الثالث بعد المئة العدد الأخير سياسة

كيف تتغير الأحلام في ظل السلطوية؟!

عندما اعتلى النازيون سدة الحكم، شرعت الكاتبة شارلوت بيرات في توثيق الأحلام.. إلى ماذا توصلت؟

تكشف الأحلام التي كانت تراود الألمان أثناء وجود النازيين في السلطة عن الآثار التي سببها النظام على اللاوعي الجمعي

بعد فترة قصيرة من وصول هتلر إلى السلطة، عام ١٩٣٣، راودت سلسلة من الأحلام الغريبة امرأة في الثلاثين من العمر في برلين. في إحدى هذه الأحلام، جُرِّدَ الحيّ الذي تقطن فيه هذه المرأة من لافتاته المعهودة، واستُبدلَ بلوحات تضمُ عشرين كلمةً محظورة. الكلمة الأولى منها كانت “السيد” والأخيرة كانت “أنا”. وفي حلم آخر، وجدت المرأة نفسها محاطة بمجموعة من العمال: بائع حليب وبائع غاز وموزع جرائد وسباك. شعرت في بادئ الأمر بالهدوء، حتى وقعت عيناها على كانس مدخنة وسط العمال. (في عائلتها، كانت الكلمة الألمانية ” كانس المدخنة” ترمز الى- سرب الحماية التابعة للحزب النازي- أو وحدات اس اس، إشارة إلى الملابس السوداء الخاصة بالنظام). لوّح الرجال بفواتيرهم وأدوا تحية نازية. بعدها هتفوا: “أنتِ مذنبةٌ بلا أدنى شك”.

جُمِع هذان الحلمان، ضمن حوالي خمسة وسبعين حلماً في “الرايخ الثالث للأحلام” للكاتبة شارلوت بيرات، وهو كتاب آسر يتسم بالغرابة. إنّ كتاب “الرايخ الثالث للأحلام” ليس دراسة علمية ولا نص تحليل نفسي؛ بل هو مذكرات يومية جماعية، وشهادة حية اُنتزِعَت من ظلال أمة وسُلِطَ ضوء كاشف عليها. صدر الكتاب في ألمانيا عام ١٩٦٦. وبعد عامين، نُشرَ باللغة الإنجليزية للمترجم أدريان جوتوالد، لكنه نفد منذ ذلك الحين. (على الرغم من اهتمام الناشرين المتصاعد، لم يتمكن أحد من العثور على وريث بيرات، صاحب الحقوق). لكن الكتاب جدير بالاهتمام، لا لأننا نرى اليوم أصداء الشعبوية والعنصرية والنزعة إلى المراقبة، التي كانت طابع عصر بيرات فحسب؛ ولكن لأنه لا يوجد له مثيل في أدب محرقة الهولوكوست.

تقول بيرات: “هذه الأحلام- هذه المذكرات الليلية- صُوِّرت بشكل مستقل عن إرادة مؤلفيها الواعية”. إذا صح التعبير: “كانت الديكتاتورية هي من تُملي عليهم ذلك”. كانت بيرات صحفيةً يهودية، ووُلِدت باسم شارلوت آرون في مدينة فورست بالقرب من الحدود الألمانية البولندية. كانت تُقيم في برلين عندما أصبح هتلر مستشارا عام 1933. وفي ذلك العام، مُنعت من نشر أعمالها واعتُقِلت هي وزوجها هاينز بول خلال الاعتقالات الجماعية للشيوعيين التي تلت صدور مرسوم حريق الرايخستاج. بعد إطلاق سراحها، بدأت في توثيق أحلام رفقائها الألمان سراً. استمرت بيرات ولمدة ست سنوات في أخذ الملاحظات، في الوقت الذي كان اليهود الألمان قد فقدوا منازلهم ووظائفهم وحقوقهم. استطاعت بحلول سنة ١٩٣٩ أن تجمع ثلاثمائة حلم. كان المشروع محفوفًا بالمخاطر لا سيّما أنها كانت تحت أنظار النظام. 

سرعان ما فرّ زوجها بول إلى براغ، الذي عمل سابقا في- فوسيشه تسايتونج– الصحيفة الليبرالية الابرز في ألمانيا. وانتقلت بيرات في نهاية المطاف مع الكاتب والمحامي مارتن بيرات الذي سيصبح فيما بعد زوجها المستقبلي. عاش الزوجان في شارلوتنبورغ وهي ضاحية غالبيتها من اليهود في برلين، التي كانت موطنًا لشخصيات مثل والتر بنجامين وشارلوت سالومون. وقد عكست الأحلام التي جمعتها بيرات الوسط الذي تقطنه الطبقة الوسطى العلمانية. 

تضيف بيرات: “لم يكن من السهل الوصول إلى الأتباع الموالين للنظام أو أولئك الذين حازوا على مصالح من النظام”. ثم تضيف: “طَرَحتُ أسئلة على خياط وجار وعمة وبائع حليب وصديق، بشكل عام دون الإفصاح عن هدفي؛ لرغبتي في الحصول على ردود صريحة وأصيلة قدر الإمكان”. وكان من بين أصدقائها طبيب قام بإجراء استطلاع للمرضى “بشكل متوارٍ عن الأنظار” أثناء ممارسته مهنته. 

ولحماية نفسها وأولئك الذين قابلتهم، خبأت بيرات نصوصها داخل أغلفة كتب ثم وضعتها على رفوف مكتبتها الخاصة. أخفت بيرات الشخصيات السياسية وراء أقنعة؛ جاعلة من الأحلام عن هتلر وغورينغ وغوبلز، “حكايات عائلية” عن العم هانز والعم غوستاف والعم جيرهارد. ما إن أصبحت عمليات حرق الكتب وتفتيش المنازل ممارسات لسيطرة الدولة، حتى أرسلت بيرات ملاحظاتها إلى أصدقاء خارج البلاد.

في سنة ١٩٣٩، غادرت هي ومارتن ألمانيا ووصلا أخيرا إلى نيويورك كلاجئين. استقرَّا في ويست آند أفنيو، وأصبحت شقتهم مكانًا لتجمع رفقائها المهجرين، مثل الكاتبة حنا أرندت (التي ترجمت بيرات لها خمس مقالات سياسية)، وهاينريش بلوشر، والرسام كارل هايدنريتش. وبعد استعادة نصوصها سنة ١٩٦٦، نشرت بيرات مجموعة الأحلام في ألمانيا تحت عنوان “الرايخ الثالث للأحلام”.

يضم كتاب “الرايخ الثالث للأحلام” بين دفتيه أحد عشر فصلاً، مرتبة حسب الرموز المتكررة وموضوعات الأحلام. أعطت المقدمات التي كتبها أرندت وهيملر وبريشت وكافكا في الكتاب زخما للمواد السريالية التي ستَرِدُ لاحقا. وقد عُنوِنت الفصول بدلالات رمزية – “اللا بطل”، “أولئك الذين يُقدِمون” – وعبارات جينية مثل “لم يعد شيء يمنحني المتعة”.

تعزز هذه العناوين فرضية الكتاب: إن الروابط بين الحياة الواعية والأحلام لا مراء فيها، بل هي قطعية. في كلمة ختامية، يلاحظ عالم النفس برونو بيتيلهايم -المولود في النمسا- العديد من الأحلام التنبؤية لمجموعة الاحلام، التي ” يمكن للحالم، في وقت مبكر من سنة 1933، أن يعيّ في أعماقه ماهيّة النظام”. 

وعلى غرار تاريخ الكاتبة سفيتلانا أليكسيفيتش الذي نقلته على ألسنة مواطني السوفييت ما بعد الحرب، يكشف عمل بيرات آثار الأنظمة السلطوية على اللاوعي الجمعي. في عام ١٩٣٣، رأت امرأة حلما بأن آلة قارئة للدماغ، تدعى "متاهة أسلاك"، تمكنت من رصد المرأة تُقرن هتلر بكلمة "الشيطان". تعرفت بيرات على العديد من الأحلام المتعلقة بالتحكم في الأفكار. بعض هذه الأحلام تنبأت بالعبث البيروقراطي الذي مارسه النازيون لترهيب المواطنين. وفي حلم آخر، تحضر امرأة تبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًا- تعتقد أن أنفها المعقوف سيكون وسما على أنها يهودية- إلى "مكتب التحقق من السلالة الآرية" وهي ليست وكالة حقيقية، لكنها قريبة بشكل كبير من تلك الموجودة في ذلك الوقت. في مجموعة من "القصص الخيالية البيروقراطية" التي تجسد الدعاية الحقيقية للنظام، يحلم رجل بلافتات وملصقات وأصوات ساحة ثكنات معلنة عن "لائحة تحظر توجهات بقايا البرجوازية ". وفي سنة ١٩٣٦، تحلم امرأة بطريق ثلجي تتناثر فيه ساعات ومجوهرات. وبعد أن شعرت بالإغراء لأخذ قطعة، أحست بوجود كمين نَصَبهُ "مكتب اختبار نزاهة الغرباء".
 
تكشف هذه الأحلام كيف عاش الألمان اليهود وغير اليهود في صراع بين نقيضين: التعاون والانصياع، وبين الذُهان والاشمئزاز من النفس. وحتى خلال حياتهم الواعية، خبأوا هذه الصراعات عن الآخرين وعن أنفسهم. تتشابك هذه الروايات مع تعليقات بيرات الدقيقة والمجردة، التي تعمقت من خلال تجربتها الخاصة بالنازية والهجرة. وعوضا عن إحالة الأحلام إلى مادة ثانوية ملونة بشكل تقليدي، تجعل بيرات الأحلام تتصدر المشهد، وبهذا تعطي بيرات التفاصيل الخيالية بُعدا أكبر من أي تفسير آخر. يعيد كتاب بيرات إلى الأذهان تلك الصور السريالية ـالكولاج- للفنانة هانا هوتش. التي يتم فيها اقتصاص ورفع وصف مواد ونصوص وصور جنبا إلى جنب من وسائل الإعلام الألمانية منتجة سيناريوهات غير متوقعة توحي بالصدق من فرط غرابتها.
 

في بعض الأحيان، يحاكي كتاب “الرايخ الثالث للأحلام” حنا أرندت، التي رأت أن الحكم الشمولي بوصفه ” تلك اللحظة التي تحكم فيها أصفاد الرعب الحديدية على مفاصل الحياة الاجتماعية الخاصة لأفراده”. يبدو أن بيرات تسلم بهذه الفرضية- واضعة في حسبانها أن الأحلام على صلة بالثقافة التي يقع فيها الحلم – ولكنها أيضًا تعرض الأحلام على أنها عالم التعبير الحر الوحيد الذي يستمر حين تخضع الحياة الشخصية تحت سيطرة الدولة. في ظل مثل هذه الظروف، يمكن للحالم أن يعي خطورة وصف حلمه في اليقظة. تروي بيرات حلما لمالك مصنع، السيد اس، الذي كابد وقاسى لتأدية التحية النازية خلال زيارة لوزير الدعاية السياسية غوبلز، وبعد كفاح مرير لمدة نصف ساعة لرفع ذراعه، ينكسر عموده الفقري. تقول بيرات: يتطلب هذا الحلم تفاصيل أكثر. إنه “واضح بشكل مروع ويكاد يكون مبتذلاً”. في الفترة التي اختُزٍل خلالها الفرد إما إلى طفيلي أو لعضو في مجموعة من الغوغاء مجهولي الهوية (“حلمت أنني لم أعد قادرا على التحدث إلا في جوقة مع مجموعتي”)، قدمت الأحلام فرصة ضئيلة لاستعادة الإحساس بالقوة.

لا توجد في كتاب بيرات أية أحلام ذات محتوى ديني. كما أنه يخلو من أحلام ليهود أوروبا الشرقية الذين عاشوا في أنحاء مدن غناديشتغاسه ووايزنته شتغاسه، وهم اليهود الذين سبق أن نجوا من المذابح. إلا أن غياب هذه الأحلام لم يصرف بيرات عن التفاصيل الحاضرة بقوة، التي أخذت بتلابيب ذاكرتها. تلك التفاصيل التي تعمق فهمنا للحياة خلال سنوات النازية المبكرة – وهي فترة لم تفتأ تلقي بظلالها على الأدبيات في شواهد القتل الجماعي والحرب. لا سيما الرواية الخاصة بدراسة بيرات للعديد من النساء المدنيات – اليهوديات وغير اليهوديات – اللواتي يروين حياتهن (أحلامهن). ها هو غورينج يحاول أن يتحسس فتاة مبيعات في السينما، وهنا هتلر، بملابسه الليلية في جادة كورفورستيندام، يداعب امرأة بيد ويوزع الدعايات بيده الأخرى. تكتب بيرات: ” لا يوجد وصف دقيق لتأثير هتلر في شريحة كبيرة من النساء في ألمانيا”، مشيرة إلى عدد النساء اللاتي صوتن لصالحه، وتلاعب حزبه المدروس لسلطته “الشهوانية” المزعومة. لكن هذه الأحلام تصور أيضًا النساء – اللاتي هُمِشنَ إلى زوجات مطيعات ومربيات أطفال في الدعاية النازية – يبحثن عن سلطة اجتماعية أكبر. في إحدى الحالات، صُنِفَت امرأة فورا بموجب قوانين العرق على أنها ربع يهودية. ومع ذلك، في الحلم، يقودها هتلر أسفل درج كبير. تَقصُ المرأة حلمها لبيرات: “كان هناك حشد من الناس في الأسفل، وكانت هناك فرقة تعزف، وكنت فخورة ومبتهجة”. “لم يكترث الفوهرر بتاتا ان يُشاهَد بجانبي في العلن.”

خُصص الفصل الأخير من “الرايخ الثالث للأحلام” لأولئك الذين قاوموا – في أحلامهم على الأقل- النظام (“حلمت أن اقتراف الحلم كان ممنوعًا، بيد أني فعلتها على أي حال”)، وخصص الفصل الأخير أيضا لليهود. تضيف بيرات: إن أحلاما كهذه “تشكل مجموعة مستقلة، شأنها شأن كون اليهود مجموعة منفصلة في ظل النظام النازي”. كما تركز هذه الأحلام على “الترويع المباشر، لا غير المباشر”. يحلم طبيب يهودي بأنه الطبيب الوحيد في الرايخ الذي يمكنه علاج هتلر. وعندما عرض للتبرع بخدماته، زعق شاب أشقر من حاشية هتلر، “ماذا! أيها اليهودي المحتال – لا تريد مالا؟. لاحقا، يحلم محام يهودي بالسفر عبر لابلاند الجليدية للوصول إلى “آخر بلد على وجه الأرض يُتَسامَحُ فيه مع اليهود ” – لكن مسؤولا جمركيا، “ورديا كخنزير صغير”، يرمي جواز سفر الرجل على الجليد. هناك في الأفق، في مكان لا يمكن الوصول إليه، تتلألأ الأرض الموعودة “خضراء في الشمس”. إنه العام ١٩٣٥ وبعد ست سنوات، ستكون عمليات الترحيل الجماعي قد بدأت.

ينظر لكتاب “الرايخ الثالث للأحلام” في ألمانيا على أنه “دليلٌ مدهش وقاطع” و”وثيقة تاريخية مهمة”. ووفقا لملاحظات المحلل النفسي فرانسيس لانج، فإنه من الغرابة أن يكون كتاب بيرت “مجهولا تماما” في أمريكا. ربما كان من الصعب على مثل هذا التاريخ الخاص أن يزاحم الشواهد والروايات الأكثر إلحاحًا والصريحة التي ظهرت في ستينيات القرن الماضي. (هذا الكتاب معاصر لكل من ” آيخمان في القدس” للكاتبة حنة أرندت و”تدمير اليهود الأوروبيين” للكاتب راؤول هيلبرغ).  ومع ذلك، هناك متسع من الوقت لكي تنضم مجموعة الأحلام إلى مصاف أدب الرايخ الثالث، وربما ستكتسب صيتا ذائعا. عَلِمت لانج ، التي تمارس الطب في بوسطن، عن أعمال بيرات عبر حاشية في كتاب “تفسير الأحلام” الذي كتبه فرويد وكتب عنه في مجلة الجمعية الأمريكية للتحليل النفسي. في عملها الخاص، تلمست وجود قلق واسع النطاق بعد انتخاب ترامب. لذا، طلبت من أصدقاها وزملائها الشروع في جمع الأحلام.

 

عن الكاتب

Avatar

سليمان البحري

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.