جنائزية زعامات عربية… كلام في الدلالة السياسية للمشهد

لـ

   أسهب ملك المغرب السابق، الراحل الحسن الثاني، في إحدى مقابلاته الصحفية، وتوسع في الحديث عندما سأله محاوره عن تجربته في الحكم وأهم دروسها. فكانت الإجابة، أن أول درس له في الحكم صادف اليوم الأول لتوليه سلطاته، وتحديدا أثناء جنازة والده، الملك محمد الخامس. فبينما الموكب الجنائزي يشق طريقه بصعوبة وسط ازدحام المشيعين من داخل البلاد وخارجها، إضافة إلى هذه الحشود الشعبية التي توزعت على جنبات الطريق لإلقاء نظرة الوداع الأخير على ملكها؛ وسط هذه الأجواء المشبعة بالحزن، وردود الفعل المتأثرة بالمصاب، ووسط هذا المشهد المهيب، يذكر الملك أنه سمع رجلا بالقرب منه يصيح في المشيعين قائلا:” الجنازة يرحمكم الله للرجل”. والعبرة التي يسوقها الملك من سرد حكايته، أنه بعيدًا عن مشاعر الناس ومواقفهم من حكامهم، ومهما كانت عظمة المُلك وأبهته، فإن تفاصيل التجربة طال أمدها أو قصر، تختصرها جنازة. 

   وفي مشهدية جنائز الزعماء، واللامعين في مجالاتهم – على المستوى المحلي أو الدولي – فإن التفاصيل الحاضرة في الحدث لها دلالة؛ حتى التفاصيل الغائبة أو المغيبة لها دلالة ومعنى. إلا أن المعنى الحاضر بقوة دائما ولا يمكن استبعاده على أي نحو من الأنحاء، هو معنى “الموت” باعتباره الحقيقة الجوهرية، التي لا تنفع معها كل ألاعيب السياسة واحترافيتها، إنها الحقيقة الكاشفة الواضحة أحيانا، المستبطنة أحيانا أخرى، للعديد من مشاهد التجربة، وكأنها لقطات متتابعة وصولا إلى لحظة ” جنازة الرجل”. 

   على مدى عشرين عاما مضت، عاين المواطن العربي وعلى نحو مباشر تشييع عدد من زعاماته وقياداته الحاكمة. ولكل تشييع تفاصيل جنائزية تختلف عن سواها، ولكل تفصيل معنى ودلالة، وجملة رسائل يراد تبليغها لمن يهمه الأمر. وغالبا يتعدد المشاركون في تحديد معالم هذا كله، وعلى الأغلب يكون لصاحب النعش رأي قبل موته في بعض تفاصيل المشهد، وربما في عموميته. 

   جنازة ملك الأردن، الحسين، بساعاتها الخمس، حدث فاجأ العالم بالنظر إلى حجم مشاركة القادة والزعماء من معظم دول العالم، حتى غدا حجم المشاركة مجالا لمفاضلة الحدث مقارنة بما يوازيه، وأطلق عليه مصطلح “جنازة العصر”. ولم تقتصر المشاركة الرسمية على المسؤولين المعاصرين للحدث، ممن هم على رأس سلطاتهم، فكان هناك حرص من مسؤولين كبار على المشاركة في الحدث، وحضور المناسبة. ولعلها المرة الأولى في التاريخ التي شارك فيها أربعة رؤساء للولايات المتحدة في وداع زعيم صديق وحليف، مثل الملك حسين؛ إذ حضر الرئيس بيل كليتون وكل الرؤساء السابقين: جورج بوش الأب، جيمي كارتر، جيرالد فورد. وأبدى أربعتهم مظاهر الاحترام والتأثر أمام النعش المسجى، مستحضرين اللحظات التاريخية التي جمعتهم بالفقيد وجمعته بهم، وبمن سبقهم من رؤساء سابقين. فعلاقة ملك الأردن برؤساء الولايات المتحدة عميقة على نحو يفوق تصور الكثيرين؛ فالملك ابتداء مدين للحكومات الأمريكية باعتبارها حامية عرشه في اللحظات التاريخية الحرجة، وتحديدا في فترة الغليان القومي بالمنطقة. لأجله صدرت أوامر للأسطول السادس كي يبحر ويستقر في وضع التأهب الأقصى  قبالة شواطئ السواحل الشرقية للمتوسط، كمظهر من مظاهر الحماية للملك في وجه القوى المناوئة لحكمه في الداخل وفي الإقليم. تكرر هذا الإجراء ثلاث مرات في التاريخ. وكل من أوتي حظا ولو يسيرا من فهم في السياسة، يدرك أن هذه الخدمات العظيمة لا بد وأن تقابلها خدمات موازية، تضمن للولايات المتحدة تحقيق قدر لا يستهان به من النفوذ في المنطقة؛ إذ لا يوجد في السياسة فعل بدون غاية، وأنه محكوم دائما بالمصالح. 

      الأثر الغربي في جنازة الملك الراحل لم يقتصر على الحضور الشخصي لزعماء هذا العالم، إنما كان الحضور الثقافي بالغ الأهمية والدلالة؛ فاللقطات المتعاقبة للحظة الجنائزية، تظهر مدى حضور رمزية الموت كما هي في الفكر الغربي. ابتداء من الجثمان المسجى وإلقاء المشيعين نظرة الوداع الأخيرة، وهناك الحذاء المقلوب على سرج حصان بلا فارس، ومعزوفات آلات القرب الاسكتلندية؛ فالمشهد الأول تقليد أوروبي مرتبط بفترة الحروب الصليبية، والثاني تقليد أمريكي أثناء الحرب الأهلية، أما نفخ القرب الاسكتلندية فهو تقليد بريطاني ارتبط بدفن قتلى حروب المستعمرات. كانت هذه آخر عهود مُلك دام 46 عاما من الحكم الفردي.

    بعد أشهر قليلة على وفاة الملك حسين، انسحب ملك المغرب، الحسن الثاني عن مقعده في الحياة والمُلك، وشيع في جنازة سمتها الجوهرية هذا الحضور الشعبي الكثيف، إذ احتشد المغاربة – قرابة مليوني مواطن – لوداع مليكهم. وهي ثاني أكبر جنازة لزعيم عربي منذ رحيل الرئيس المصري جمال عبد الناصر. بالطبع الحضور العربي والدولي كان لافتا، فالملك المغربي الراحل كان شخصية تمتاز بجاذبية خاصة وحضور مؤثر، إضافة إلى حالة غامضة في طبيعة علاقاته الدولية، وهي حالة نسجت حولها الكثير من القصص والحكايا، خصوصا المتعلق منها بالصفة الأمنية والاستخبارية.

    والعلاقة مع الكيان الإسرائيلي هي إحدى أبرز سمات حكم الحسن، لذا كان مصاب هذا الكيان بموت الحسن كبيرة، خصوصا وأنها جاءت بعد فترة وجيزة من موت الملك حسين. ويصنف المؤرخون الإسرائيليون علاقة الملكين: الحسن والحسين بإسرائيل، باعتبارها علاقة استراتيجية.  وحول هذا المعنى كتبت صحيفة الجيروسالم بوست في افتتاحية عددها 27يوليو 1999 ” فقدت إسرائيل اثنين من أغلى أصدقائها في المنطقة، وهما الملك حسين والملك الحسن، فكلاهما كان لديه الإلهام والشجاعة لدفع العالم العربي إلى التصالح مع إسرائيل…” وكان حدث الجنازة، مناسبة ملائمة لنبش تاريخ  العلاقة السرية التي تربط المغرب بإسرائيل، على النحو الذي نشرته صحيفة الاندبندنت البريطانية في مقال لـ”  إريك سيلفر ” في عددها بتاريخ 27/يوليو 1999 ، وفيه تناول بإسهاب طبيعة العلاقة التاريخية بين الجانبين، مع تسليط الضوء بصورة أكبر على الجانب الاستخباري. وكما سواه من الحكام العرب، فقد عاش أجيال من المغاربة وهم لا يعرفون سوى الحسن الثاني ملكا، إذ دام حكمه 38 عاما من الحكم الفردي.

   وبعد عام، أو أكثر قليلا على وفاة ملك المغرب، أعلنت وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد. وكان لوفاة الأسد ومن ثم معاينة جنازته وقع خاص في نفوس كثيرين من أبناء شعبه، خاصة في نفوس أولئك الذين مضت سنوات طويلة من حياتهم، منذ الطفولة مرورا بمرحلة الشباب والنضج، وهم يهتفون ” معا إلى الأبد  يا حافظ الأسد”. أجيال تكرس في فهمها عميقا مفهوم “القائد الخالد”، على غرار تضخيم الزعيم والقائد في المعسكر السوفييتي والشرقي عموما. هذه الأجيال كانت ترى في حافظ الأسد رمزية الخلود والديمومة. وعند معاينة جثمان الرئيس الراحل في جنازته التاريخية، أدرك هؤلاء ليس فقط محدودية بل وعدمية فكرة أبدية القائد أو الزعيم، لينتبه العقل من ثم إلى حجم الجهد الذي بذل في سبيل ترسيخ مثل هذه الأفكار والقناعات لدى الجمهور.

   وسورية التي لم تعرف على مدى عقود التلقائية أو التعبير العفوي، فكل شيء مهما صغر مرصود ومحسوب، حتى حماسة التصفيق والهتاف لها دلالة يمكن أن تكون سببا لاستحضار ويلات لا تخطر على بال. في مثل فضاء ثقافي وأمني كهذا، كان من البدهي أن تنشط الماكنة الحزبية لإظهار المناسبة بصورة تليق بزعيم خالد، وجاء التحشيد للموظفين والطلاب على أوسع نطاق. أما على مستوى الحشد الرسمي  والمشاركة الدولية فقد جاءت متفاوتة في درجة التمثيل وفقا للموقف تجاه السياسة السورية، ومدى التأييد أو الموافقة على الترتيبات التي كان الرئيس الراحل اتخذها في أيامه الأخيرة ليضمن انتقال السلطة بهدوء إلى ابنه بشار من بعده. 

   ومع تعدد الحاضرين في جنازة الرئيس الأسد، وتباين في مستويات التمثيل، إلا أن الغائب أو المغيب الذي حرص الجميع على تتبع ومعرفة مشاركته من عدمها هو رفعت الأسد، شقيق الرئيس الراحل، والمبعد عن سورية لمحاولته الانقلاب على أخيه أواسط الثمانينيات، وبقي جاهدا في سبيل انتزاع الحكم لنفسه. كانت التوجيهات تقضي بمنع دخول الأخ المبعد إلى البلاد، فالبيت العلوي لا يحتاج في هذه اللحظات لمزيد من الانقسام الداخلي، خصوصا وأن المتربصين بهذا الحكم الذي أخذ صفة عائلية / طائفية، ودخل في نزاع مرير مع المكونات الرئيسة في المجتمع السوري، بانتظار الفرصة المناسبة لتصحيح المسار السياسي في البلاد، خصوصا بعد 29 عاما من حكم الراحل حافظ الأسد، الذي اتسم بالتسلط والفردية. 

      آخر مشاهد الجنائزية لزعيم عربي، هي تلك الخاصة برحيل سلطان عمان، قابوس بن سعيد. والميزة الأهم التي أدركها وفهم معناها كل متابع للحدث عبر القوات الفضائية، أو كان حاضرا في بعض تفاصيله، هذا الغياب الكامل لأي مشاركة عربية أو دولية في مشهدية التشييع أو الصلاة أو الدفن، لتقتصر المشاركة على أبناء الوطن في الصلاة وإلقاء نظرات الوداع على الجثمان المحمول على عربة مدفع. أما مراسم التشييع الرسمية فكانت مقتصرة على مجلس العائلة الحاكمة، وعدد من المسؤولين الرسميين.

 صحيح أن عُمان زمن السلطان الراحل، امتازت في وسطها الإقليمي بأنها دولة وسيطة بين كيانات متعارضة ومتنافسة، وأن سياستها ملتزمة بمبدأ الحفاظ على التوازن، وهي إستراتيجية اقتضت الضرورات، وفقا للاجتهاد السياسي، إلى اجتماع السلطان الراحل علنا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو. وفسرت هذه الخطوة في حينها باعتبارها خطوة جريئة تهدف إلى أخذ الاحتياطات والضمانات اللازمة لغاية حفظ التوازن وضمانة الاستقرار الداخلي، في مرحلة ما بعد قابوس، أمام الصراعات الملتهبة المحيطة بالسلطنة. فبالرغم من علامات الانفتاح ” المقنن “، على الخارج وقضاياه الشائكة، إلا أن السياسة العمانية في لحظات تاريخية تفضل الانكفاء على نفسها، بحيث تغدو الأولوية للشأن الداخلي ثم الخارجي. ولحظة وداع السلطان قابوس وتشييعه، وتبادل مشاعر الحزن على حاكم، لم تعرف غالبية العمانيين زعيما سواه، وارتبط اسمه بانتقال دولة من حالة الغياب إلى حالة حاضرة، واحدة من تلك اللحظات.   

ثاني السمات الرئيسة في جنازة السلطان قابوس، أنها عسكرية الطابع، بصورة منسجمة في عدد من جزئياتها مع البروتوكول الدولي في مثل هذه المناسبات. وكثافة الحضور العسكري في المشهد الجنائزي، أفرادا وآليات،  له دلالات ورسائل عدة، في دولة احترفت نقل الرسائل بين متنافسين وأصحاب رؤى متعارضة، وفي المنتصف تنشط دبلوماسية احترفت الفعل السياسي المتوازن من جهة، وعدم الانحياز من جهة أخرى. 

0 703 23 مارس, 2020 الخامس بعد المئة, العدد الأخير, سياسة مارس 23, 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.