الخامس بعد المئة سياسة

سياسة كورونا: موعد مع الجيوش

Avatar
Written by مصطفى شلش

شهدت أواخر القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين حدوث تغيرات جوهرية في طبيعة النظام الدولي وخصائص الدول المتفاعلة بداخله، وأدت مجمل التغيرات إلى إنهاء الحرب الباردة، وتفكك الاتحاد السوفييتي، وانهيار المعسكر الاشتراكي، وتبع التغيرات انتشار قيم الليبرالية السياسية والاقتصادية وانتقالها (أو فرضها) على أغلب المجتمعات حتى التي كانت ترفض القيم الليبرالية الغربية. تمت التحولات القيمية في حقلي السياسة والاقتصاد وفقًا لجدول أهداف على رأسه إنتاج مفاهيم وسياسات متعددة ومتنوعة؛ لعل أكثرها شهرة وتداولا هو مفهوم الديمقراطية الليبرالية، وعولمة الاقتصاد، والأمران كلاهما هدفا إلى تقليص دور المؤسسات العامة، وإعداد الترتيبات الدستورية اللازمة لهذا، وفك كل القيود أمام الحركة الاقتصادية، وتعطيل لفاعلية الحدود بين الدول في تجاوز  – إن لم يكن انقلاب – على الدولة القومية الغربية، أو الدولة القُطرية في الشرق التي ظهرت إبان حركات التحرر من الاستعمار.

ربطت السياسة النيوليبرالية الصاعدة آنذاك بين تحقيق شرط الديمقراطية والانتعاش الاقتصادي بإقصاء كلٍ من القوات المسلحة، والأحزاب ذات الأيديولوجيات الشيوعية من الساحة السياسية مع تقديم تنازلات غربية لصالح بعض العسكريين في البقاء في السلطة وإنشاء أنظمة غير ديمقراطية في حال قاموا بدور التابع بالشكل المطلوب.

وبقيت النخب الغربية ومن خلفها العربية على نظرتها المتخوّفة من الجيوش تحديدًا، كون الجيوش هي الناجي الوحيد من معركة الحرب الباردة بين الكتلتين الاشتراكية والرأسمالية، وفوز الأخيرة لم يجعل المعسكر الرأسمالي ينسى تهديد مصالحه بسبب قدرة الجيوش على تكوين أنظمة وطنية ذات ميول اشتراكية في بلدان أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

يبدو أن نظرة العداء تجاه الجيوش العسكرية حول العالم على موعد من إعادة النظر والتدقيق، فبعدما صار فيروس كورونا المستجد يهدد البشرية، لجأت دولٌ عربية وغربية إلى إعلان حالة الطوارئ وتفعيل عمل الجيوش وأجهزة الشرطة وحرس الحدود لمنع انتشار الوباء. وأصبحت تجربة الصين الناجحة باستدعاء جيش التحرير الشعبي الصيني، وفاعليته في مراحل التصدي للفيروس، ما جعل من التجربة مثالاً ارتأت كثير مِن الدول تطبيقه. هذا إلى جانب الدور الطبي الفعال الذي تلعبه كوبا حول العالم، كوبا الجزيرة الشيوعية الصغيرة التي حكمها العسكري فيدل كاسترو وحزبه على مدار عقود. لتصبح الصين وكوبا معًا نموذجين يستحقان الدراسة لإعادة إنتاج قراءة جديدة لدور الجيوش وعلاقتها مع المجتمع.

عودة الجيوش

هل جميع أشكال تدخل المؤسسة العسكرية المباشر في الحياة السياسية بالضرورة معوقة للمجتمع؟ في ظل فيروس كورونا تبدو الإجابة: لا، ذلك أن القوات المسلحة تدخلت لفرض الالتزام باتباع تعليمات الحجر الصحي، ومنع التجوال في حالات عدة، فضلاً عن مشاركتها في بعض المهام المدنية، واستعانة الدول بالطواقم الطبية العسكرية. في دول الاتحاد الأوروبي أصبح الجيش أحد سبل مواجهة الفيروس، إذ قامت فرنسا باستدعاء جنودها لتطبيق حالة الطوارئ، ونشرت قواتها في المناطق المتضررة، في حين أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون عن بدء إقامة مشفى عسكري في منطقة الإلزاس، القريبة من الحدود الألمانية[i].

بينما لجأت إسبانيا إلى الجيش بالفعل لفرض حظر التجول، فيما قررت السلطات السويسرية تعبئة نحو 8000 جندي لتقديم يد المساعدة للحكومة، وفي إيطاليا، الأكثر تضرراَ بالفيروس حتى الآن، وافقت الحكومة على نشر الجيش لفرض العزل في المناطق الموبوءة بكورونا. وكانت صحف قد ذكرت أن الحكومة قد تستدعي الجيش للمساعدة في تفعيل القيود على حركة المواطنين، مشيرة إلى أنه تم نشر جنود في إقليمي صقلية وكالابريا بجنوب البلاد.[ii]

وبالنسبة إلى قوات حرس الحدود لدول الاتحاد الأوروبي فقد أصبح لها دور أساسي لمراقبة تنقلات المواطنين للحد من تفشي العدوى، فقد تم الآن إغلاق منطقة الشنغن لأول مرة في تاريخها[iii]. انتهت السردية التاريخية التي ظهرت في عام 1990، وبعد عام من سقوط جدار برلين، عندما قدم المُنظر الياباني كينيتشي أوماي كتابه  The  Borderless World مُعلنًا نهاية الدولة القومية وبداية عصر العولمة[iv].

قد عادت الجيوش وعادت معها أحد مظاهر الدولة القومية، صارت أزمة الفيروس التاجي تجعل الناس بحاجة إلى مؤسسات عامة منضبطة ومنظمة، وهذا ما تفتقر إليه أغلب المؤسسات العالمية العابرة للقارات. كشف الفيروس هشاشة الوضع الاتحادي بين جانبي الأطلسي؛ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، صارت الأصوات تعلو الآن لصالح غلق الحدود وتوطين الإنتاج، وزيادة الإجراءات الحمائية. 

تزايد مكانة النخب الأمنية (الجيش – الشرطة – حرس الحدود .. إلخ) في مواجهة هذه الجائحة العالمية، والحاجة إلى العسكرة قد تصير جزءا مِن ثقافة المجتمع ككل مع زيادة الحاجة إلى توحيد الجهود وتعبئة الموارد في مواجهة هذه التهديد، وهو ما يؤدي إلى هياكل أكثر مركزية، فالعالم الآن على موعد مع الجيوش مِن جديد. 

نظريات وجيوش

اتخذت النخب العربية بدون قصد (أو عن عمد) الموقف المعادي نفسه من الجيوش العربية لأسباب قد تكون وجيهة في أوقات كثيرة؛ لكن تجاهلت هذه النخب أن الجيوش الغربية استطاعت إنجاز الثورة القومية، وشكلت البيئة المناسبة لإنشاء نظام ديمقراطي؛ فقد شكّلت هذه القوى العسكرية الغربية: الهوية، والحدود، والجمارك، والتوسع العسكري الإمبريالي، وحماية الاقتصاد المركنتيلي وتحولاته وصولًا للاقتصاد النيوليبرالي.

بعد أن ضمنت القوى العسكرية الغربية مواقعها في هرمية المجتمع القومي الغربي الجديد، واكتفت من عمليات التوسع الإمبريالي مرورًا بحربين عالميتين وصولًا إلى الحرب الباردة، ومهد غياب أي تهديد وجودي للعالم الغربي وحلفاءه الطريق لكي تخف الحاجة إلى وجود مؤسسات عسكرية غربية وطنية، وتُرك الشأن العسكري لمنظمات عابرة للحدود مثل حلف شمال الأطلسي، ما جعل الجيوش الغربية تبتعد عن السياسة، وتكتفي بدور الأمن الداخلي في بعض الأمور الطارئة مثل حوادث الإرهاب.

لكن الجيوش العربية لم يرافق دخولها إلى الساحة السياسية إلا التخلص من الاستعمار الغربي، ولم تتمكن هذه الحركات العسكرية من إنجاز ثورة برجوازية قومية على غرار مثيلتها الغربية، بل التصقت القوات المسلحة العربية بهياكل الدولة وصارت تشكل عمودها الفقري، إن تفككت هذه الجيوش تسقط البلدان على الفور، وقد شهدنا هذا السيناريو في السقوط العراقي إبان قرار بحل الجيش في العام 2003 أعقاب الغزو الأمريكي للبلاد. 

 ويزيد على تلك الخصوصية تصور شعبوي ما يجعل مِن الجيوش العربية الصانع الحصري لدولة ما بعد الاستقلال (غالبيتها دول قُطرية) على الرغم من مساهمة الكثير من النخب المدنية؛ إلا أن التشكل السياسي والاقتصادي بقي في يد المكون العسكري في هذه البلدان، هذا بالإضافة إلى كون الجيوش العربية في عمومها جيوش شعبية؛ وليست صفوة أو مرتزقة أو خليط من جنسيات عابرة للحدود. 

 أبعدت الشعبوية والشعبية المكونة لمعتقد ولأفراد الجيوش العربية النخب مِن أجل دراسة متأنية لواقعهم، وتمترست النخب خلف بعض التنظيرات السياسية القاصرة مثل نظرية هارولد ترينكوناس[v] التي تقر بوجوب عزل المؤسسة العسكرية عن الحياة السياسية، لكن (سهوًا أو عمدًا) تناست النخب العربية أن هارولد قد أكد على وجوب قوة الجانب السياسي لكي يوفر للجيوش كل ما تحتاجه ماديًا وإيديولوجيًا قبل الانفصال، لكي لا يصبح هناك أي مُبرر سياسي أو اقتصادي يستدعي تدخل الجيش في إدارة الدولة.

ولو وضعنا طرح هارولد في سياق الأحداث التاريخية سيتبين أنه طرح طوباوي للغاية، فالعسكريون في الولايات المتحدة وصانعو السلاح وشركات الخدمات الأمنية الخاصة تعمل على تحريك الخطاب السياسي الخارجي والداخلي، إذ يرى أن بعض التحليلات المبكرة خلال فترة الحرب العالمية الثانية التي كانت تذهب إلى تزايد التهديدات من شأنها تحويل جميع الدول (بما فيها النظم الديموقراطية) إلى أشكال سلطوية أمنية من دول الثكنات. ومع أن ذلك لم يحدث؛ إلا أن أحداث 11 سبتمبر 2001 عززت صورة أخرى للدول الأمنية هي دول الأمن الوقائي (إذ زيادة الصلاحيات الأمنية للدولة بحجة السعي لمنع أي تهديد إرهابي استباقيا قبل حدوثه قدر الإمكان)، وهو ما صاحبته تغيرات هيكلية ومؤسسية وتقنية في الأدوار الأمنية للدول.

لم تُلقِ السياسة الأمريكية بالًا للنقد الداخلي والخارجي للسياسات العسكرية لها، بل كان لها مؤيدون كُثر فأحيانًا يكون التناغم بين العسكريين والمدنيين أكثر فائدة لاستقرار الدولة مِن صنع حالة عداء وهمي، وهذا ما تقره نظرية التوافق[vi] لريبكيا شيف لفهم تشابك العلاقات المدنية العسكرية؛ فالأمر لا يشكله صراع صفري بين مدنيين وعسكريين في دولة ما؛ وإنما يكمن في قدرة الجيش، والمؤسسات المدنية على التوافق وتحقيق علاقة تعاونية بينهما.

والتعاون هذا – غالبًا- ما يتم تجاهله، فالجيش هو فاعل سياسي مثله مثل المجتمع، ولهذا صُنع خطاب عدائي ضده، بالضرورة سيقابل من قبل أفراده العسكريين بقوة وعنف. فالجيوش في النهاية ما هي إلا كيان هرمي يعتمد الولاء وشمول السيطرة وتنفيذ الأوامر، حتى انفتاح المؤسسة العسكرية الغربية للنقاش الداخلي وتقديم ديمقراطية القائد مع جنوده هو أمر لا تراه إلا في أفلام هوليوود؛ فالجيش في عمومه هو مؤسسة احتكار للموت السريع، لكنه في لحظات السلم قادر على التنظيم الضخم وحرفية تشغيل الأفراد في تناغم، وإدارة عمليات صناعية (من الأفضل أن تكون محدودة)، والمساهمة في عملية تنموية شاملة إلى جانب مجتمع الأعمال. كما أن الجيوش يمكنها أن تصنع (تعلم) المجتمع الدقة الاستراتيجية في تنفيذ الأهداف السياسية والاجتماعية. 

اتهامات وديكتاتوريات

الشرق الأوسط يعيش أزمة حريات وديمقراطية لا يمكن لأحد إنكارها، وقد قامت الشعوب بانتفاضة لأجل تحسين الأوضاع فانتهت الأمور بتفكك دول وانهيارها، وعمت الفوضى دولًا أخرى، وارتدت دول لديكتاتورية أسوء من سابقتها، فما الأسباب؟ هل هي محصورة في دور الجيش؟ سمعت وعايشت مقولات مثل الجيش هو المخطئ، المنقلب، القاتل. نريد ديمقراطية مثل أوروبا. يجب أن يخضع العسكريون للمدنيين. لكن لم أسمع كيف؟ ولماذا؟ وما المشروع البديل لصنع نموذج جديد للسلطة؟ وما تكلفة هذا على الصعيد المدني والعسكري؟ 

تتعامل الكثير من النخب التي ترى في الثورة فعلا يوميا أو هواية مع الغرب كونه النموذج النهائي للتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وإن شروط قيام الثورة متوفرة دائمًا، فقط، يجب نزول الناس إلى الشوارع والهتاف ورفع لافتات وبالونات ملونة! نعم، هكذا هو تصور الكثيرين الكلي لتغيير نظام قائم. فالتغيير في الثورات الراديكالية مثل الفرنسية والبلشفية والإيرانية كان النمط المطلوب الوصول له في الحكم واضحا؛ أما الآن فكيف يمكن الوصول لدولة تراعي الأمن القومي بمعنى فهم التغيير في طبيعة وأدوار المؤسسات الموجودة في أي دولة للنهوض بالسياسة الأمنية على المستوى الداخلي، دون إنكار الطابع التحليلي للفصل بين الأمن الداخلي والخارجي وتعدد مظاهر الارتباط بينهما لاسيما مع التطورات الاتصالية والتكنولوجية المقللة لأهمية الحدود والقدرة على السيطرة عليها.

هذا بالإضافة إلى غياب القدرة لدى القوى السياسية المدنية العربية خصوصًا على تعديل وضع القوى العسكرية دون فرض تحول الدولة إلى ساحة صراع عالمي مثلما حدث في الأنموذج السوري، أو أن يحل محل الفراغ السياسي قوى فوضوية مثلما حدث في مصر وتونس وليبيا واليمن، ومنذ أواخر الثلاثينات أشار هارولد لاسويل[vii] إلى أن تأخر ظهور النزعات السلطوية في الدول الديموقراطية الغربية يرجع بالأساس إلى التطورات التكنولوجية التي أدت إلى إمكانية الاستمرار في التوسع لتوفير السلع الاستهلاكية للمواطنين وتوفير احتياجاتهم دون الحاجة إلى إدخال تغييرات جذرية لتعبئة الموارد، وإن كان لاسويل قد توقع صعوبة الحفاظ على هذه الصيغ في المستقبل، وهذا ما ظهر جليًا في أزمة كورونا.

يمكن الإستفادة من عسكرة المجتمع والإجراءات الانضباطية على المدى القصير والمتوسط؛ فقد قدم كل مِن الكاتبين أريل كرواسون وديفيد كوهين[viii] نظرية تشير إلى أن السلطة في المجتمع يحددها التنافس بين المدنيين والعسكريين، وتتركز هذه المنافسة في مجالات مثل: صنع القرار والسياسة العامة، ووضع تكتيك الأمن القومي الداخلي والخارجي، وتأييد النخب، والتأثير في الشرائح المجتمعية المختلفة…إلخ.

وكأمثلة على هذه النظرية، خلال الحرب الباردة يوضح عالم السياسة آرون فريدبرج[ix] في كتابه ” In the Shadow of the Garrison State: America’s Anti‑Statism and its Cold War Grand ” ما أسماه “الضغوط المضادة أو التعويضية” التي تحد من تأثيرات تزايد النزعات الأمنية، وهي ضغوط متجذرة في الثقافة الأمريكية ضد توسع أدوار الدولة سواء اقتصاديا أو أمنيا وعسكريا والحد مِن حجم الإنفاق الأمني، وهذا ما أدى وفقًا لآرون إلى تجنب التوسع الاقتصادي الزائف المُفضي إلى استنزاف الموارد من جهة، والحد من تطوير مجتمع تغلب عليه النزعة العسكرية.

بينما في أوروبا شكل المحامون والإداريون والساسة في الغرب الطبقة الوسطى التي كانت مزدهرة جراء تجارة الرقيق، ثم الثورة الصناعية، وحقبة الاستعمار، وصولًا إلى حقبة التجارة العابرة للقارات، وقد لعبت هذه الطبقة دورًا كبيرًا في الحد مِن دور العسكريين، وعملية عسكرة المجتمع ما بعد الحرب العالمية الثانية ، فقد أطلق عليهم الفيلسوف وعالم اجتماع فرنسي رايموند آرون[x] في سبعينيات القرن العشرين “خبراء التساوم”، هؤلاء هم من حافظوا على مواقعهم القيادية ولم يتنازلوا عنها لصالح العسكريين. 

وبهذا تصبح مسألة توفير النمط الإنتاجي والاستهلاكي الملائم، وتحضير الطبقات الملائمة لإحداث تغيير مجتمعي أمور شديدة الأهمية لإجراء أي تحول في بنى الدول العربية السياسية وعلاقة النخب المدنية بالقوات المسلحة. ولا يقتصر الأمر على نقد وهدم لفكرة المؤسسات العسكرية في وسط مضطرب كالشرق الاوسط، وإن غابت فاعليتها وإن اتهمت هذه الجيوش في قضايا فساد مالي وسياسي، تبقى فكرة تكوين جيش وطني قوي تستحق التعامل معها بجدية.

كما أن النظر ببريق عينين طفولي لمؤسسات الديمقراطية الغربية التي شاخت صار أمرًا غير معقول، فقد بلغت الديمقراطية نقطة تحول؛ فإما أن تنحدر أكثر وتخسر أفضليتها على باقي أشكال الحكم الأخرى، وإما أن يجري تطويرها وتجديدها؛ إذ من غير المعقول مواصلة التعويل على بنى ومؤسسات وأفكار غربية أقرت في القرن الثامن عشر وعصفت بها ثورة ما بعد الصناعة، كما عصفت بمفاصل الإنسانية كلها. وهذا أحد تمظهرات اللامعقول وغياب المنطق لدى بعض النخب العربية (إن لم يكن الكثير) التي لم يعد لديها أي ميول للتفكير وتقديم فائض من البدائل والخيارات على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والعسكري، إلى جانب إيجاد أنماط خدمية واستهلاكية وسلعية وثقافية مغايرة للغرب.[xi]

هذا هو أحد سبل فهم مؤسسة الجيش والتعامل معها وكسر نمطية الثنائية العسكرية – الدينية في الشرق الأوسط، وكسر النموذج الديمقراطي التمثيلي الرديء واعتماد أشكال أكثر فاعلية من الديمقراطية المباشرة وغير المباشرة إلى جانب القبول بفكرة تعددية مصادر عملية اتخاذ القرار مِن قبل المدنيين والعسكريين.[xii]

خاتمة

التجارب العسكرية العربية للحكم شائكة للغاية، ولها أكثر من رواية؛ إلا أن المتغيرات الجارية في العالم، وشبه التوافق الدولي على نجاح الصين وقواتها المسلحة الشعبية في احتواء الفيروس، ودور الجيوش الفاعل في المساهمة في تطبيق سياسات الحكومات المتبعة الآن لاحتواء انتشار الفيروس جعلت كلمات المنظر العسكري البروسي كلاوزفيتز[xiii] عندما قال “إن تأثيرات دور المُفكر لا تظهر كثيرًا في المراحل الأولية أو الأنماط الجديدة للعمل كما تظهر في النجاح النهائي للعمل بأكمله. إن ما ينبغي علينا تقديره هو التنفيذ الدقيق للافتراضات غير المرئية وغير المعلنة، والانسجام السلس للنشاط في مجمله، وهذا لا يصبح جليًا إلا عند تحقيق النجاح النهائي.” أكثر وضوحًا، فربما نحن بحاجة لدراسة النموذج الصيني والكوبي من خلال نظرة أكثر إنصافًا وليس وصمها بالديكتاتورية من باب المناكفة الأيديولوجية. 

فالمسألة لا يجب أن تكمن في صراع نظري حول دور الجيوش والدولة المدنية، فعندما كان يحكم شارل ديغول فرنسا وكان عسكريًا لم يكن هناك النقد ذاته له مثلما وجه لستالين؛ مع أن الأخير ليس عسكريًا ولا جنرالًا! إذ كان دائمًا الصراع الإيديولوجي هو الذي يحدد متى تُهاجم الجيوش ومتى يغض عنها الطرف مِن قبل جهات صحفية وحقوقية وغيرها من فاعلين صاروا ممثلين للإيدولوجيا الحاكمة في هذا العالم. 

كما أن ما يحدث الآن في العالم يدعنا نتساءل: هل استدعاء الجيوش داخل الدول الديمقراطية لتولي إدارة شؤون الدولة فعليًا مِن الثكنات العسكرية وليس من البرلمانات يجعلنا أمام تهديد لنموذج الغربي؟ أم أن عسكرة المجتمع في الوقت الحالي هو ضرورة مُلحة لتجاوز الأزمة؟ فنحن الآن صرنا إزاء نموذج جديد للدول “الديموقراطية” يتحول فيه جميع المواطنين والأفراد والجماعات داخل الدولة إلى مصادر كامنة للخطر، ما يستدعي تعاملًا أمنيًا سريعًا وفعالًا لمنع وقوع كوارث يدفع ثمنها الجميع. إلا أن هذا التحليل يكشف عن أبعاد أكثر تعقيدًا وعمقا للتغيرات في خصائص الدول الديمقراطية وغير الديمقراطية فيما يتعلق بالأمن القومي لها.[xiv]


[i] https://www.dw.com/ar/جيوش-وقوات-عسكرية-وشرطية-في-ساحة-الحرب-ضد-كورونا/a-52871097

[ii] https://www.dw.com/ar/جيوش-وقوات-عسكرية-وشرطية-في-ساحة-الحرب-ضد-كورونا/a-52871097

[iii] https://www.dw.com/ar/جيوش-وقوات-عسكرية-وشرطية-في-ساحة-الحرب-ضد-كورونا/a-52871097

[iv] https://www.ft.com/content/644fd920-6cea-11ea-9bca-bf503995cd6f?fbclid=IwAR2vg1TTsFdiSB5goLTeo8ac6Ozu9MgeyNRivs0gEhnw3TMd5_ismG8ttmM&fbclid

[v] https://www.brookings.edu/experts/harold-trinkunas/

[vi] https://www.goodreads.com/book/show/8367431-the-military-and-domestic-politics

[vii] http://arabprf.com/?p=2840&fbclid=IwAR3HyfFc-v_HTXueqq48roqWTSiutlVFs9594lUJPbK4VMfrZVFABu7uZwg

[viii] https://www.uni-heidelberg.de/politikwissenschaften/personal/croissant/forschung_en.html

[ix] http://arabprf.com/?p=2840&fbclid=IwAR3HyfFc-v_HTXueqq48roqWTSiutlVFs9594lUJPbK4VMfrZVFABu7uZwg

[x] http://arabprf.com/?p=2840&fbclid=IwAR3HyfFc-v_HTXueqq48roqWTSiutlVFs9594lUJPbK4VMfrZVFABu7uZwg

[xi] كتاب المأزق العالمي للديمقراطية: بلوغ نقطة التحول، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، عصام فاهم العامري

[xii] كتاب المأزق العالمي للديمقراطية: بلوغ نقطة التحول، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، عصام فاهم العامري

[xiii] الاستراتيجية ومحترفو الأمن القومي : التفكير الاستراتيجي وصياغة الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين / هاري ر. يارغر ؛ ترجمة راجح محرز علي

[xiv] كتاب الأمن والأمن القومي مقاربات نظرية لـ د علي عباس مراد

عن الكاتب

Avatar

مصطفى شلش

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.