوريا والعراق، بالتزامن مع نشوب تظاهرات ذات مطالب اجتماعية مُستحقة في لبنان والعراق؛ حيث طالب المتظاهرون بقطع العلاقات مع طهران، تم اتخاذها مؤشراتٍ على انكماش النفوذ الإيراني في محيطها الإقليمي، وأن هناك فرصة لتطبيق جاد من قِبل الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة “لمبدأ الاحتواء” وهذه أيضًا أحد تكتيكات الحرب الباردة.

نعود بالزمن إلى العام 1947، عندما أرسلت رسالة مشفرة من موسكو إلى العاصمة الأمريكية واشنطن تحت عنوان “المجهول في مجال العلاقات الخارجية”، تشرح هذه الرسالة الموقعة من الشخص  X فكرة تسمى “الاحتواء” تفرق بين الدولة السوفيتية والأيديولوجيا الشيوعية، وأن الأخيرة ميالة للتوسع، ولهذا يجب دفع النظام الشيوعي للوصول إلى مرحلة “لا سلم ولا حرب مفتوحة ومباشرة ضده”، ولكن يتم إنهاكه عبر عقوبات وحصار اقتصادي خانق يؤدي مع مرور الوقت إلى صُنع اضطرابات في مناطق نفوذه وداخل حدوده، وعجز النظام السوفييتي عن امتداد حلفائه بأي مساعدات مالية أو عسكرية، وإنشاء فرق عسكرية وجواسيس تغتال وتتلاعب بقيادات الفكر الشيوعي في أوروبا تحديدًا، ومنع وصولهم إلى كراسي السلطة، وتجلت هذه السياسة في تزوير الانتخابات في إيطاليا إبان نهاية الحرب العالمية الثانية لمنع الشيوعيين من الفوز، وتشير رسالة المدعو X  إلى ضرورة الإسراع في تنفيذ مشروع مارشال لإعادة بناء أوروبا وفق طراز جديد وروح أمريكية.

فمن هو المدعو X ؟ هو الدبلوماسي الأمريكي جورج كينان[1] (1904-2005) الذي يطلق عليه لقب مهندس الحرب الباردة؛ لكونه أول من دعا إلى مفهوم جديد للحرب كما شرحناه أعلاه، وقد عَمِل كينان في موسكو خلال الفترة 1933-1937 ثم 1944-1947 وصار من المقربين لرئيس هاري ترومان (1884- 1972)، ومن وزير الخارجية آنذاك جورج مارشال (1880- 1959) الذي سيصبح وزير الدفاع فيما بعد مع بداية الخمسينيات، ولهذا تمكن كينان مِن إيصال أفكاره إلى رأس السلطة الأمريكية، وتم العمل على تنفيذ هذه الأفكار باعتبارها إرشادية ومنهج عَمل لكل من وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين.

ما علاقة ما سبق بإيران؟ – للإجابة علينا أن ندرك أن إيران كانت وما زلت تشترك حدودها مع روسيا، وكان يحكمها حتى العام 1979 نظام موالٍ وصديق لكل مِن أمريكا والكيان الصهيوني إسرائيل، وبالإطاحة بهذا النظام الموالي الذي كان رأسه شاه إيران محمد رضا بهلوي (1919- 1980) صار هناك تهديد واحتمال أن يتمدد النفوذ الشيوعي ليطل على أحد أهم المعابر البحرية في العالم، وهو مضيق هرمز الذي يصل الخليج الفارسي ببحر العرب بين عمان وإيران، وهو أحد أكبر ممرات العالم، عرضه 10 كيلومترات، تعبره ناقلات النفط والغاز التي يتجاوز وزنها 150 ألف طن بمعدل ناقلة كل 6 دقائق، ويتجاوز حجم البترول الذي يعبره 35% من إجمالي النفط المنقول بحرًا، و20% من تجارة النفط في العالم، وبفقدان نظام الشاه الموالي وضبابية المشهد الثوري الإيراني صارت الولايات المتحدة مُهددة بفقدان واحدة من أهم نقاط احتوائها للخطر الشيوعي.

ومِن هذا المنطلق صار هناك عداء إيراني – أمريكي مستمر منذ 41 عامًا؛ أي منذ حدوث الثورة الإيرانية التي عُرفت فيما بعد بالثورة الإسلامية الإيرانية، مُعلنة قيام الجمهورية الإيرانية الإسلامية، وعلى رأسها مرشد أعلى للثورة هو الإمام الخميني (1902- 1989) ويغذي هذا العداء خلفيات تاريخية قبل سقوط الشاه والثورة تعود للعام 1953 ؛ إذ قام الأمريكيون بمساعدة البريطانيين في الإطاحة بحكومة محمد مصدق (1882- 1967) عبر انقلاب أثر قرار الأخير بتأميم صناعة النفط الإيرانية وإنشاء شركة وطنية للنفط الإيراني، ولهذا كانت أول الإجراءات التي اتخذتها الثورة الإيرانية هي غلق السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز موظفيها خوفًا من أي انقلاب عسكري يطيح بالثورة ويعيد الشاه للحكم كما سبق بعد التخلص من مصدق وحركته الوطنية الدستورية.

وتميزت الدولة الإيرانية في ظل قيادتها الجديدة الإسلامية في تطلعها الدائم لتصدير الثورة الإسلامية في محيطها، ونتج عن هذا الفكر الثوري فكر استراتيجي إيراني صاغ العديد من نظريات التمدد والهيمنة؛ شكلت فيها العقيدة الدينية الشيعية رُكنًا أساسيًا، إذ عمد النظام الإيراني على حشد حلفائه من أبناء الطبقات الشيعية في دول الجوار، وحثهم على تشكيل تكتلات قوى وطبقات نفوذ لمصالحه، وهذا ما يهدد الأنظمة الملكية المُحيطة بإيران، خصوصًا أن الأسر الحاكمة فيها هي أسر ذات عقيدة سُنية، وهناك دول تحكمها أقليات سُنية، وأكثر سكانها من الشيعية كالبحرين، إلى هضم الكثير من حقوق الشيعة في دول مثل السعودية الوهابية السنية المتشددة، وكذلك في لبنان؛ مما ساعد على حركة اضطراب واسعة في السعودية، ونشوء ذراع مُسلح في لبنان وهو “حزب الله” الذي قوى نفوذ الشيعة، ومن خلفه النفوذ الإيراني.

وما سبق دفع الباحث الفرنسي، فرانسوا توال إلى استخدم مفهوم “الجيوبوليتيك الشيعي” حيث أشار إلى أن المذهب الشيعي مفهوم ذو طبيعة جيوبوليتيكية، على اعتبار أن مجالات الشيعة الجغرافية تؤثِّر على علاقات القوة في جميع أنحاء العالم. فعلى سبيل المثال، يتمتع الشيعة في الخليج العربي بأهمية جيوبوليتيكية، وذلك لوقوعهم في جغرافيا الطاقة العالمية، وهو أمر حيوي لبقاء العالم ونموه الاقتصادي، ومن ثم من الضروري أخذ التوزيع الجغرافي للشيعة ومواقعهم، وكذلك نوع معتقداتهم في الاعتبار، ويخلص إلى أن ظاهرة التشيع أصبحت في واقع الأمر محور الكثير من النزاعات الإقليمية والدولية؛ إذ يقيم معظم الشيعة في مراكز جغرافية سياسية حساسة في العالم، مما منحهم القدرة على القيام بأدوار مؤثرة، وذلك باستخدام الخلفية التاريخية الشيعية وتوزيعهم الجغرافي ومراكز قوتهم من وجهة نظر جيوبوليتيكية[2].

وهذه التغيرات شكلت تهديدًا مباشرًا لنفوذ الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وحلفاء الأولى في منطقة الخليج العربي الغنية بالنفط، وخصوصًا تشابه الفكر التوسعي الإيراني الإسلامي مع الفكر التوسعي الشيوعي؛ إذ تشير إحدى النظريات التوسعية الإيرانية التي صاغها محمد جواد لاريجاني تحت عنوان  “دولة أم القرى” في كتابه “مقولات في الاستراتيجية الوطنية الإيرانية” ذلك أن إيران تطمح أن تكون مركز العالم الإسلامي، وتشكل فيه رمز القيادة التي تفرز زعيمًا تكون له السلطة والولاية على الأمة الإسلامية جميعًا، على اعتبار أن الدين يقتضي تشكيل أمة إسلامية واحدة، واختيار حكومة لتمثيل هذه الأمة، وعلى هذا الأساس ليس من مصلحة الأمة الإسلامية أن تبقى متفرقة، لأن الهدف هو الوحدة الإسلامية.

وقد تشكل الهيكل الجيوسياسي للشرق الأوسط منذ 1979، وهي سنة محورية؛ إذ أعلنت قيام إيران الإسلامي الشيعي وسقوط اليسار العربي نتيجة غزو السوفييت لأفغانستان، وبداية الجهاد السني المسلح، لتأتي سنة 2011 لتعيد صياغة البنية الجيوسياسية للشرق؛ حيث انسحبت وانكفأت للداخل القاهرة ودمشق وطرابلس بين أزمات سياسية وحروب أهلية، وقد سقطت بغداد منذ العام 2003؛ لذا لم تبقَ الساحة السياسية في الشرق الأوسط إلا لطهران والرياض؛ ليبرز بسرعة الصراع السني – الشيعي، ويتم استغلاله لحسم الملفات؛ مما ولد حروبًا بالوكالة على الارض السورية واليمنية والعراقية. 

والآن ندفع بسؤال .. فيم تفكر واشنطن؟ – قد كانت الإدارة السابقة لباراك أوباما ومعه مجموعة 5+1تطمح مِن خلال الاتفاق النووي عام 2015 إلى إحداث تغييرات إيجابية في السياسة الإيرانية وضبط أدائها في المنطقة[3] لتمثل ثقلًا جيوسياسيًا يخفف من التوتر في منطقة الشرق الأوسط، وتعديل نظرة الغرب لإيران وقيادتها وأهدافها التوسعية بشكل أكثر برجماتية كونها قادرة على تحمل بعض المسؤوليات الأمنية في مناطق المضايق البحرية ومحاربة الإرهاب بكفاءة عالية بالأراضي العراقية والسورية وخصوصًا تنظيم داعش.

لكن تغيّرت هذه السياسة بشكل واضح خلال الإدارة الحالية بقيادة دونالد ترامب، واختار الأخير منطق الحرب الباردة، وهي الاشتباك غير المباشر عبر الضغط على طهران بكل الوسائل الاقتصادية والضربات العسكرية الخاطفة ومحاولة احتواء تمددها والإبقاء على القوى الإيرانية داخل حدودها، إذ بدأ يشكل الإسلام الشيعي خطرًا، ويأخذ دور المواجهة مع الكيان الصهيوني ومع النفوذ الأمريكي، خصوصًا مع سقوط الإسلام السياسي السُني في المنطقة بعد عام 2013، بعدما أطاحت به مصر وطاردته دول الخليج؛ حيث حظرت مصر والسعودية والإمارات والبحرين نشاط جماعة الإخوان المسلمين السُنية المقربة من واشنطن.

تعاطى ترمب مع الملف الإيراني وحدد اتجاهاته، منذ حملته الانتخابية الأولى؛ إذ أعلن انتقاده للاتفاق النووي، ووصفه بأنه أسوء اتفاق وقعت عليه الولايات المتحدة، وأن رفع العقوبات عن إيران يعني أن أمريكا تساعدها في أعمالها العدائية في منطقة الشرق الأوسط، وقد بدا أن الخطاب السياسي لترمب أقرب إلى خطاب المحافظين الجدد في عهد الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، الذي كان يصنف إيران ضمن محور الشر، ويعدها دولة راعية للإرهاب.

ومع اعتلاء ترامب كرسي الحكم، تقرب أكثر للنظام السعودي، وقد ظهر هذا جليًا خلال قمة الرياض 2017، وتراجع عن الاتفاق النووي، وعمل على توجيه التحذيرات والتصريحات شديدة اللهجة ضد إيران، وفرض عقوبات قاسية للغاية على طهران، أدت إلى خروج الآلاف للاحتجاج على أوضاع المعيشة، كما عجز النظام الإيراني عن مساعدة حلفائه في لبنان وسوريا والعراق، وكاد يفقد شعبيته عن آخرها في الحواضن الشيعية التقليدية له في هذه البلدان. لكن ترامب صار يتحدث عن الحرب وكأنها نُزهة، وأحب أن يعيد تكرار حديثه عن إيران قبل جولة انتخابات رئاسية جديدة؛ بل ويذهب أكثر من هذا، ليؤكد كلامه بفعل وينهي كثرة التهديد التي أفقدت قيمة الحديث الأمريكي، ليقرر مقتل الجنرال قاسم سليماني، الذي يبدو للوهلة الأولى سوء تقدير مِن إيران للقدرة الأمريكية العسكرية والمخابراتية وعدم حساب إيران معدلات الخطر الفعلي في ظل الإدارة الأمريكية الحالية، ولكن بالرغم من هذا الخطأ التكتيكي الإيراني؛ يبدو أن الحظ كان في صف إيران رغم قتل أحد أبرز قادتها.

يتمثل الحظ الإيراني في إنهاء الاحتجاجات في كل الحواضن الشيعية دفعة واحدة؛ بل وأكثر من هذا خروج تظاهرات وجنازات مليونية لتشييع أحد أبرز المتهمين في قمع المتظاهرين في سوريا والعراق وإيران! من يصدق هذا؟ قدّم ترامب هدية للنظام الإيراني، أعادت جمع حلفائه حوله، بل وأكثر من هذا جعل من السهل على طهران أن تستخدم أوراق ضغطها في لبنان والعراق لإنهاء أي مطالب اجتماعية بدعوة أنها مؤامرة أمريكية – إسرائيلية ضد المقاومة وسلاحها الإيراني.

جزء من الرواية المؤامراتية حقيقة، كما أن جزءا من صعوبة المعيشة والاضطهاد والكبت للحريات حقيقة أيضًا؛ ولكن إيران ستوظف الجزء الأول ببراعة؛ بل ستزيد من شعبيتها في الشارع الشيعي والعربي عبر الضربات التي وجهتها لقاعدتي عين الأسد وأربيل الأمريكيتين في العراق، بوصفها المتحدي للغطرسة الأمريكية في المنطقة، والمهددة للكيان الصهيوني.

كما ستوجه أذرعها السياسية في العراق قبل العسكرية للعمل على إخراج القوات الامريكية من الأراضي العراقية التي تقدر بقرابة 5200 جندي أميركي للبلاد. وقد بقي هؤلاء الجنود هناك منذ العام 2014بهدف مساعدة القوّات المسلحة العراقية على قتال تنظيم “داعش”[4]. وستحول البيئة المحيطة بكل السفارات والقواعد الأمريكية في المنطقة إلى بؤر توتر تشكل عبئًا على الدول المضيفة لهذه القواعد والعسكريين، فقد شرعت الإمارات العربية المتحدة بسرعة البرق لنفي أي تحرك عسكري أمريكي من أراضيها نحو إيران، كما نجد صمت القبور من قِبل الحكومة السعودية، وكذلك الكويتية، أو ما أسموه الدعوة “لضبط النفس وخفض التوتر”[5]، وترددت أنباء عن انسحاب القوات الأمريكية ثم تم نفيها؛ مما يعكس تخبطًا داخل الإدارة الأمريكية في توقع رد الفعل الإيراني. 

كسرت الإدارة الأمريكية قواعد كينان في احتواء الخصم، لتجد قواتها الأمريكية مُحاصرة في العراق وسوريا، وحليفها الصهيوني مهدد من قِبل حزب الله في لبنان، مما يعجل من إعادة الانتشار والدفاع الأمريكية؛ ما  سيزيد من أعباء الخزانة الأمريكية أو من الضغط على الحلفاء في الخليج لدفع تلك التكاليف، وهذا الارتباك والفوضى قد يفيد إيران في حالة الاستمرار على حالة التهديد، وعدم استخدام الخيارات العسكرية باعتبارها حلًّا أوليا، بل المراوغة على أكبر قدر من المكاسب، حتى وإن ذهبت إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة لن تكون مُنهكة كما كانت خطة ترامب تهدف في بداية فرضه لعقوبات قصوى، فُرضت حتى على منتجات الدواء.

 وبعدما صار الصف الإيراني موحدًّا خلف جثة الجنرال قاسم سليماني؛ نجد شقًّا في صفوف القادة الأمريكيين والإسرائيليين على السواء؛ فقد صرحت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي في وقت سابق أنها لا تعتقد أن ترامب جعل الولايات المتحدة أكثر أمنا بعد الغارة التي قتلت سليماني، بل وأقرّ أعضاء مجلس النواب الأمريكي قرارًا يهدف إلى الحد من قدرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على شن حرب ضد إيران، كما يواجه ترامب اتهامًا من مجلس النواب الأمريكي بإساءة استغلال سلطاته وعرقلة تحقيقات الكونغرس، ليواجه في المرحلة التالية عملية قد تفضي إلى عزله، إذا توفر دعمٌ كاف في مجلس الشيوخ لذلك. كما اعتبر بعض محللي السياسة في واشنطن وتل أبيب أن مقتل سليماني خطوة متهورة ستكون لها تداعيات سلبية على المنطقة بأسرها.

وسرعان ما صرحت الولايات المتحدة أنها “مستعدة للانخراط بدون شروط سابقة في مفاوضات جادة” مع إيران بعد تبادل هجمات بين البلدين، وبهذا تصبح إيران فائزة بعرض قد تستغله لترفع وتحسن من مستوى معيشة مواطنيها داخليًا، بل وتعيد دعم أذرعها العسكرية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط، ولهذا يرى باتريك كوبيرن مراسل الشؤون الدولية بالإندبندنت، والمتخصص في تحليل الشؤون العراقية والسورية والحروب في الشرق الأوسط: ” لقد حقّق قاسم سليماني لبلاده بموته أكثر ممّا كان قد أنجزه على مدى عقدين من الزمن خلال قيادته لـ “فيلق القدس” وهو ذراع العمليات الخارجية لـ “الحرس الثوري” الإيراني. ومن وجهة نظر الولايات المتّحدة، أدّت عملية اغتياله إلى نتائج عكسية، ما جعل الحكومة في إيران وحلفاءها الإقليميّين في وضعٍ أقوى من ذي قبل.”[6]

ماذا عن الحرب؟ – إن الفارق في ميزان القوى العسكرية والاقتصادية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران محسوم سلفًا للأولى، وبشكل ساحق. ولكن من السذاجة النظر للأمر هكذا بدون الحديث عن تكلفة الحرب، الخسائر المادية والبشرية، والأهم أين تقع ساحة المعركة، وما مقدار القوى المسموح باستخدامها، وهذا ما نجحت إيران على مدى عقود في فرضه على القطب الأعظم في العالم وحلفائه في المنطقة، فأولًا رفعت إيران تكلفة الحرب ضدها إلى حدها الأقصى، إذ صارت الحرب ضد إيران بشكل مباشر تشكل رهانًا خطيرًا وليس خاسرًا، وخلال إدارتي أوباما وترامب تم التراجع عن ضرب إيران أكثر من مَرة بالرغم من ضغط الحلفاء في الخليج وفي تل أبيب، هذا التراجع ليس لقوة إيران؛ ولكن لن تخاطر أمريكا بغرق حاملات طائرتها وطرادتها العملاقة، وتعرض آلاف الجنود للموت دون حتى الوصول إلى شواطئ الإيرانيين؛ فقد توسعت إيران في إنشاء شبكة حلفاء لها وقواعد أمامية وحتى في تكتيك التسليح الذي يسمح لها أن تهاجم وتناور بخفة ودقة عالية للغاية. 

وفي 2014 أعلنت إيران قيامها بتطوير منظومة دفاع جوي جديدة «بافار-373»، ويُقال إنها تقليد لمنظومة الدفاع الروسية الشهيرة «اس 300» وبالفعل تمكنت في إيران في 2019 مِن إسقاط طائرة استطلاع أميركية تعد الأفضل والأحدث في فئتها وطبيعة عملها بصاروخ «صياد – 2» وهو نسخة مكررة ومعدلة من صاروخ «ستاندارد» الأميركي الذي قد سلمته واشنطن للبحرية الإيرانية في زمن الشاه، وعبر هذا تكشف إيران عن ميزة سلاحها الصاروخي الذي يمكنها من ضرب أغلب، إن لم يكن كل الأهداف الحيوية في الخليج دفعة واحدة.[7]

 ومهما كان الهجوم الأمريكي كاسًحا؛ سيبقى في حدود السلاح التقليدي (أي لن يتم التسرع باستخدام الأسلحة النووية) لن يمكنه وقف تدفق الصواريخ الإيرانية من العراق أو مِن اليمن أو من لبنان أو سوريا أو من داخل إيران نفسها، وفي الوقت ذاته لن تتمكن أمريكا من نشر منظومات دفاع جوية في كل بقعة على أراضي حلفائها، وكما يقول المعلق الأميركي غاري بريكر من الأسهل بكثير أن تصنع مسدساً يطلق رصاصة من أن تصنع رصاصة تصيب الرصاصة الأولى وهي في الهواء، وهذا يعيد للذاكرة حرب 2006 عندما لم تتمكن الدفاعات الإسرائيلية من صد تدفق الصواريخ القادم من الضاحية الجنوبية الصغيرة؛ فما بالك لو دارت حرب على اتساع إقليم كامل، مع حساب تطور المنظومة الصاروخية لإيران مِن الفترة 2006 إلى الآن. ولهذا تبقى نظرية الحرب المفتوحة غير واردة ضمن المعطيات الحالية لكلا البلدين أمريكا وإيران.

في الأخير هربت إيران من فكي جورج كينان، وأغلقت ملف الحرب عليها بشكل كبير، وفشلت السياسة الأمريكية بقيادة ترامب في احتواء إيران؛ بل على العكس قد يخسر ترامب حلفاءه في المنطقة بعدما تكبدوا خسائر كبيرة جراء حالة اللاسلم ولا حرب المفروضة؛ فقد تضررت منشآت أرامكو النفطية بالسعودية في بقيق وخريص جراء هجوم عبر صواريخ وطائرات مُسيرة، كما أدت عدة أعمال عدائية استهدفت ناقلات نفط إلى تضرر الملاحة في المضايق البحرية الأهم في العالم. وأن في وقت اغتيال سليماني قد أعلنت السلطة العراقية أنه كان في بغداد لتسلم رسالة رد من الجانب السعودي على مفاوضات تجري بين السعودية وإيران. أي إن الإدارة الأمريكية قد تكون عرقلت عن عمد (أو بدون) أي مفاوضات سلام في منطقة الشرق الأوسط مُتخيلة أن هذا يعزز دورها ومكاسبها المادية نتيجة لعبها دور شرطي المنطقة. 

لذا يبدو أن على الإدارة الأمريكية التوصل إلى قراءات سياسية جديدة؛ إذ يبدو أن سياسات الحرب الباردة قد فقدت صالحيتها؛ بل وصارت تصنع أعداء أشد شراسة بدلًا من التخلص منهم.

المصادر والقراءت الإضافية:

http://www.nlka.net/news/details/756
http://www.nlka.net/news/details/754
http://www.nlka.net/news/details/755
http://www.nlka.net/news/details/1032
http://www.nlka.net/news/details/1029
https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2019/12/191205103235122.html

https://www.alquds.co.uk/جورج-كينان-مهندس-الحرب-الباردة/

https://www.independentarabia.com/node/85266/آراء/مكاسب-سياسية-لإيران-من-أزمة-سليماني-اذا-لم-تبالغ-في-لعب-أوراقها
https://www.bbc.com/arabic/middleeast-51057969
https://www.bbc.com/arabic/middleeast-51046836
https://www.bbc.com/arabic/world-50852199
https://www.palestine-studies.org/ar/resources/special-focus/اغتيال-قاسم-سليماني-إسرائيل-هي-الرابح-الأكبر
https://al-akhbar.com/World/272337
https://al-akhbar.com/Opinion/57990
https://al-akhbar.com/Opinion/38606

[1] https://www.alquds.co.uk/جورج-كينان-مهندس-الحرب-الباردة/

[2] https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2019/12/191205103235122.html

[3] https://rasanah-iiis.org/مركز-الدراسات-و-البحوث/عوامل-القوة-والضعف-في-الاستراتيجية-ال/

[4] https://www.independentarabia.com/node/85266/آراء/مكاسب-سياسية-لإيران-من-أزمة-سليماني-اذا-لم-تبالغ-في-لعب-أوراقها

[5] https://arabicpost.net/تحليلات-شارحة/مواد-شارحة/2020/01/10/التفاوض-مع-إيران/

[6] https://www.independentarabia.com/node/85266/آراء/مكاسب-سياسية-لإيران-من-أزمة-سليماني-اذا-لم-تبالغ-في-لعب-أوراقها

[7] https://al-akhbar.com/World/272337

https://al-akhbar.com/Opinion/57990
https://al-akhbar.com/Opinion/38606
0 936 26 يناير, 2020 الثالث بعد المئة, العدد الأخير, سياسة يناير 26, 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.