سعيدٌ الزبيديُّ كما عرفته[1]

لـ

ليس بدعًا من الأمر أن يذكر المرء محاسن عالم عرَفه، وقرأ بعض آثاره ومؤلفاته في حياته، بل العجب أن كثيرين مِنا لا ينتبهون لردّ الجميل، والاعتراف بالفضل لأهله إلا بعد أن يواري الثرى جثمان المتحدَّث عنه، وما أكثر ما سمعنا من أحاديث عن علماء أفاضل بعد وفاتهم ما كنا نسمع عنهم عُشرَه حال حياتهم!

لا أعرفنّك بعد الموت تندبني                     

                                    وفي حياتي ما زودتني زادي([2])

 ومن أسفٍ أيضًا أن تتوالى الندوات عن أناسٍ بعد وفاتهم ما كان يُقدَّم لهم نصف ذلك التبجيل زمن عيشهم، وإنّ من أمَنّ الناس عليّ، وعلى الناس، والعربيةِ؛ اللغويَّ المفضال سعيد جاسم الزبيدي، وهو أستاذ اللغة العربية بجامعة نزوى، صدر له أكثر من عشرين كتابًا، منها: قراءة جديدة في كتاب سيبويه، القياس في النحو العربي، من معجم الجواهري، سؤال في التفسير(صدر منه أربعة أجزاء)، وغيرها. يحار المتحدث عن هذا الرجل من أين يبدأ، وبأيّ ناحية يشرع؟

هو البحرُ من أيِّ النواحي أتيتَه                                               

  فلجَّتُه المعروفُ والجودُ ساحلُه([3])

فإن أتيت إلى أسلوبه، وشرحه، ألفيتَه المعلّم الذي لا يُشقّ له غبار، فمحاضرته تفوح علمًا، وتنثر معرفة، لا يكتفي بتوزيع مذكّرة موجزة لا تكاد تَفي بمبادئ تلك المادة بَلْهَ تفصيلها، بل لم يكن يضع مذكرة أصلًا؛ إذ كان موقنًا أن مرحلة الماجستير مرحلة البحث، لا مجرد التلقين، فإذا ما عرض لمسألة الشاذّ والمطرد عند ابن جني- مثلًا- أمرنا بالرجوع لخصائصه؛ إذ أبانَ فيه المسألة، وإن تحدّث عن خصائص المدرسة البصرية أرشدنا إلى الرجوع إلى كتاب (مدرسة البصرة النحوية)  لعبد الرحمن السيد، وإن تكلم عن مدرسة الكوفة ذكّرنا العودة لكتاب (مدرسة الكوفة) لمهدي المخزومي، وهكذا في كل موضوع، يعرضه، ويوضّحه، ثم يطلب بحثه، فإذا ما جاءت المحاضرة القادمة سأل عما بحثناه، وناقشَنا في، بل يتعدى ذلك إلى أن يسألك عن رأيك فيما قرأت، وبحثتَ، ثم يصحّح لك رأيك إن رأى فيه خطأ، وقد يتراجع عن معلومته إن أثبتَّ له رجحان غيرها، شأنه في ذلك شأن الباحث عن الحق الذي ينشد الصواب، ولو صدر من أصغر طالب عنده، ولولا ضيق المقام لضربت لذلك أمثلة، وحسبي أن مرادي الذكر لا الاستقصاء، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق. والمطلع على كتبه يجد فيها مدرسة في النسبة العلمية، وحسن العزو، فإنه حين يذكر مسألة يستقصي فيها مَن ذكر المسألة بدءًا بالأقدم، فالأحدث([4])، بل لا يكتفي بذلك؛ فهو يذكر أن فكرة كذا سبق إليها فلان، وأن الدكتور ليس أولَ ذاكرٍ لها، وقد يشيد بمن فصّل فيها وأبانها، وإن كان المؤلف من تلاميذه! مبتعدًا في ذلك عمن يحبّون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا “لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” آل عمران: ١٨٨، ومجتنبًا التشبّع ما لم يُعطَ، جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه، وسلم: ((المتشبّع ما لم يُعطَ كلابس ثوبَي زور))([5])، منبّهًا طلابه خطر عدم العزو، أو ترك التوثيق([6]). من محاسن الدكتور أن همّته في عون غيره عجيبة لا تكاد ترى لها مثيلًا، على رغم عمره الذي جاوز السبعين، أطال الله عمره في الخير. فمن ذلك أنك تجده في محاضرته الممتدة الساعتين والنصف متواصل الإفادات، فهِمّته في آخر المحاضرة-وقد أشرفت على الانتهاء- كهمتّه في أولها، فلا تجد فيها إضاعة للوقت، أو حديثا خارجًا عن الموضوع، كما يفعله بعض المحاضرين من ذهاب أكثر المحاضرة في غير ما وضعت له([7])، ومنها أن محاضرته لا تخلو من ذكر لعدد كبير للمراجع، قد تصل إلى عشرين مرجعًا في محاضرة واحدة، متنقلًا في ذلك بين حديث عن أقدم الطبعات، وأفضلها، وبيان فضل كل طبعة على أختها، فهو في معرفة الكتب، والطبعات، والمحققين بارعٌ، ولقد سألته مرة عن سرّ كثرة معرفته الكتب باختلاف سنة طبعها، ومحققها، ودار نشرها، وفَضْلِ ما بينها، فأجابني أنه بالإضافة إلى كثرة القراءة فيها، وتأمّل ما بينها من فرق؛ فإنه لا يقع في يده كتاب إلا اهتبل الفرصة قارئًا متأملًا فِهرِسَ مصادره، فما كان قديمًا في ذهنه علق وتأكد، وما كان غريبًا عنه عرفه، وربما دوّنه، وبحث عنه. ومن مظاهر اعتنائه بطلابه أنه ما إن يعرف حاجة طالب لكتاب أو بحث فإنه يبذل كل جهد للبحث عنها بمختلِف الجامعات، بل مختلِف الدول، ويصيبك العجب كله حين تراه يبحث عن كتاب بعناية باهرة، ثم حين تسأله تلفي الكتاب مطلوبًا لصاحبِ تلميذه، أو أحدٍ ممّن يعرفه صاحبه! وهذا والله في الورى عزيز. وفي الوقت الذي يشتغل فيه المتخصصون في خدمة تخصصهم وحده فإن أستاذنا لا يكتفي بذلك، فتجد مكتبه-وهو المتخصص في النحو والصرف-موئلًا لكل سائل في فنون اللغة بأنواعها، بل إن منهم من يقصده لأسئلة تخصّ المنهج البحثي-والطالب من غير تخصص اللغة-فيجيبه دون سآمة منه، وملالة، فضلا عن كون هاتفه مفتوحًا لكلّ طالب علم عرفَه أم لم يعرفه، بل إن الطلاب أحيانًا يعتذرون إليه أن أزعجوه ربما، أو شغلوه، فيجيبهم بسرور بالغ: “أزعجوني في أي وقت؛ فهذا واجبي”، لسان حاله: ما تعلمت العلم؛ ليبقى في صدري حبيسًا، بل لأنشره، وأرى النفع به واقعًا ملموسًا. ولا يكتفي الدكتور بما حصّله من علم، بل هو مواصل ليله ونهاره قراءة، وبحثًا، فهو-بالإضافة لعمله الأكاديمي بجامعة نزوى-يصدر كل سنة في معرض الكتاب كتابًا أو كتابين، ويشارك كل سنة في نحو مؤتمرين، فضلا عما يُحكّمه من بحوث خارجية، ورسائل علمية. ومما يميز الزبيدي تقديره لطالب العلم، ولوقته وتعبه، يتمثّل ذلك في التزامه بالوقت التزامًا عجيبًا، فإنه يضحّي بوقته، وربما يكون به تعب، لكنه إن وعد بذل-ليفي بوعده-الغالي، والنفيس، وإن عجَز عن ذلك بادر بالاتصال معتذرًا عن ذلك، مقترحًا وقتًا آخر؛ ليُجرى العمل، وما أحسنه من أسلوب! والمتأمل في شخصية الدكتور سعيد يلحظ صفة لا تخطئها عين الملاحظ المنصف، وهي عدم التسويف، ويبرز ذلك في أمور كثيرة، منها أنك إن وعدته بإنجاز عملٍ بحثيٍّ، ثم أخلفته؛ فإنه يستاء لذلك كثيرا، إلا أن يكون لك عذر قوي حجزك عن الوفاء به؛ فيعذرك، ومن عدم تسويفه أنك إن سلمته أوراقًا يراجعها، فإنه إن كانت عشر صفحات مثلًا، أو نحوها، فإنه يلبس نظارته، ويقرؤها في الوقت نفسه، مع ملحوظات قيمة تَشي بخبرة، وعلم، وإن كانت كثيرة فلا يهنأ له مبيت حتى تأتيك رسالة انتهائه منها، فإن كان مشغولًا تأخَّر يوما أو يومين، ولا يتجاوز الأسبوع! يشهد بذلك طلابه؛ 

هذا، وإن رجلًا بهذه الشمائل، وماجدًا بهذه الفضائل؛ لحريٌّ بطلاب جامعة نزوى-وهو معلمهم-ألا يفرطوا في أي مادة يدرّسها، وبغيرِهم أن يشدوا إليه الرحال، وبالجامعة قبل كل شيء ألا تفرّط فيه قِيد أنملة.


[1] استقيت فكرة العنوان من كتاب د.يوسف القرضاوي عن الشيخ محمد الغزالي (الغزالي كما عرفته)، وكتابه (الشيخ أبو الحسن الندوي كما عرفته)، وسلَكَ هذا المسلك مؤلفون، مثل: د.محمد العبودي في كتابه (سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز كما عرفته)، ود.محمد الهاشمي في كتابه (الشيخ عبد الفتاح أبو غدة كما عرفته).

([2]) البيت من البسيط لعَبيد بن الأبرص، ويُروى (لا ألفينك).

([3]) البيت من الطويل لأبي تمام.

([4]) هذا دأبه في كتبه، ومنها كتابه (سؤال في التفسير) الصادر عن دار كنوز المعرفة (الأردنية) في أربعة أجزاء.

([5]) الحديث رواه البخاري، وممن تصدى لأمر العزو بِأُخَرَةٍ في وسائل التواصل الأستاذ سليمان المعمري؛ إذ بات رائدا في كشف السرقات، والانتحالات، وقضايا عدم التوثيق، يفعل ذلك في موقع تويتر، وربما غيره، وهو (كاتب وإعلامي عُماني، مقدم برامج ثقافية في إذاعة سلطنة عمان، له كتب أدبية منها: الذي لايحب جمال عبدالناصر، الأشياء أقرب مما تبدو في المرآة، كائنات الردة) كما عرّف نفسه بصفحته المذكورة. والغريب أن بعض المغردين يرون في صنيعه تحاملًا وشدة، وما هو-لو تأملوا-إلا الصواب، والحكمة؛ فليست سرقة المكتوب بأقل خطرا عن السرقة المادية التي يعظم الناس شأنها باتفاق، ولو كان لي من الأمر شيء لكافأته بأعظم ما يكافَأ به أمثاله من كاشفي الزيف، ومبيّني الخطأ، لكن حسبه مكافأة الله له؛ فجزاه عنا خيرا.

([6]) ذاع في الآونة الأخيرة في وسائل التواصل النقل دون عزو، بحجة أنهم ليسوا بصدد بحث علمي، وهذا عجيب؛ فإن توثيق النقل ليس محصورًا بما ذكروا، فهو ملك للكاتب ثابت في كل حين، لا يختلف ذلك النقل أكان في بحث علمي، أم في تويتر، أم حالة الواتس، وعليها فقس، وإن لم يُعرف الكاتب فلا أقل من أن يكتب ما يدل على أنه ليس من كلامه؛ ككلمة “منقول”، وما لفّ لفّها، ومنهم من يكون عارفًا اسم الكاتب، فيتعمد عدم ذكر اسمه، مكتفيا بالوضع بين تنصيص صغير لا يكاد يبين!! ولله في خلقه شؤون!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.