الرابع بعد المئة ثقافة وفكر

السرد العربي بين التراث والنص

تلتفت الأمم كيفما كان نوعها إلى تراثها السابق في أوضاع تاريخية محددة يمليها واقع التطور الذي تعرفه في صيرورتها، لأجل بناء وعي جديد يتحقق على أساس العلاقة المتخلدة من التراث. وإنتاج الوعي الجديد لا يتأسس إلا على قاعدة تقديم معرفة جديدة وجدية، وكما أقر سعيد يقطين في كتابه الكلام والخبر، فالعرب عاشت ثلاث لحظات عامة في علاقتها مع تراثها، تتمثل في:

اللحظة الأولى: ترتبط بظهور الإسلام الذي جاء لتغيير رؤية العربي إلى ذاته وإلى واقعه وتراثه. وارتبط هذا التغيير بتقديم وعي جديد ومعرفة جديدة، فالإسلام اتخذ موقفًا من التراث الجاهلي وقدم قواعد جديدة لتنظيم الحياة المدنية والاجتماعية للمسلمين.

اللحظة الثانية: تبدأ مع اتساع رقعة المجتمع العربي الإسلامي في القرن الثالث للهجرة واحتكاك العرب بغيرهم من الأمم التي ظلت تحمل تراثها رغم دخولها في المجتمع الإسلامي، من هنا يبرز ” الصراع” في المجتمع الإسلامي بين العنصرين العربي والفارسي في القرن الثالث والرجوع إلى التراث في هذه الحقبة، لهدف فرض هوية ثقافية محددة وإقامة توازن ثقافي يضمن التعايش واختلاف في نطاق الهوية المشتركة.

اللحظة الثالثة: تتمثل في عصر النهضة الذي تعمق فيه الإحساس بالتخلف، حيال التقدم الذي يجسده الغرب المسيطر والمحتل.

توضح هاته اللحظات الثلاث أن هناك تباينا في الرؤية، ومن ثم غياب الوعي الاستراتيجي بالتراث، الذي جعل منه خلفية لإنتاج وعي جديد ومعرفة جديدة وإنسان جديد، له دخل كبير في استمرار اللحظة الثالثة، إلى جوانب عوامل أخرى أساسية.

لقد دعا الباحثون إلى ضرورة تجديد النظر في تاريخهم وتراثهم بمنظور مغاير وجديد لأجل قراءته في ضوء التطورات المعرفية الحديثة، بمعنى أن جلّ المؤلفات والمصنفات العربية التي قرئت سابقا بمنظور معين ووفق رؤية خاصة سيتم محاولة قراءتها قراءة في ضوء تصور جديد، وكما يقول سعيد يقطين” يمكن النظر إلى البيان والتبيين للجاحظ وكتاب الأغاني للأصفهاني، بوصفها خزانة سردية وذخيرة النصوص السردية”[1].

ويعد  مفهوم السرد مفهوما جديدا، والاهتمام به بصفته موضوعا جديدا، ومن ثم لا يمكن الاشتغال به إلا بتصور جديد ولمقاصد جديدة، فهو بقدر ما يدفع إلى البحث في الماضي والتاريخ لإعادة النظر فيهما من منظور جديد ومغاير، فإنه يدعو إلى الانفتاح على الحاضر، ولاسيما أن العديد من الإنتاجات والإبداعات العربية الحديثة والجديدة تعود إليه وتتفاعل بشتى أشكال التفاعل. إنها تحاوره حينا، وتحاكيه أحيانا، وتعارضه أحيانا. أي إنه ينطلق من الماضي ويتحرك في التاريخ وفي الحاضر، بمعنى أن السرد بهذا المفهوم الجديد يعانق الزمان العربي في تشكلاته وتحولاته وسيرورته.

لقد جاء هذا المفهوم ليكون المفهوم الجامع لكل التجليات المتصلة بالعمل الحكائي ويتسع بكل ما تفرق(السرد) في مصطلحات عربية قديمة وحديثة، تتصل كلها بصيغ أو بأخرى بأحد الأنواع الحكائية، وكما يؤكد على ذلك سعيد يقطين في كتابه السرد العربي، مفاهيم وتجليات” إن اختيارنا مفهوم السرد ليكون المفهوم الجامع لمختلف الممارسات التي تنهض على أساس وجود مادة حكائية يرتهن إلى انطلاقنا من مقولة “الصيغة التي توظف في تقديم المادة الحكائية”[2].

وهكذا جاء هذا المفهوم (السرد) ليكون الطابع العام الذي تشترك فيه أنواع الدراسات العربية (الأخبار-الأسمار-الحكايات-القصص).

لهذا فالسرد العربي لم ينظر إليه بوصفه نصا، بل ظل في حالة النص النقيض أو اللانص، ووفق ترسيمات عبد الفتاح كيليطو يمكن أن نستعيد معه الثنائيات التالية:

 ثقافة             لا ثقافة

نظام                لا نظام

نص                 لا نص

وكما يقول كيليطو “فإنه لا يكفي أن تكون هناك جملة أو مجموعة من الجمل، سواء كانت شفوية أو مكتوبة، لنقرر بأنها نص، لابد من شيء آخر لابد أن تحكم عليه الثقافة المعنية وترفعه إلى مرتبة النص… كيف تتم التفرقة بين النص واللانص؟ كيف يصير قول ما نصا؟ العملية تتم إذا انضاف إلى المدلول اللغوي، مدلول آخر؛ مدلول ثقافي يكون ذا قيمة داخل الثقافة المعنية، اللانص يذوب في المدلول اللغوي، ولا ينظر إليه إلا من هذه الزاوية، أما النص فإنه يتمتع بخاصيات إضافية أي بتنظيم فريد يعزله عن اللانص… مادام النص له مدلول ثقافي؛ فإنه يحتفظ به ويخشى عليه من الضياع، فهو لهذا السبب يدون ويحصر بين دفتي كتاب. “[3].

وقد خصص سعيد يقطين الفصل الأول من كتابه الكلام والخبر-مقدمة للسرد العربي-للتركيز على مسألة النص واللانص في الثقافة العربية، ويقول في تحديده للمفهوم “إننا نستعمل مفهوم النص استعمالا جديدا يخرج عن الاستعمالات القديمة، وما يمكن أن يوحي به توظيفنا هنا هو أن يتجسد من خلال النصية التي تجعل من إبداع لفظي ما درجة كبرى من الحظوة والقبول لدى التقليد الأدبي أو الرأي العام الأدبي المهيمن في حقبة من الحقب”[4].

لأن النص العربي كل متكامل، وهذا الكل غير قابل لأن يتمفصل إلى نص قابل لان يبحث فيه، ونص قابل للتهميش والإلقاء، بل يجب الاهتمام ومعرفة النص العربي في كليته، لهذا فتح أفقا جديدا ومغايرا للبحث والتفكير وخلق قيما تمكن من معرفة الذات والنص العربيين الكامنين، وتفجير بواطنهما وتحويلهما لفائدة التطور والتقدم.

لقد ظل السرد العربي يتطور رغم كل الظروف المتلبسة التي أحاطت به، حتى وصل الأمر إلى عصرنا، وتمكن أحد مبدعي السرد العربي، نجيب محفوظ، من الحصول على جائزة نوبل العالمية في مجال الأدب 1988 وكانت هذه الجائزة اعترافا بمكانة السرد العربي وبموقعه العالمي، قبل أن تكون جائزة خاصة بنجيب محفوظ وحده، أما شهادات بورخس وتودوروف وإعجابهم مع غيرهم بالحكاية العجيبة في ألف ليلة وليلة، فشهادة من الآخر الغربي، بالكنز السردي العربي، والدعوة إلى مواصلة اكتشافه بأدوات النقد السرد الجديد.

وخلاصة القول إن السرد ظل خارج معايير النص كما وسمها الوعي الأدبي القديم فنظر إلى النصوص السردية شفوية أو مكتوبة على أنها: لا نص؛ ولذلك طردت من كتب النقد، وأغفلها كثير من المصنفين القدماء وكأنها تفتقد القيمة التي يمكن أن ترفعها إلى حدود مناسبة، ويمكن أن تدفعهم لدراستها أو الإشارة إليها.


[1] سعيد يقطين: السرد العربي، مفاهيم وتجليات ص: 74و75

[2]– سعيد يقطين: السرد العربي، مفاهيم وتجليات، رؤية للنشر والتوزيع 2006، ص:87

[3] عبد الفتاح كيليطو: الأدب والغرابة، بيروت، دار الطليعة 1983 ص 21و22

[4]– سعيد يقطين: الكلام والخبر-مقدمة للسرد العربي، ط1 بيروت، الدار البيضاء المركز الثقافي العربي، 1997، ص 51و52

عن الكاتب

Avatar

العربي الحضراوي

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.