روايةٌ عُـمانيَةٌ تسبر أغوار الزواج ومعاناته

لـ

سيدات القمر.. حكاية نساء من أجيال متعددة تجرحها قسوة السلطة الذكورية (١)

رواية جوخة الحارثية متنوعة الأزمان متعددةُ الأصوات والأفكار.. وتشبهُ الشعر في مواضع كثيرة

تتغير أساليب الروايات كلما تغير بناء المجتمعات، ولأن الرواية مُضيفٌ كريمٌ وتقلد ضيوفها إلى حد كبير، فإنها تبدأ في تقمص شخصياتهم، فالمجتمع الطبقي الذي يؤمن بالزواج التقليدي ينتج نفسه في روايات مستقرة تكون نهايتها زواجا مستقرا بدون أحداث مهمة، وفي المقابل فإن المجتمع الذي تثور فيه النساء على الأعراف التقليدية تظهر آثاره في روايات مثيرة تبدأ بالتساؤل حول حقيقة الزواج وماهيته؛ فضلا عن النهاية بتحققه من عدمه. 

إنّ روايات الفاحشة، التي هيمنت على النصف الثاني من القرن التاسع عشر في أوروبا، قد يطلق عليها أيضا “روايات الزواج التعيس”، إذ يستقي هذا المصطلح تسميته من القلق الذي يحاصر البطلات في تلك الروايات، فشخصية إيفي بريست المأساوية التي ارتكبت الفاحشة، وهي شابة متألقة كانت مرتبطة بزواج تعيس من أرستوقراطي أنيق أكبر منها سنًا في بروسيا* في نهايات القرن التاسع عشر، وقبلها شخصية إليزابيث بينيت، وهي أيضا شابة متألقة كانت على وشك الارتباط بزواج مثالي في بداية القرن التاسع عشر في إنجلترا، وكأنني بهما تشيران بإصبعيهما مهددتيْن، ولسان حالهما يقول ” إنّ الأمر أصعب مما تتصورون”. 

*اسم كان يطلق بالأصل على المقاطعة الألمانية التي أطلق عليها لاحقاً اسم “بروسيا الشرقية”.

إنّ تكييف أسلوب الرواية مع المجتمع يظهر جليا في العرض الرائع لـ “سيدات القمر”، وهي رواية خيالية للكاتبة والأكاديمية العمانية جوخة الحارثية، ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية المترجمة ماريلين بوث، التي حصدت هذا العام جائزة البوكر الدولية. تحكي رواية سيدات القمر قصصا غامضة وبائسة عديدة عن حالات زواج تعيسة، ومع أن الرواية لا تتحدث عن ارتكاب الفاحشة من قبل النساء – بل جميع الخيانات المحكية يرتكبها الرجال – إلا أنها تتشارك مع الروايات المذكورة سلفا في أن الشخصيات النسوية فيها مرت بتجارب زواج تعيسة. 

تدورُ أغلب أحداث هذه الرواية في قرية عمانية، وهي تُظهر القوانين المجحفة والتوقعات الناتجة عن مجتمع إسلامي ذكوري تقليدي، وتعيدنا بوصلة هذه الرواية إلى الوراء، إلى ذلك النوع من المعاناة في الزواج الذي أنعش-  في حقبة ما – أسلوب الأدب الأوربي. ولذلك، فإن أحد مؤشرات نجاح هذا الكتاب هو أن الحارثية كوّنت أسلوبها الروائي الخاصّ الذي يناسب متطلبات تقليد شخصياتها في الرواية.  

إنّ سلطنة عمان دولة صغيرة مزدهرة، غنية بالنفط الذي تصدره إلى العالم، وهي تمر منذ سبعينيات القرن الماضي بتحول سريع، وفيها تتداخل الأفكار القديمة مع الطموحات الحديثة، وإن لم تكن دائما منسجمة مع بعضها بعضا، وجوخة الحارثية -الحاصلة على شهادة الدكتوراة في الأدب العربي الكلاسيكي من جامعة أدنبرة ومحاضرة في جامعة السلطان قابوس في العاصمة مسقط- تمثل نموذجا لتحقيق بعض هذه الطموحات الحديثة. تعطي الحارثية – بشكل عشوائي – في كل فصل من فصول الرواية إحدى شخصياتها صوتا ليتحدث، ومن ثم تجعل الشعور الداخلي المعاصر للشخصية الأنثوية مُـهِـمًّا لروايتها، وتستوعب – في الوقت نفسه- مجموعة من وجهات النظر المختلفة. 

إن البنية الأساسية للرواية تبدو من الوهلة الأولى أنها تؤسس أن يكون رب العائلة هو النجم المتميز لكوكبةٍ من الأجرام السماوية، حيث يخاطبنا عبدالله بضمير المتكلم، وبقية الشخصيات (جميعهن نساء تقريبا) بضمير الغائب. عبدالله ليس واثقا من رجولته، ويحاول جاهدا إثبات وجوده لشبح والده المستبد الذي توفي قريبا، وفي الوقت نفسه، فإن عرض الشخصيات النسوية بضمير الغائب مرن وحذر جدا، بحيث إنك تظن أنه ضمير المتكلم، ومن هنا يمكننا تصور شخصية عبدالله بأنها شاحبة، بينما نتصور شخصية النساء مثل شموس متوهجة. 

سيدات القمر رواية مرهفة تحتوي الكثير من القصص، وتشمل عدة أجيال، ولكن في جوهرها قصة ثلاث أخوات أصبن بخيبات أمل من الزواج، وهن ميا وأسماء وخولة. تزوجت ميا عبدالله، وهو ابن تاجر ثري، وتزوجت أسماء من خالد، وهو فنان مهوس يرى الزوجة المثالية تلك التي “تدور في فلكه المكتمل، ولا تخترق هذا الفلك، ولا تشكل فلكا موازيا لنفسها”، وخولة التي تزوجت بعد سنوات من الصبر والإخلاص من ناصر، حبيب الطفولة، الذي كانت فكرته عن الزواج قضاء معظم وقته في كندا مع عشيقته، ثم يعود بعد كل سنتين لتحمل منه خولة. تقول خولة: “يعود ناصر إلى عمان ويحضر لأولاده ملابس فاخرة من كندا، ولكنها دائما أصغر من مقاسهم لأنه لا يعرف أعمارهم”. 

تبدأ الرواية بامرأة تسبح في أفكارها، ثم تكبت قاهرة تلك الفكرة. ميا تستغرق في ماكينة خياطتها السوداء ماركة الفراشة، وقد وقعت في حب شاب من طرف واحد اسمه علي، الذي عاد للتو من دراسته في لندن. ترغب ميا بفرصة رؤيته ولو لبرهة، ولكن كلام أمها المفاجئ مزّق الحلم، فقد أخبرتها بأن عبدالله قد خطبها، وأن زواجهما سيكون مفيدا للجميع، وهكذا قُضِيَ الأمرُ. تظن ميا أن الله لا بد أنه يعاقبها بسبب رغباتها المخفية، ستتزوج عبدالله طائعة بدون حب، ثم تعاقب العالم كله سِرّاً عندما تسمي أول مولودة لها باسم لندن- وهو اسم يتعارض مع العادات والتقاليد – في ذكرى الشاب التي كانت ترغب حقيقة في الزواج منه.

تصالحت أسماء أخيرا مع زوجها النرجسي، ولكن فقط بعد أن أصبحت “في فلكها الخاص المستقل”، هذا الفلك هو الأمومة، فقد كرّست حياتها لأطفالها الأربعة عشر، أما خولة فقد انتهى زواجها بالطلاق، وافتتحت صالون تجميل في مسقط، فيما ظلت ميا متزوجة بعبدالله، ولكنها مثل أسماء، اختارت أن تكون في أمومة معزولة تحمي فيها طفلتها، وتستمتع في مرارةٍ بحرية الصمت.

 عندما كان عبدالله يسألها: هل تحبينني؟ – وكان مولعا بحبها- تضحك في وجهه. يتذكر عبدالله أن ميا لم تضحك يوم زفافها، و “لا حتى ابتسمت”. وبعد مرور جيل، خلعت ابنتهما الطبيبة لندن زوجها أحمد، وهو شاعر كان يخصص كل قصيدة جديدة “لفتاة جديدة”، ويضرب زوجته لندن.

تنتقل الرواية بين الأجيال القديمة والجديدة بمرونة في الصفحة الواحدة، بل وفي الفقرة الواحدة، بسبب قدرة الحارثية الماهرة على إدارة الانتقال بين الأزمنة، وهنا أتصور الحارثية – عندما كانت طالبة دراسات عليا في جامعة أدنبرة- وهي تقرأ الرواية العظيمة ” ذا برايم أُف مِسْ جين برودي” التي تدور أحداثها في أدنبرة لكاتبتها مورييل سبارك، التي استعملت قفزات زمنية لوصف الحياة التعيسة المستمرة للفتيات والنساء.

إنّ علاقة كل قصة من قصص الرواية بالزمن تشبه العلاقة بين مجموعة من الخيوط غير المتساوية. في رواية “سيدات القمر”، أقصر الخيوط يمثل المدة التي تبدأ بها الرواية وتستمر خلاله- وهو الزواج الجديد لكل من ميا وأسماء وخولة، وهي بضع سنوات فقط في بداية ثمانينيات القرن العشرين، أما الخيوط الأخرى فهي أطول لأن قصة كل فرد في الرواية تُحكى من العصر الحاضر. يحكي لنا عبدالله قصته الآن، فهو زوج ميا المحبط في منتصف عمره، إذن من الطبيعي أن يذكر مثل هذه الفكرة في إحدى حواراته مع نفسه عندما يتحدث عن زواج لندن: “وطلقها، دفعنا له قيمة المهر وخلعت ابنتي نفسها”، قلت لها: “أنت حرة اليوم يا لندن، أنت طبيبة ناجحة”، لكنه أيضا رجع إلى الوراء، رجع إلى ذكريات طفولته المتكررة، إلى العقاب الوحشي الذي كان يلقاه من أبيه، عندما علقه من رجليه ورأسه منكس في البئر. الفصول التي تذكر ميا غالبا ما تبدأ بالتحدث عن أم شابة، لكنها تقفز فجأة إلى الأمام “بعد ثلاثة وعشرين عاما، عندما انهالت عليها أمها (لندن) بالسوط وكسرت هاتفها النقال”.

في هاتيْـنِ الصفحتيـْن مثال على كيفية تجول الرواية في مسارات متعددة، ففي الفصل المعنون “أمومة”، نبدأ، بشكل تقليدي، بشخصية ميا وهي في مرحلة الشباب. إنها أمٌّ لطفلتها الأولى لندن “قبيل الفجر كانت ميا جالسة في فراشها، في حجرها الرضيعة التي توقفت أخيرا عن الصياح ونامت”، وفي الصفحة التالية، استعملت الكاتبة أسلوبها السردي القريب الذي يعتمد على ضمير الغائب من أجل أن تدخل في خواطر ميا الكئيبة: “ميا تعتبر الصمت أعظم شيء يمكن للإنسان عمله، حين تصمت تستمع بشكل جيد للآخرين .. لا تقول شيئا فلا يؤذيها شيء، في أحيان كثيرة ليس لديها ما تقوله”، ثمّ تستمر الرواية على النحو الآتي:

” حين ستكبر طفلتها ويأتي سالم ومحمد أيضا ستكتشف شيئا آخر: النوم. النوم: ستنام وتنام ولا شيء سيؤذيها في النوم … حين تنام تصبح بلا مسؤوليات. لا تشعر بشيء، تتخلى عنها الأشياء التي تشبثت بها في اليقظة: الحركة العصبية المتكررة لِيَدَيْ محمد، أصوات القتل وصيحات الانتصار في الفيديو جيم، معطف لندن الأبيض يضم نحولها المتزايد … 

النوم هو جنتها الوحيدة، وسلاحها الأخير ضد قلق وجودها البالغ. سمعت ميا صوت المؤذن فاستراحت له في صمت الفجر”.

في جمل قليلة فقط، سافرنا إلى المستقبل، لنتحدث عن وَلـَدَيْ ميا اللذيْن سيولدان لاحقا، وعن وظيفة لندن في شبابها (الإشارة إلى معطفها الأبيض)، إلا أننا نعود بعد ذلك للأم الشابة جالسةً على سريرها مع مولودتها الصغيرة. 

في جميع الفصول، تطفو القصص بهذا الشكل، وترتبط بشكل بسيط مع ما يسمى في اللغة الفرنسية récit: أي مع اللحظة التي تحكى فيها القصة (حاضر الرواية) ، وهذا ينتج عنه مجموعة من الحقب الزمانية الجميلة المتذبذبة في حركة دائمة، مثل ضوء نجم يبدو مشعا عندما ننظر إليه من بعيد قرب الأجرام السماوية، ولكن أسلوب رواية الحارثية أكثر إثارة من رواية (مورييل سبارك) لأن الرابط ذاته يتحرك، فليس هناك وضوح حول ماهية ومكان الحاضر المستمر للرواية – هل ميا هي أم لندن الطفلة الأولى، أمْ هي أمّ لندن الطبيبة الشابة؟

اعتمد فوكنر على رواة متناوبين في روايته “آز آي لاي دايينج”، (بينما أرقد محتضرة)، ولكن استعمال ضمير المتكلم عندما تتحاور الشخصيات مع نفسها في روايته، مقارنة مع ضمير الغائب الذي تعتمد عليه الحارثية في مثل تلك الحوارات، حوّل رواية فوكنر إلى بؤرة زمنية محدودة – قصة موت ثم رحلة قصيرة ثم دفن تحت التراب. 

يبدو أن رواية سيدات القمر التي كتبتها سيدة باحثة في الشعر العربي الكلاسيكي في بيئة تتسم بالتراث الشعري قد حررت الرواية من الفهم الشائع لها في الأدب القصصي الغربي، حيث الانحناءات والقفزات المفاجئة تبدو أقرب للشعر أو القصة الرمزية أو الأغنية منها إلى الرواية، مع مساهمة هذه الحركات الشعرية بلا ريب في النهايات الروائية. 

إنّ المنهج المنظوري للكاتبة الحارثية – المتمثل في مجموعة من الأصوات المميزة والمعزولة في أحيان كثيرة- يُوجِدُ طرقا يستطيع الناس من خلالها الاحتفاظ بمستويات مختلفة جدا من الفهم والمعرفة حتى داخل الجيل الواحد. في لحظة ما، سألت لندن أمها باستخفاف “وما أدراك أنت بالحب؟ … منذ فتحت عينيك على الحياة، لم تري غير أبي. كم كان عمرك حين زوجوك منه؟” إنه الصدام الذي لا مفر منه بين الجيلين القديم والحديث، بين أفكار الزواج القديمة والجديدة. ولأن الرواية بدأت بإلهام عاطفي لحنين ميا الخفي، بالرغم من ذلك، فإننا نتفهم حدة سؤال لندن وفهمها غير الكامل للقضية، ثم يرتد أسلوب الرواية نحو لندن بالسؤال ذاته: ما الذي تعرفه لندن عن حقيقة الحب؟ بالإضافة إلى ذلك، علمنا عن هذا التبادل من خلال عبدالله فقط والذي يخبرنا:”ظنت أنني كنت خارج المنزل في ذلك الوقت ولكنني كنت هناك أسمع هذه الأشياء”. إن عبدالله زوج محبط وهو مهتم فقط بالسبب الذي يجعل زوجته لا ترد إلا بالضحك، وكأنه حُكِمَ على حياتهما الزوجية بذلك. ولكنه مثل لندن، لا يملك القدرة على الولوج داخل روح زوجته، وهنا يطرح السؤال نفسه: ما الذي يعرفه عبدالله عن حقيقة الحب؟، ثلاث شخصيات مختلفة – الأب والأم والابنة – تفسر كل منهن بشكل متباين تساؤل الابنة الأول.

هذه الرواية التي تجمع بطريقة فضفاضة تواريخ وحقبا زمنية مستقلة تُصَوِّرُ بشكل درامي وبفعاليةٍ مجتمعاً هو خليطٌ متنوعٌ من القديم والجديد، والمعارف والتقاليد العتيقة تتصادم بعنايةٍ مع طموحات وخبرات معاصرة، فأسماء -على سبيل المثال- معروفة بأنها الأخت التي تعشق الكتب وترغب في التعليم. وعند مقارنتها بأمها أو بميا أو خولة، تعتبر أسماء متعلمة، ولكن عند مقارنتها بابنة أختها لندن، فإن تعليمها يعتبر من النوع الديني المهجور، وهو نتيجة انغلاق فتاة بسبب العادات والتقاليد. تحث أسماء أمها على إعداد خلطة لأختها ميا موصوفة في كتاب يسمى “فاكهة ابن السبيل”، ودعمت فكرتها بأنّ التمر مفيد للنفساء باقتباس آية من القرآن الكريم عندما هزت السيدة مريم النخلة فتساقط عليها رطبا جنيا. في فصل آخر من الكتاب، تسأل لندن أباها: لماذا يقول الناس إن جدتها ماتت مسحورة؟ فرد عبدالله: لأن هذا كان تفسيرهم تجاه كل موت مفاجئ ومرض غامض، وتظن لندن أن بإمكانها التوصل إلى جواب علمي. بالنسبة لها، تبدو الأعراض التي ذكرت وكأنها حالة تسمم. 

في هذا الكتاب المتسم بالتنقل المستمر بين الأزمنة والشخصيات، لا تبتعد تحولات المجتمع المتعاقبة عن المشهد، حيث انتقلت معظم هذه الشخصيات من مكان مولدها في القرى إلى العاصمة، وتستنكر إحدى الشخصيات وجود “المكيفات البدعة” التي ظهرت في الثمانينات من القرن العشرين.

 في محاولة لتذكر أمه التي توفت وهي في شبابها، يتمنى عبدالله أن تكون الكاميرات كانت موجودة في قريته الصغيرة قبل أن تفارق أمه الحياة. يتذكر أنه عندما كان صبيا كان ابن ثاني شخص يملك سيارة في المدينة كلها، ويتذكر عبدالله – والدُ المرأة الشابة التي ستكبر لتصبح طبيبة – كيف كان أبوه يضع يده على رأسه – في لحظة حنان نادرة- ليعالجه من الصداع، مردداً آية من القرآنِ الكريم “وله ما سكن في الليل والنهار”.

إن حواف السلطة الذكورية العنيفة كان لها دور في جرح هذه السرديات، ففي لحظة ما يعد أحمد زوجته لندن بأنها ستصبح زوجة أعظم شاعر في عُمان، وفي لحظة أخرى ينتحب متوسلا “لم أقصد ضربك، كنت غاضبا .. لا أريد أن أفقدك، أنت ملكي”. أنتِ انتصاري وإلهامي”. في لحظة مفاجئة، تدفن ثمانية أجيال من تاريخ العائلة أو أكثر – وأهمها أجيال متعددة من النساء- تحت تراب أنقاض قديمة. نعم، هناك أنقاض كثيرة هنا وهناك، فقد علمنا بعد ذلك أن أبا عبدالله، التاجر الثري سليمان، لم يجمع ثروته من بيع التمر ولا من عمل يده، ولكن من تجارة العبيد.

إحدى أكثر الشخصيات حيوية في الرواية وأكثرها غموضا من حيث مكانتها الاجتماعية، امرأة تدعى ظريفة، وهي عبدة أصبحت خليلة سليمان، التي كان لها دور كبير في تربية عبدالله بعد وفاة أمه. ولدت ظريفة لعبدة كان يملكها أحد شيوخ البلد، وعندما بلغت ظريفة السادسة عشر من عمرها، بيعت إلى التاجر سليمان، وهي امرأة قوية وضخمة وغير متعلمة، لكنها ماهرةٌ في اقتباس الأمثال والحكم التراثية، تستطيع أن تأتي وتذهب كما تشاء بين النساء صاحبات المكانة العالية، متخذة حب سليمان حصنا لها، وخلافا للشخصيات الأخرى في الرواية التي تتحرك خيالاتها جيئة وذهابا بين الأجيال، لا تعلم ظريفة الكثير عن ماضيها، ولا تريد معرفة المزيد عنه، حيث تخبرنا الحارثية أن أجداد ظريفة خطفهم قراصنة في أواخر القرن التاسع عشر من كينيا عن طريق زنجبار عندما كان التجار العمانيون يتهربون ببراعة من الاتفاقية التي وقعها السلطان مع البريطانيين لتجريم تجارة الرقيق، ولكنها تشترك مع النساء الأخريات في معاناتهن مع تطورات العصر، فابنها سنجر يوبخها بسبب عيشها في الماضي الذليل قائلا لها “افتحي عيونك يا ظريفة، العالم قد تغير… كل الناس تعلموا وتوظفوا وأنت مثل ما أنت، عبدة التاجر سليمان وبس.. نحن أحرار، كل واحد سيد نفسه، ما حد سيد حد. أسافر كما أريد”. وبالفعل فقد وفى بوعده، فعندما كبر وأصبح لديه أطفال، غادر عمان إلى الكويت. ذهبت ظريفة إلى هناك لتقنعه بالرجوع، ولكنها عادت خالية الوفاض، وهي توجه اتهامها إلى “الأفعى التي تزوجها ابنها”.

هناك خليط متناقض بين الحركة والسكون، وكما هو معهود في القصص الملحمية التقليدية التي تحكي عن أجيال متعددة، نلاحظ في الرواية انتصارا في منح الحريات، وانحسارا للظلم، وإصلاحا للتقاليد، وكلما تحولت المجتمعات الريفية إلى المدنية، وسافر الناس داخل أوطانهم وخارجها، وتعلمت النساء أكثر، تحصل الأجيال الجديدة على فرصٍ كانت بعيدة المنال. فسنجر ذهب إلى الكويت، ولندن أصبحت طبيبة، وقضى عبدالله ردحا من حياته في السفر من دولة إلى أخرى.

 إنه من الغرابة أنه بالرغم من توفر حريات أكبر للرجال، إلا أن حركتهم كانت بطيئة وكانوا مقيدين بأصفاد الماضي. فناصر قضى نصف حياته الزوجية في كندا، ولكن تعامله مع زوجته يختلف قليلا مقارنة بالحقوق التي توسل بها زوج لندن عندما قال لها ” أنت ملكي”.

هناك مفارقة تبدو متعمدة من قبل الكاتبة تتمثل في أن عبدالله، الشخصية الوحيدة من الرجال التي خصصت لها فصول في الرواية، يتحاور مع نفسه في طائرة. وفي الوقت الذي يطير فيه مسافرا حول العالم، تعود به أفكاره إلى أبيه القاسي، إلى تلك العقوبات والكلمات الجارحة الماضية، إلى رجولته المهزوزة وإلى الانغلاق العاطفي في حياته الزوجية.

 إن أحد الآثار الناتجة عن تخصيص مساحة كبيرة لعرض الإحساس الداخلي المفعم للمرأة في الرواية هو تحويل المرأة إلى شخصية متحركة وحيوية، هائجة ومتلهفة وطموحة، حتى في حالة الشخصيات الرجعية أو تلك التي تقتصر على وظيفة الأمومة.  

أسلوب الرواية بليغ. وفي الحقيقة، إن المتعة الكبرى في قراءة رواية “سيدات القمر” هو مشاهدة نقاش روائي – من خلال تحقيق الكمال في أسلوبها – لنوع من القضايا التي لا يقدر أحد التعاطي معها إلا هذه الرواية.

 في هذه الرواية، هناك قدرة على الحركة بحرية مع الزمن، وولوج متميز للخصوصيات المجروحة داخل الكثير من الشخصيات، وتنوع للإنسان عبر لوحة ضيقة إلى حد ما، وأمواج متصادمة كلما تمايل جيل ضد الآخر مثل الصفائح التكتونية، وأسرارٌ وزلاتٌ وحالاتُ كبت، وفي الوقت نفسه قوةٌ عاطفيةٌ وتاريخيةٌ لاستقصاء سياسي وعاطفي. 

هنا نتحدث عن رواية تفوقت على نفسها، وأثبتت أنها على قدر المسؤولية، ليس بتغيير بنود الوظيفة الموكلة إليها، ولكن بتبديل الأسلوب الذي تؤدي به ذلك العمل.


(١) النص الأصلي للكاتب والناقد: جيمس وود.

نقلا عن مجلة ذا نيويوركَر الأمريكية بتاريخ 7/10/2019 

0 279 25 فبراير, 2020 أدب, العدد الأخير فبراير 25, 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.