أنا سلبي.. إذًا أنا موجود!

لـ

تبدو صفة “سلبي” للوهلة الأولى حاملة لمعنى مستهجن ومرفوض في سياق اللغة العربية، وفعل كسول أو خامل على الصعيد المجتمعي المحيط بنا الآن، فالجميع ابتداءً بالأفراد وانتهاءً بالسلطات من حكومات وشركات وحسب متطلبات العصر يريدوننا ناشطين وفاعلين أو بمعنى أدق “إيجابيين” خصوصًا عندما تتعلق باستجابتنا لتغيير العادات الحياتية بشكل متسارع ومواكب للموضة، سواء كانت الموضة في الملابس أو في استخدام كلمات أجنبية معينة تخرج في سياق أحاديثنا اليومية، كعملية تحديث وتعبير بأننا مواكبون للأحداث، أو حتى الموضة في نمط التفكير.

هل من السيئ حقًا أن توسم بأنك سلبي؟!  لنعد النظر  

لو قررنا النظر لمعنى كل مِن “سلبي وإيجابي” من خلال العدسة الفلسفية لهيجل، وأخضعنا معنيهما  لتراث هربرت ماركوزه (1979-1898) – أحد رواد مدرسة فرانكفورت – وتحديدًا في كتابه “الإنسان ذو البعد الواحد”، لأدركنا معنى جديد يُفرق بين النمط السلبي والإيجابي؛ إذ يذهب ماركوزه إلى أن نظام حياتنا القائم على النظام الرأسمالي يعمل على خلق نمط من الحياة والتفكير والإدارة، وصكه في مفهوم “الإيجابية” بينما يجعل لنقد هذا الفكر مفهوم “سلبي” أي مُنفِر ومُستهجَن. لتصير الإيجابية هنا، في عصرنا فكرًا أحاديًا، يُقصي التعددية ويرفض حرية التعبير والفكر، ويمارس الوصاية العقلية على الإنسان المُعاصر بشكل آلي، حيث تُكيف “الإيجابية” في عقلية الجمهور بما هو سائد، وتحول هذا العقل إلى نظام صارم يرفض كل ما يتجاوزه، مما يجعل نمو أي فكر جديد شبه مستحيل، إذ سرعان ما يتم إقصاؤه أو السخرية منه على أقل تقدير. يقول الفيلسوف الكولومبي نيكولاس غوميز دافيلا (1913-1994) إن فقدان الشفافية المنبثقة من الإيجابية هو الأمارة الأولى على الانحدارِ اللغوي والسياسي والنفسي.

وعبر هذا تكون صفة “الإيجابية” المقترنة بما هو سائد، والمشدودة في أذهاننا باستحالة وجود أي وضع سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي غير ما هو قائم، تجعلنا نؤسس بأيدينا عقلًا بشريًا بلا ذاكرة أو خيال أو نقد، ذلك أن “الإيجابيين” يطمحون لعقل يتخلص من ماضيه، ومحاصرًا لحاضره، عبر تخيلات عن مستقبل أفضل قد يتحقق بانفجار كوني جديد أو بمعجزة إلاهية!

الحب في زمن الإيجابية

تقوم الإيجابية بشلّ إمكانيتي الجدل والتأويل، فهما أقدام السلب الهيجلي، وهذا ليس أمرًا يتعلق بالفلسفة المعقدة  التي يمكننا التهرب من مواجهتها، بل يتعلق بروح الإنسان المعاصر ذاتها، التي قدم هيجل السلب بوصفه جزءًا منها، وممثلًا السلب كالغذاء اللازم لما أسماه “حياة العقل”، فقد رأى هيجل أن الروح تمتلك قوتها فقط عبر التعامل مع المنطق السلبي للمظاهر، وتتحرك من خلاله.

لكن مجتمعنا المعاصر لا يتسامح مع هذا المنطق السلبي وتجلياته من مشاعر، فلا يحق لي أو لك أن نتعامل بهدوء مع الألم والمعاناة، بل من غير الضروري حضورهما، فقط عليك أن تستهلك “استهلك.. استهلك.. استهلك” وستكون على ما يرام، وتناسى الكثيرون من الإيجابيين وأصحاب الحلول الطازجة لكل المُشكلات أن الروح البشرية مُدانة في عمقها، ولا تحصل على السعادة ولا تبلغ قوتها وتبدع إلا من خلال عملية طويلة من التحمل والمثابرة بل والمعاناة بالمفهوم النيتشوي.

فالنفس البشرية الآن صارت تخضع لعملية انضباطية وتنظيمية من قِبل سيل الأفكار الإيجابية عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام المسموع والمقروء، فعملية التنميط الإيجابي طالت حتى الحب، وهي ساحة نفسية شديدة الخصوصية، لتنفي عنها أي صفة سلبية، ويصير الحب شكلًا من الاستهلاك عبر اتباع خطوات حتى لا تقع في أي آثار سلبية من العلاقة مع الجنس الآخر، وتنظيم حالات النشوة وأوقات الغرام دون عواقب، وهذا ما يصفه آلان باديو في كتابه مديح الحب بـ ” أن تكون في علاقة حب دون أن تقع في الحب.” فالحب فعل فوضوي تتدفق فيه المشاعر الإنسانية، وهذا غير مسموح في ضوء الفكر الإيجابي المنظم والمرتب، الذي يحسب خطوات النفس البشرية ويتقوقع فعلها كما يتعامل مع مؤشرات البورصة.

وعلى هذا؛ نجد كثيرًا من الأدوات النظامية لأصحاب الفكر الإيجابي، فمن المهم البيانات والمعلومات الشخصية حتى صارت تباع بأثمان باهظة من يد منتج لمنتج، وجداول وإحصاءات، فتخيل أن تمارس الجنس بعد الاطلاع على خرائط ذهنية حتى لا تقع في أي خطأ! مجرد التفكير في الأمر مُخيف.

السياسة الإيجابية … ليس من الضروري علينا حتى دغدغة الواقع 

لا يتوقف ضرر الفكر الإيجابي السائد عند الحقل العقلي والنفسي ومشاعر الحب والجنس والندم والألم، بل يتمدد إلى الفضاء السياسي،  فلم تعد صفات السياسي من السرية والمراوغة وحتى الخداع تحمل صفة إيجابية، بل يجب أن يكون كل الأمر منمقًا، الجمهور يذهب إلى الصناديق ويلوح للكاميرات، ويفوز مرشح الشركات العابرة للقارات، وهذا اتفاق ضمني إيجابي للغاية، لا يجب كسره، ونتج عنه ما يمكن أن نسميهم أحزابًا بلا حزبية، وأيديولوجيا بلا أي سُبل للتحقيق، أو بمعنى آخر أفكار لا تحمل شمولية ولا تحمل هموم واقعها، ولا متماسكة، أفكار تفتقد إلى سلبية معارضة –كما فسرناها من وجهة نظر ماركوزه أعلاه-، فتتحول السياسة إلى مجرد فعل سجالي اجتماعي لا يرقى حتى بوصفه احتجاجا اجتماعيا، مع ترسيخ للوضع الراهن اقتصاديًا وسياسيًا، فتنزلق الأحزاب والحركات المعارضة افتراضًا في خانة تثبت أركان النظام التي تدعي أنها تريد تغييره أو على الأقل هزه.

ويمكنني أن أستعير بيت شعر نثري من اليوناني يانيس ريتسوس وهو يقول: “لا شيء عندك لتقوله ما دام لا شئ لديك تخفيه”، مُحرّفًا البيت الشعري إلى: “لا شيء لديك *لتفعله* ما دام لا شيء لديك تخفيه.” وهذا ما تتناساه القوى السياسة المُعارضة دائمًا، لا أوراق مكشوفة لا تعني أنك نزيه بالضرورة، وإن بدا فعلك إيجابيًا، وستستطيع أن تغيّر ما تريد، ولكن بالضرورة يعني أنك إذا صرت مكشوفًا أمام خصمك؛ فإنه لن يتردد لثانية في طرحك أرضًا.

الثورية الآن.. الإيجابية بأبهى صورها 

هل هناك مثال حيّ على ” الإيجابية” في الحقل السياسي أفضل من الوضع الثوري؟ – لنأخذ  مصر بعد ثورة يناير 2011، مثال حيّ يبين وجهة النظر أكثر. فقد فقدت مئات الأحزاب المصرية بوصلتها تحت شعارات إيجابية جدًا كـ “الديمقراطية” وذهب بعضهم في أحلامهم الاجتماعية إلى أقصى مداها كالزواج المدني وزواج المثليين. وبعضهم الآخر تخيّل إقامة جنة عدن بصيغتيها الإسلامية أو الشيوعية الدوغمائية على أرض مصر، ولكن للأمانة أغلبهم كانوا داعمين للخط النيوليبرالي للسياسات الاقتصادية، وصرّحوا مرارًا أنهم سيعملون على توسيع حضوره، ولكنهم نسوا الفعل السلبي –سهوًا أو جهلًا- وهو هدم أركان النظام السابق، والتمكن من مفاصل الدولة، والهيمنة على الفضاء الإعلامي لنشر إيديولوجيا الثورة، ونسوا أن تُسلب الامتيازات من الطبقات المُتخمة بالمال والنفوذ، لنتفاجأ –وقد كنت أحد الحاضرين- بثورة مضادة تعصف بكل الأحلام، وتضع أحلامًا إيجابية أيضًا للغاية، فقد رأيتُ لسنوات انتخابات بها صناديق شفافة وجماهير سعيدة ترفرف بأعلام الوطن، يا له من مشهد رائع، لكن إيجابيته تُخفي الكثير من صناديق أخرى حملت العديد من الرفاق قتلى ومفقودين. 

وبالقياس مع اختلاف الظروف الموضوعية والتاريخية لثورات تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا لعب الجميع مِن أجل صُنع “مجتمع الشفافية” وهذا المفهوم يفككه المُنظر والفيلسوف الألماني الكوري الجنوبي بيونغ تشول هان في كتابه The Transparency Society الذي انتقل إلى لغة الضاد مؤخرًا تحت عنوان «مجتمع الشفافية» (عن مركز مؤمنون بلا حدود ــــ ترجمة بدر الدين مصطفى) إذ يشير بيونغ إلى ارتباط مصطلح الشفافية بالإيجابية الإنسانية، إلى أن تحولت الشفافية لإيديولجيا سامة في ظل نظام نيوليبرالي، يفرض الأتمتة أو الضبط أو السيطرة على كل شيء يدخل في نطاقه، حتى الخطاب الثوري لم ينجُ؛ فقد صار في خط آلي يتم فيه استخدام كلمات كـ “الحرية، الديمقراطية، الصناديق الشفافة… إلخ” وهذا بالتزامن مع حدوث فعل شَرطي، ألا وهو تعرية الذات الفردية طواعية، وجعل النفس شفافة كما الزجاج، وهنا يكمن العنف، حيث التواصل الاجتماعي الشفاف في نطاق الثورات والانتفاضات الجماهيرية يعمل على التهيئة النفسية لتفجر الطاقات الإنسانية والتسوية عبر توجيهها لخدمة مصلحة فرد أو جماعة أو مؤسسة بشكل مباشر أو غير مباشر؛ مما يؤدي إلى نمطية الفكر. ومع الزمن، يُقضى على فكرة «الآخر»، وتحدث مُطابقة قهرية بين الذوات البشرية، على حد تعبير بيونغ، وبهذه الطريقة تصنع وتدعم الشفافية أركان النظام السائد، بل أكثر من ذلك تخنق كل فكر جديد وتعدمه. 

الخاتمة 

في النهاية، هناك سؤال يطرح نفسه ألا وهو: هل تعتقد عزيزي القارئ أن تدفق المعلومات وتراكمها وسرعة وسهولة التواصل بين البشر، وسهولة الوصول لمنافذ الاستهلاك المادي والمعنوي يعني أنها حقيقية أو أنها على الأقل تملك مصداقية ما، وأن دفعك نحو ما يعرف بحياة إيجابية هو سعي هادف؟ – إن الحقيقة هي فعل سلبي ينفي كل ما عداه، لهذا تعد الشفافية وما ينبثق منها من فكر يوصف بالإيجابية ما هي إلا نظام للهيمنة على كل شيء يدخل في نطاقه، سواء كان إنساناً، مشاعر، أفكاراً ثم تعمل على تحويله إلى بيانات، ومعلومات، وإحصاءات، تدفع بها في فضاء التفاعل والتواصل، والبيع والشراء أيضاً. وهذا يعني زيادة في نمط الاستهلاك وتعزيزاً لنمو الأنظمة النيوليبرالية الحاكمة، وعليه تصير الشفافية هي العدو الأول للخصوصية الفردية والآخر والانعزال.

كما تعزز الأنظمة المحوكمة شعور فقدان قدرة تحديد الصحيح من عدمه، فالصواب في القول والفعل تم صياغته سلفًا، ووضعت قواعده بشكل سابق عن تفكيرنا الشخصي، وبعيدًا عن ذواتنا؛ مما يضاعف “الشعور الإيجابي” من حيث العلاقات الراهنة المتعلقة بالعلاقات والمشاعر الإنسانية من ناحية، والعلاقات المُتعلقة بالإنتاج وزيادة النمو من ناحية أخرى، وبالنتيجة يتم تكثيف الحضور الإنساني بوصفه رقمًا أو سندًا أو سهمًا، ويؤكد على غياب البعد الإنساني عن ذاته أكثر فأكثر في عصر يوسم بعصر الإيجابية. 

0 587 07 فبراير, 2020 الرابع بعد المئة, العدد الأخير, ثقافة وفكر فبراير 7, 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.