الرابع بعد المئة ثقافة وفكر

كيف يكافح الذكاء الاصطناعي تفشي فيروس كورونا؟[1]

الذكاء الاصطناعي يساعد في اكتشاف الإشارات المبكرة حول تفشي المرض، واستخدام بيانات رحلات المسافرين تمكن الباحثين من معرفة أين يمكن أن يظهر فيروس كورونا. 

عند ظهور مرض غامض لأول مرة، قد يكون من الصعب على الحكومات ومسؤولي الصحة العامة جمع المعلومات بسرعة كافية للتنسيق استجابةً له؛ لكن تقنية جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على تنقيب في التقارير الإخبارية ومحتوى الإنترنت من جميع أنحاء العالم؛ مما يساعد الخبراء على التعرف على حالات الشذوذ القابلة للتحول إلى وباء محتمل أو حتى جائحة. بمعنى آخر، قد يساعد الذكاء الاصطناعي – بقدرته الفائقة – في التغلب على الطاعون القادم.

تكشف هذه التقنية الجديدة عن قدرتها بالتزامن مع ظهور فيروس كورونا الأخير، الذي تم التعرف عليه مبكرًا عبر شركة كندية تدعى BlueDot، وهي واحدة من عدة شركات تستخدم البيانات لتقييم المخاطر المحتملة التي تهدد الصحة العامة. أخطرت الشركة – التي تقول إنها تجري “مراقبة تلقائية للأمراض المعدية” – عملاءها عن الشكل الجديد لفيروس كورونا نهاية ديسمبر، سابقة كلًا من المراكز الأمريكية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) ومنظمة الصحة العالمية (WHO) التي أرسلت بعدها بأيام إشعارا رسميا، حسبما ذكرت الـ Wired. أودى فيروس الجهاز التنفسي – المرتبط بمدينة ووهان في الصين، مع اقترابنا من نهاية شهر يناير –  بحياة أكثر من 100 شخص. هذا بالإضافة إلى ظهور حالات مسجلة في عدة بلدان أخرى، بما فيها الولايات المتحدة، ويحذر مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها – الأميركيين من السفر إلى الصين إلا للضرورة.

شرح كامران خان – أخصائي الأمراض المعدية والمؤسس والمدير التنفيذي لشركة BlueDot ، في إحدى المقابلات – كيف يستخدم نظام الإنذار المبكر بالشركة الذكاء الاصطناعي – بما في ذلك معالجة اللغة الطبيعية وتعلم الآلة – لتتبع أكثر من 100 مرض معدٍ، عن طريق تحليل حوالي 100,000 مقال كتب بـ 65 لغة، كل يوم. تساعد هذه البيانات الشركة في إخطار عملائها بالوجود المحتمل لمرض معدٍ وإمكانية انتشاره.

يمكن أن تعطي بيانات أخرى مثل معلومات المسافرين، ومسار الرحلات – ترجيحات حول كيفية انتشار المرض. على سبيل المثال، توقع باحثو BlueDot في وقت سابق من هذا الشهر، ظهور الفيروس في مدن أخرى بآسيا بعد ظهوره في بر الصين الرئيس.

تتمثل الفكرة وراء نموذج BlueDot (الذي يتم تحليل نتائجه النهائية بواسطة باحثين بشريين) في توفير المعلومات للعاملين في مجال الرعاية الصحية في أسرع وقت ممكن، على أمل أن يتمكنوا من تشخيص – وإذا ما لزم الأمر – عزل الأشخاص المصابين والحاملين للمرض في وقت مبكر.

“المصادر الرسمية لا تتوفر دائما في الوقت المناسب” قال خان لريكود. “الفارق بين وجود حالة واحدة لمريض مسافر وتفشي المرض، تعتمد على إدراك عامل الرعاية الصحية في خط المواجهة لوجود مرض معين. قد يصنع ذلك الفرق عبر منع تفشي المرض وتلافي حدوثه”.

وأضاف خان أن نظامه يمكنه أيضًا من استخدام قائمة أخرى من البيانات – مثل المعلومات حول مناخ المنطقة أو درجة حرارتها أو حتى المواشي المحلية – للتنبؤ باحتمالية تسبب شخص مصاب بمرض ما في تفشي المرض في تلك المنطقة. ويشير إلى أنه في عام 2016، تمكنت BlueDot من التنبؤ بظهور فيروس زيكا في فلوريدا قبل ستة أشهر من ظهوره هناك.

وبالمثل فقد صنفت شركة Metabiota لرصد الأوبئة – تايلاند وكوريا الجنوبية واليابان وتايوان باعتبارها الدول الأكثر تهديدا لظهور الفيروس، وذلك قبل أكثر من أسبوع من الإبلاغ عن حالات في تلك البلدان، جزئيًا من خلال البحث عبر بيانات الرحلات الجوية. تستخدم Metabiota – مثلها مثل BlueDot – معالجة اللغة الطبيعية لتقييم التقارير عبر الإنترنت حول مرض محتمل، كما أنها تعمل  أيضًا على تطوير التكنولوجيا نفسها لمعالجة بيانات الشبكات الاجتماعية.

يوضح مارك جالافان Mark Gallivan مدير علم البيانات في Metabiota، أن بإمكان المنصات والمنتديات عبر الإنترنت إعطاء مؤشر لوجود خطر حدوث وباء. تدعي Metabiota أيضًا أن بإمكانها تقدير خطر انتشار مرض يؤدي إلى اضطراب اجتماعي وسياسي، استنادًا إلى معلومات مثل أعراض المرض، ومعدل الوفيات، وتوفر العلاج. على سبيل المثال، في وقت نشر هذا المقال، صنفت Metabiota خطر الإصابة بفيروس كورونا الجديد الذي تسبب بقلق عام بأنه “مرتفع” في الولايات المتحدة والصين، لكنها صنفت خطر فيروس جدري القرود في جمهورية الكونغو الديمقراطية (حيث تم الإبلاغ عن حالات إصابة بهذا الفيروس) بأنه “متوسط”.

من الصعب معرفة مدى دقة نظام التصنيف هذا أو النظام نفسه عموما، لكن جالافان يقول إن الشركة تعمل مع مجتمع الاستخبارات الأمريكي ودائرة الدفاع بشأن القضايا المتعلقة بفيروس كورونا. هذا مثال على عمل Metabiota مع In-Q-Tel الشركة غير الربحية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية. لكن العملاء المحتملين لمثل هذه الأنظمة ليسوا حكرا في الوكالات الحكومية وحدها. تروج Metabiota لبرنامجها أيضا لدى شركات إعادة التأمين – إعادة التأمين هو ببساطة تأمين لشركات التأمين – التي قد ترغب في إدارة المخاطر المالية المرتبطة بانتشار المرض المحتمل.

لكن منافع الذكاء الاصطناعي لا تنحصر في مجرد إبقاء أخصائيي الأوبئة والمسؤولين على اطلاع عند ظهور مرض ما. قام الباحثون ببناء نماذج معتمدة على الذكاء الاصطناعي قادرة على التنبؤ بتفشي فيروس زيكا في الوقت الفعلي، الأمر الذي يعين الأطباء على الاستجابة للأزمات المحتملة. يمكن الذكاء الاصطناعي أيضا مسؤولي الصحة العامة من التوزيع الفعال للموارد أثناء الأزمة. في الواقع، أثبت الذكاء الاصطناعي جدواه باعتباره خط دفاع جديد ضد الأمراض.

على نطاق أوسع، يساعد الذكاء الاصطناعي بالفعل في البحث عن أدوية جديدة، ومعالجة الأمراض النادرة، والكشف عن سرطان الثدي؛ حتى إنه استخدم في تحديد الحشرات التي تنشر داء شاغاس Chagas، وهو مرض عضال وقاتل يعاني منه حوالي 8 ملايين شخص في المكسيك وأمريكا الوسطى والجنوبية. هناك أيضًا اهتمام متزايد باستخدام بيانات غير مرتبطة بالصحة بشكل مباشر – مثل المنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي – لمساعدة صانعي السياسات الصحية وشركات الأدوية على فهم مدى اتساع الأزمة الصحية، كأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تنقب منشورات وسائل التواصل الاجتماعي لتتبع مبيعات المواد الأفيونية غير القانونية، وتبقي مسؤولي الصحة العامة على اطلاع بانتشار هذه المواد الخاضعة للرقابة.

فاعلية هذه الأنظمة بما فيها Metabiota’s و BlueDot تعتمد على البيانات التي تقيمها. والأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي – بشكل عام – تعاني من مشكلة التحيز، التي تعكس تحيز كل من مطوري النظام والبيانات التي يُدرب عليها النظام. وأنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في الرعاية الصحية ليست بأي حال  محصنة ضد هذه المشكلة.

مع ذلك؛ يمثل هذا التقدم في الذكاء الاصطناعي نظرة أكثر تفاؤلاً لما يمكن أن تفعله هذه الأنظمة. قد لا يشعرُ المرء بالارتياح لسماع أخبار عن روبوتات الذكاء الاصطناعي التي تغربل آلاف البيانات. فكر – مثلا – في تطبيق القانون باستخدام قواعد بيانات التعرف على الوجه المبنية بالاعتماد على التنقيب عن الصور عبر الويب. أو تعيين مديرين يمكنهم الآن استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بسلوكك في العمل، استنادًا إلى منشوراتك على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن فكرة مكافحة الذكاء الاصطناعي للأمراض القاتلة، إن لم تشعرنا بالتفاؤل فإنها تشعرنا بالارتياح على الأقل. ربما تساعد هذه التقنية – إذا ما تم تطويرها واستخدامها بالشكل الصحيح – في إنقاذ بعض الأرواح.


[1] https://www.vox.com/recode/2020/1/28/21110902/artificial-intelligence-ai-coronavirus-wuhan

(2) عند نشر المقال.

عن الكاتب

Avatar

نوف السعيدي

كاتبة عمانية

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.