أدب الثالث بعد المئة العدد الأخير

آنّي إيرنو .. ورواية امرأة

انقضت ست عشرة سنة منذ أن نشرت آنّي إيرنو في ألمانيا بورتريهًا شخصيًا يحمل عنوان ” امرأة،” وهو كتاب يرسم تفاصيل حياة والدتها المُتوفاة .

 لم يلفتْ العمل أنظار القُرّاء آنذاك. ولكن مع ظهور ترجمة رواية “الأعوام” طبقتْ شهرة آرنو  الآفاق داخل ألمانيا لتقف اليوم في مصاف كِبار  كاتبات فرنسا المعاصرات. وكان من شأن ذلك أن أعُيدتْ ترجمة عمليْن من أعمالها [إلى الألمانية] على يـد المترجمة سونيا فينك ترجمة أفضل، وأدقّ وأشد تكثيفًا. 

لا يُمكن قراءة العمليْن بمعزلٍ عن بعضهما بعضا، إذ يضربُ كلاهما على وتر  واحد؛ فالأول يتناول سيرة حياة الأب، بينما يتناول الثاني سيرة حياة الأم، وفي العمليْن كليهما تحاول الكاتبة جمع شتات كلمات وإشارات وأهواء والديهْا في لُحمة واحدة بهدف سبر  أغوار  وجوديهما قدر الإمكان. 

في ربيع 2019 نُشرت الترجمة الألمانية لرواية إيرنو “المكان”، الصادرة للمرة الأولى سنة 1986 تحت عنوان “الحياة الأفضل”، وبعدها بستة أشهرٍ  صدر كتاب يتناول حياة أمّها، تحت  عنوان: “امرأة”. 

في هذا العمل ترسم آنّي إيرنو، المولودة سنة 1940 صورة لحياة أمّها. وُلدتْ آنّي إيرنو في أسرة رقيقة الحال، لأبٍ يعمل سائقًا وأمٍ تمتهن الخياطة. كان ترتيبها الرابع من بين ستّة أطفال. كان الفقر مدقعًا، وإذا فاض شيء يتحتّم مشاركته بين الجميع.

حينما بلغت الصبيّة آرني سن الرابعة عشرة  تحتّم عليها ترك الدراسة، والالتحاق بالعمل عاملةً في مصنعٍ للحِبال، ولكن الصبيّة اليافعة – آنذاك- آنّي كانت مملوءة بالزهو والفخر لما كانت تراه في نفسها من تحضّر لا تتمتع به فتيات الريف اللواتي كـن ما زلنْ يـجـرين بهمجية وراء الأبقار. 

في عبارات مُركزة واضحة تصف إيرنو  تلك الفتاة، دون الخوض في تحليل أو تقييم، ولا مقاربة آفاق تتجاوز الواقع؛ لدى الفتاة نيّة راسخة في أن تشبّ عن طوق أصولها الاجتماعية، ليصير هدفُها امتلاك متجر بقالة خاصّ، رافضةً بذلك أن تبقى أسيرة العمل في المصنع، فتنجح في بلوغ هدفها بالتعاون مع زوجها الكادح الصموت. لكن امتلاك المتجر لم يكن أسمى أمانيها. ولم يكن أمامها من سبيل إلى تحقيق تلك الغاية إلا العودة إلى المدرسة واستئناف دراستها، مُحاوِلةً تجاوز الصعاب كافة، دون الالتفات إلى توبيخ أمّها.  

تقول إيرنو عن هذه النقطة تحديدًا:” أحاول ألا أتأمل غضب أمّي، ولا حـبّها الجارف ولا كلماتها الموبَّخة كخصالٍ مميزة لطبعها الشخصي، بل لأموضع تلك الخصال داخل سياق قصة حياتها ووضعها الاجتماعي”. 

يلمس الاقتباس السابق جانبًا مهمًا من موقف أنّي إيرنو من الكتابة، إذ يفسر  أسلوبها المتقشف الرصين الذي وقفت من خلاله على مسافة من قصتها. تبدو  الحكاية ظاهريًا حكاية آنّي ووالدتها، إلا أن حكاية الأم والابنة ليست في حقيقتها  إلا “مـطــيّـة” للعبور، متجاوزةً السياق الشخصي نحو قلب التركيبة الاجتماعية، أي ملاحظة الفروق الطبقية والحدود الشائكة الناجمة عنها (إذ لم تكن تعلم مثلًا ما الذي يقصدونه بارتداء “ملابس سهرة  لائقة” عند توجيه دعوة إليها، ولا ما المقصود بغسل الأيدي قبل ملامسة الكتب). 

تعاود إيرنو  أثناء عملية الكتابة تأمّـل كـتابتـها تأملًا  ممتعًا لا يبعث على الملل، وهو مـا أنتج كتابة شعرية خالصة. فمن أجل إعادة تمثيل حـياةٍ فقيرة اقتصرتْ على “ما هو ضروري فقط”، لم يكن أمامها سوى نـبـذ جماليات الفن بوصفها وسيلة لتمثيل تلك الحياة القاسية، فنأتْ بنفسها تمامًا عن كتابة نـثـر شائق يمسّ شغاف القلوب، مُكتفيةً بالوصف، وكانت فكرة “الاكتفاء بمجرد الوصف” مرادفة لكلمة “كتابة الهراء” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لأنه وصف لا يكشف عن واقع يصوّر لنا مشاركة الساردة فيما حدث، فقصرتْ همّها على صنع تأثير  أدبي [فنيّ] فقط، استطاع – عبر  تقشّفه الأسلوبي – تصوير  قسوة حالة العَوز والحاجة، بل ومضاعفة تصويره من خلال هذا الأسلوب: أي عبر التقشّف في استخدام الكلمات، أو في تعذّر الإمساك بالمفردات المناسبة، أو الفشل في نطقها نطقًا صحيحًا، وكذا في اختيار  الملابس غير الملائمة، أو في الخطأ عند قراءة بعض الكلمات، أو في البيئة الاجتماعية غير  الملائمة. 

تقول إيرنو  عن الأم: “بين الحين والآخر، وفي أثناء كلامها كانت تفلتُ من الأم ألفاظ غريبة عن محيطها [الاجتماعي]، ربما كانت قد قرأتها في موضع ما، أو سمعتها في بيئة اجتماعية أرقى. تتردّد الأم وتـحـمـرّ  خجلًا خشية استعمال تلك الألفاظ في غير موضعها. وكنت أسمع ضحكات أبي الذي كان يسخر من ألفاظها “المتورّمة”. 

وهكذا، كانت الطريقة التي تستخدمها الأم في اختيار  ألفاظها وسيلة جوهرية عمدتْ إليها إيرنو  لتصوير  العقلية البرجوازية الصغيرة  لأمّها. 

بعد الانتهاء من قراءة هذا العمل الذكي، مُحكم البناء، يبني القارئ تصورًا حول طبيعة مَنْ تصفهم إيرنو والمحيط الاجتماعي محل الوصف، وبغضّ النظر عن كونها قارئة ذات ذوق رفيع، نلمح اهتمامها بتعرّف الأشياء التي يراها المرء طوال يوم عاديةً [مبتذلة]. 

صحيح أن إيرنو أعربت عن تفهّمها العام لموقف جماعة السترات الصفراء، ذلك الموقف العنصري، المعادي للسامية في بعض الأحيان، لكن موقفها السياسي لا يغير  من حقيقة أنّ عمليْها “امرأة” و”المكان” مصوغان صياغة عبقرية، كما أنه لا يغيّر  من حقيقة أن الفروق الاجتماعية الطبقية ما تزال تشغل دورًا محوريًا في عالم اليوم. 

———————————————————————————————————————–

  • نُشر المقال باللغة الألمانية على موقع Zeit Online بتاريخ 11 ديسمبر 2019 

عن الكاتب

Avatar

أحمد الزناتي

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.